مطبّات ومحاذيرفى الديمقراطية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 6:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مطبّات ومحاذيرفى الديمقراطية

نشر فى : الخميس 4 سبتمبر 2014 - 7:55 ص | آخر تحديث : الخميس 4 سبتمبر 2014 - 7:55 ص

لم تنفجر ثورات وحراكات الربيع العربى ضدّ الظلم والتسلّط والفساد فقط. ذلك أن العمل السياسى يصبح ممارسة عبثية معلّقة فى الهواء إذا لم يقابل النضال من أجل تغيير أوضاع سيئة مضرّة نضال مواز من أجل إحلال أوضاع جديدة مفيدة. تلك الأوضاع الجديدة المطلوبة، والتى عبّرت عنها الشعارات التى نادت بها حناجر الجماهير الغفيرة فى السَّاحات والشوارع العربية، يمكن اختصارها فى مطلب الانتقال إلى نظام ديمقراطى سياسى – اقتصادى – اجتماعى عادل.

إذن الانتقال إلى الديمقراطية، ولا غير الديمقراطية، كان فى قلب وروح تفجُّر أحداث ربيع العرب. ولأن الأمر كذلك، فإنّ موضوع الديمقراطية فى أرض العرب يجب أن ينال الكثير من التفكير والتحليل والتحديد والتعريف، بما فى ذلك التعلُم من أخطاء الآخرين فى ممارستهم للديمقراطية. إذ كما كررنا مرارا فإن الديمقراطية هى مسيرة وصيرورة لها بداية وليس لها نهاية، ولها أرضية وليس لها سقف.

من التجارب الديمقراطية الهامة، المليئة بالدروس والعبر، تجارب المجتمعات الغربية فى ممارستها للديمقراطية، والتى هى الآن قيد المراجعة والنّقد والتقييم من قبل عشرات الباحثين والمفكّرين الغربييّن.

والسَّبب؟ لأن انحرافات قد حدثت، وأخطاء مميتة فى الممارسة قد أطلت مؤخرا برأسها، ودلائل تراجع مقلق فى قيمتها عند الكثير من المواطنين تظهر ملامحها فى الأفق بين الحين والآخر، وآخرها صعود اليمين المتطرف فى الانتخابات الأوروبية الأخيرة.

•••

مثلما نتحدث عندنا، فى الأرض العربية، عن الثورات المضادة واختطاف الثورات، يتحدثون أيضا عندهم عن أعداء الديمقراطية الحميمين فى الداخل وعن الديمقراطية المناهضة المضادّة والمشوّهة.

فى رأس قائمة الإشكاليات فى ديمقراطيتهم موضوع الحرية. فالإصرار على الحرية الفردية المنفلتة شبه المطلقة أوجد الإنسان الاستهلاكى النّهم الأناني، وأوجد التسلُط والتلاعب والفساد لأصحاب المال، والنتيجة تتمثُّل اليوم فى اختزال الفرد عند الليبرالية الجديدة فى البعد الاقتصادى وذلك على حساب الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية، أى أبعاد الصالح العام الكلي.

ومن أجل تثبيت وإنعاش تلك الحرية المطلقة تم إضعاف سلطات الدولة، المسئولة عن حماية الضَّعاف والفقراء والمهمّشين أمام المال وأصحابه، فازدادت الفروق بين الأغنياء والفقراء، وتراجعت أهم مبادئ الديمقراطية المتمثّلة فى المساواة والعدل فى توزيع الخيرات.

وبموازاة ذلك الشّطط فى الحرية الفردية تراجع دور الديمقراطية فى المراقبة وضبط التجاوزات والتأكُّد من الفصل بين السلطات، واختزلت الديمقراطية فى النهاية فى الفعل الانتخابى الدوري، والذى بدوره أصبح مرتهنا لأصحاب المال من خلال دعم المرشَّحين بمال أصحاب المصالح النفعيّة وبمؤسسات الإعلام التى يملكونها، كما هو واضح ومتجسّد فى الانتخابات الأمريكية على وجه الخصوص.

إن كل ذلك يهدم الميزة الأساسية التى تقوم عليها الديمقراطية، ميزة عدم سيطرة مبدأ على آخر، وفى حالة الغرب مبدأ الحرية على مبادئ الضَّبط والمراقبة القانونية وحماية الضعفاء أمام جور الأقوياء.

•••

بدأ الغرب إذن فى اكتشاف العدو الداخلى الحقيقى للديمقراطية المتمثّل فى الليبرالية الجديدة المتطرفة المنادية بجنون على أن الفرد قادر لوحده، دون حاجة لدولة أو رب أو عائلة أو نقابة أو غيرهم، قادر على الاكتفاء بذاته الحرة ولذاته الأنانية فى إشباع حاجاته الضرورية، وعلى الأخص حاجاته المادية التى أصبحت فى عالم الرأسمالية العولمية المتوحشة أهم وأسمى من حاجاته المعنوية.

ويتوصّل هذا الجنون الليبرالى إلى نتيجة مفادها أن تتحرر السلطة الاقتصادية من رقابة أو محاسبة أية سلطة أخرى، أى تصبح سلطة بلا حدود.

وعندما توجد أية سلطة، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أم دينية، بلا حدود يبدأ الموت المحتّم للشرعية الديمقراطية، وتنتعش الفاشستية والأنظمة الشمولية والتى بدورها تنحر الحرية، سواء أكانت حرية مطلقة أو كانت مقيدة.

إذن فالديمقراطية الغربية، بعد أن تخلصت من أعدائها الخارجيين، الذين تمثلوا فى الفاشستية والنازية والشيوعية المشوهة المختطفة، تجد اليوم نفسها أمام أعدائها الداخليين بأشكالهم المختلفة، وهى تواجه معركة حياة أوموت.

قادة ثورات وحراكات الربيع العربي، التى قامت من أجل انتقال عربى تاريخى ديمقراطي، يحتاجون أن يتعلّموا من دروس الغرب الديمقراطي، وألا يقعوا فى نفس المطَّبات التى أوصلت ديمقراطية الغرب. إلى الطرقات المسدودة التى تواجهها الآن، بحيث تبقى الأسس والسلطات الديمقراطية التى يطالبون بها ويحققونها متوازنة، ولا تحتكم إلا لمبدأ العدالة والإنصاف، من أجل بناء ديمقراطية عربية سياسية – اقتصادية – اجتماعية – ثقافية عادلة.

ميزان العدالة والإنصاف هو وحده الذى سيحمى الديمقراطية فى آخر المطاف.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات