الأربعاء 26 يونيو 2019 7:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في قرار استبعاد عمرو وردة من معسكر المنتخب بكأس أفريقيا؟

قراءة حراك الجزائر.. المواطن فى قلب المشهد!

نشر فى : الجمعة 5 أبريل 2019 - 11:30 م | آخر تحديث : السبت 6 أبريل 2019 - 10:32 ص

في إبريل ٢٠١٤ وقبيل إجراء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الجزائر التي أعطت لعبد العزيز بوتفليقة عهدته الرابعة، نشرت مؤسسة "الباروميتر العربي" (مؤسسة بحثية معنية باستطلاعات الرأي العام) بالتعاون مع مبادرة "الإصلاح العربي" (مركز عربي للتفكير في قضايا الإصلاح) دراسة تفصيلية عن القضايا التي تهم الشعب الجزائري وتقييمه لأداء الحكومة ومؤسسات الدولة وتفضيلاته فيما خص مسألة الديمقراطية.

 

آنذاك أظهرت الدراسة المعنونة "تجاوز الربيع العربي" (http://www.arabbarometer.org/wp-content/uploads/Algeria_Public-Opinion_Survey_2014.pdf) ميلا واضحا لدى أغلبية الجزائريين لتفضيل استقرار أوضاع بلادهم السياسية والابتعاد عن طلب التغيير خوفا من تدهور محتمل للاقتصاد والأمن. فرأى ٦٦ بالمائة ممن استطلعت آرائهم في ٢٠١٣ أن الحالة الاقتصادية تراوح بين الجيدة والجيدة جدا في مقابل نسبة لم تتجاوز ٣٢ بالمائة كان لها نفس التقييم في ٢٠١١، أي أن معدلات الرضاء الشعبي عن الاقتصاد تضاعفت بين ٢٠١١ و٢٠١٤. وبينما طالبت أغلبية كاسحة - ٧٧ بالمائة - بمواصلة الاهتمام بالاقتصاد وأمور الفقر والتضخم كأولوية أولى، جاءت مواجهة الفساد كأولوية ثانية استحوذت على اهتمام ١٥ بالمائة ممن استطلعت آرائهم. أما شؤون الديمقراطية وضمانات الحقوق والحريات السياسية والمدنية فلم تزد نسبة من صنفوها كأولوية عن ٣ بالمائة، وقررت نسبة ٣٠ بالمائة من المهتمين بشؤون الديمقراطية والحقوق أن وضعها الإجمالي جيد مقارنة بـ ٦ بالمائة عبروا عن ذات الرأي في ٢٠١١. كذلك ارتفعت بين الجزائريين مؤشرات الرضاء العام عن الأمن من ٥٤ بالمائة في ٢٠١١ إلى ٦٩ بالمائة في ٢٠١٣، وعن سياسات وأداء الحكومة من ١٠ بالمائة في ٢٠١١ إلى ٤٠ بالمائة في ٢٠١٣، بل أن ٤٧ بالمائة ذهبوا في ٢٠١٣ إلى أن حكومة بوتفليقة تسير بهم نحو تحول ديمقراطي ناجح. 

***

وعلى النقيض من ارتفاع مؤشرات الرضاء العام عن الاقتصاد والأمن والحكومة، جاءت آراء الجزائريين شديدة التحفظ على طلب التغيير السريع كما على الخلط بين شؤون السياسة والدين. في ٢٠١١ أيد ٥٤ بالمائة الإصلاح التدريجي، وبلغت نسبة التأييد هذه ٧٨ بالمائة في ٢٠١٣. وللتدليل على عمق رفض التغيير السريع أو الراديكالي في أوساط الشعب الجزائري، سجلت أغلبية ساحقة في ٢٠١٣ قناعتها أنها تملك حرية التعبير عن الرأي (٧٦ بالمائة) وحرية التصويت في الانتخابات (٨٩ بالمائة) وحرية الانضمام إلى الأحزاب السياسية (٨٠ بالمائة) على نحو يؤهلها للإسهام في مسارات الإصلاح التدريجي. ذات الأغلبية عبرت أيضا عن رفضها الخلط بين السياسة والدين ومعارضتها لتدخل رجال الدين في الانتخابات ومحاولتهم التأثير على نتائجها (٧٨ بالمائة).

 

ثم في إبريل ٢٠١٧، أي قبل عامين من تطور الحراك الاحتجاجي الحالي الذي رتب استقالة الرئيس بوتفليقة، كانت مؤسسة "الباروميتر العربي" قد عادت لنشر نتائج تتبعها لآراء وتفضيلات الشعب الجزائري في دراسة عنونت "الجزائر خمسة أعوام بعد الانتفاضات العربية" (http://www.arabbarometer.org/wp-content/uploads/Algeria_Public_Opinion_Survey_2016.pdf). ولم يكن أمام من طالع الدراسة هذه وتعامل بشيء من الجدية مع تفاصيلها سوى أن يتوقع أن قطاعات واسعة من الجزائريين في سبيلها إلى الخروج إلى الفضاء العام لطلب التغيير السريع الذي لم يفضلونه بين ٢٠١١ و٢٠١٤. ففي ٢٠١٦، تهاوت نسبة الجزائريين الراضين عن الحالة الاقتصادية لبلادهم إلى ٢٧ بالمائة بعد أن كانت ٦٦ بالمائة في ٢٠١٣. وسجل الاهتمام بمواجهة الفساد ارتفاعا ملحوظا ليستحوذ كأولوية ثانية تلي الاقتصاد على نسبة ٢٧ بالمائة من توزيع الجزائريين لأولوياتهم بعد أن كانت نسبته ١٥ بالمائة في ٢٠١٣. بل أن ٦٠ بالمائة ممن استطلعت آرائهم في ٢٠١٦ قرروا أن الفساد في الجزائر صار واسع النطاق، واعتبرت نسبة ٣٠ بالمائة أن حكومة عبد العزيز بوتفليقة لا تحاول على الإطلاق مواجهة الفساد وصنفت نسبة ٢٧ بالمائة جهود المواجهة بالضعيفة.

 

وبينما بقيت في ٢٠١٦ مؤشرات الرضاء العام عن الأمن مرتفعة (٧٠ بالمائة)، تراجعت الثقة الشعبية في سياسات وأداء الحكومة إلى أقل من ٤٠ بالمائة وتهاوت فيما خص الاقتصاد وأمور الفقر والتضخم إلى ما دون ٢٠ بالمائة (١٤ بالمائة لجهة التضخم وضبط الأسعار، ١٥ بالمائة فيما خص تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ١٨ بالمائة بشأن الحد من البطالة وخلق فرص جديدة للعمل). وفي مقابل تراجع الثقة الشعبية في الحكومة، بلغت معدلات الرضاء العام عن القوات المسلحة ٧٥ بالمائة وعن الشرطة (المكلفة بحماية الأمن) ٦٠ بالمائة.

***

أما عمليات الانتخاب التي بدت لأغلبية كاسحة من الجزائريين ذات مصداقية وفاعلية سياسية بين ٢٠١١ و٢٠١٤، فتهاوت الثقة الشعبية بها في ٢٠١٦ لتقتصر على ٩ بالمائة ممن يرون أن الانتخابات حرة ونزيهة بالكامل و١٩ بالمائة ممن يقيمونها كحرة ونزيهة إلى حد ما. وبلغت نسبة الجزائريين الذين يصنفون عمليات الانتخاب كمفتقدة للحرية والنزاهة إلى ٣٦ بالمائة. من جهة أخرى، أيد ٦٩ بالمائة الإصلاح التدريجي في ٢٠١٦ كسبيل للتحول الديمقراطي في الجزائر بعد أن كانت نسبة هؤلاء ٧٨ بالمائة في ٢٠١٣. ووافقت بشدة نسبة ٢٤ بالمائة ووافقت بوضوح نسبة ٥٠ بالمائة (معا ٧٤ بالمائة) على أن الديمقراطية هي أفضل أنواع نظام الحكم مقارنة بغيرها وعلى كونها مناسبة لأوضاع الجزائر. بل أن ٥١ بالمائة ممن استطلعت آرائهم ذهبوا في تفضيلهم للديمقراطية إلى ما هو أبعد بتقريرهم أن الحكومة البرلمانية الديمقراطية التي تتداول بها السلطة بين الأحزاب السياسية هي الأكثر ملائمة لبلادهم. وبينما ارتفعت معدلات تفضيل الديمقراطية، تراجعت نسب الجزائريين المقتنعين بتمتعهم بالحقوق والحريات مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية التصويت في الانتخابات وحرية الانضمام إلى الأحزاب السياسية من حدود ال ٨٠ بالمائة في ٢٠١٣ إلى ما دون ٦٠ بالمائة في ٢٠١٦.

 

تغيرات جوهرية، إذا، هي تلك التي طرأت على آراء وتفضيلات الشعب الجزائري الذي ألفي نفسه في ٢٠١٦ وما بعدها مجردا من رضاء الأغلبية عن الحالة الاقتصادية وفاقدا للثقة في عزم الحكومة على مواجهة الفساد ومقتنعا أن الديمقراطية هي نظام الحكم الأفضل لبلاده ومنفتحا على جدوى التغيير السريع دون انتظار لحكومة لا تثق بها سوى الأقلية. وليس في الحراك الحالي بمطالبه المتعلقة بالتداول الديمقراطي للسلطة وبمواجهة الفساد وإبعاد النخب الفاسدة غير الترجمة المباشرة لهذه التغيرات الجوهرية في المزاج العام للجزائريين والتي حتما ستواصل وضع الجزائر على أعتاب تحولات سياسية متسارعة.

 

أبعد كل هذا يختزل البعض حراك الجزائر في هدف إزاحة رئيس جمهورية مريض؟ أبعد كل هذا يتجاهل البعض الآخر دور الشعب الواعي الذي خرج إلى الفضاء العام مطالبا بالتغيير ويعتبرون أن ما يحدث اليوم في الجزائر لا يتجاوز الصراع على السلطة بين نخب عسكرية وأمنية ومدنية متناحرة؟ تلك قراءات يجافيها الصواب وتغيب عنها الموضوعية.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات