نكوص بعض المثقفين العرب اليائس - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 26 أغسطس 2019 10:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





نكوص بعض المثقفين العرب اليائس

نشر فى : الأربعاء 5 يوليه 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 5 يوليه 2017 - 9:20 م

أحجية نكوص المثقفين العرب عن مبادئ شتى الأيديولوجيات التى آمنوا بها سابقًا، والتى ناضلوا من أجل تحقيقها طيلة فترة عنفوان شبابهم ما عادت أحجية نادرة، وإنما أصبحت مرضًا ينتشر فى كل بقاع الوطن العربى.
بعض المثقفين يتحسرون على أيام الاستعمار، ويتكلمون عن حسناته التمدينية وعن مظاهر الاستقرار والسلوم والتقدم التى رافقت تواجده فى أرض العرب، بل ويتمنون رجوعه. بل ويأسفون على الجهد الذى يذلوه والتضحيات التى كابدوها لتحرير هذا الجزء أو ذاك من عبودية الاستعمار وجرائمه.
بعضهم الآخر يعلنون طلاقهم للموضوع الفلسطينى برمته، ويعلنون توبتهم من خطيئة محاربة الوجود الصهيونى الاستيطانى فى فلسطين العربية. وينضم هؤلاء إلى مخازى فوائد التطبيع مع العدو الصهيونى التى تمارسها بعض الأنظمة العربية. وينسون أيام كفاحهم لنصرة إخوان لهم فى فلسطين المحتلة واستعدادهم للتطوع فى صفوف المقاومين والمجاهدين.
بعضهم الآخر يكتب قصائد المدح فى الطائفة التى ينتمى إليها وقصائد الذم والقدح فى طوائف الآخرين، أو يتغنى بأفضال انتماءاته القبلية والعشائرية والعائلية، فى الوقت الذى يهزأ بقيم الانتماءات الوطنية الديمقراطية وبرابطة العروبة وبكل رابطة دينية ثقافية جامعة. وينسى أنه كان من أشد المضاددين للانتماءات الفرعية المقسمة للمجتمعات والمسممة لأجواء المواطنة والحقوق الإنسانية.
***
ما الذى يجعل أولئك المثقفون يرتدون بذلك الشكل المفجع؟ إنه كما يقولون، اليأس من كل أنواع النضال السياسى العربى. إنه الاعتقاد، كما يدعون، بأن الإنسان العربى عصى على كل إصلاح، وأنه من دون سائر البشر، كائن ضعيف وبليد ومتخلف فى مشاعره وعقليته وكل سلوكياته الاجتماعية.
لكن أليس ذلك النكوص، بشتى تجلياته، وتلك المواقف والتصريحات والتخريفات التى يكتبها هؤلاء أو ينطقون بها عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى تدل على أحد الأمور الثلاثة؟ تعب المناضل من الاستمرار فى طريق النضال السياسى وتفضيل الجلوس على قارعة الطريق، أو، ثانيا، قراءة خاطئة للمشهر السياسى الذى تعيشه الأمة العربية حاليا، أو ممارسة الانتهازية الأخلاقية للحصول على فتات ما تقدمه هذه المائدة الرسمية أو تلك المائدة الاقتصادية العولمية.
ليس الهدف هو تجريح أحد أو المساس بنوايا أحد. فهذا موضوع متروك لمؤرخى المستقبل عندما ينجلى الغبار وتعرف الوجوه التى وراء الأقنعة. الهدف هو تذكير هؤلاء المثقفين، الأكاديميين منهم والمجتمعيين الملتزمين الآخرين، بمسئوليات المثقف تجاه مجتمعه وشعبه وأمته فى أيام المحن والمآسى والانتكاسات، مثل أيامنا التى نعيشها نحن العرب، كل العرب.
أليست مهمته أن يحلل وينتقد بموضوعية، وأن يشير إلى سبل الخروج من الجحيم الحالى بأريحية، وأن يجيش مشاعر الصبر والكرامة والاستعداد لتقديم التضحيات فى صفوف جماهير الأمة وعلى الأخص شبابها لمنازلة أعداء الإنسان العربى والوطن العربى الزاحفين والمتآمرين من الخارج والمتسلطين الجشعين الأنانيين من الداخل؟
وإذا كان لا يستطيع أن يخرج نفسه من مشاعر القنوط واليأس والانهزام اليس من حق الأمة عليه أن يمارس فضيلة الصمت، وأن يترك الساحة للآخرين الملتزمين بقضايا أمتهم فى الوحدة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتجديد الحضارى؟
***
دعنا نذكر هؤلاء المثقفين. الذين آمنوا بقدرة أمتهم على النهوض والتقدم والتمدن فى السابق، الذين آمنوا أيضا بعدالة قضاياها فى التحرر من الاستعمار، وفى دحر الاستعمار البربرى الصهيونى، وفى توحدها القومى لمواجهة أهوال عصرها وتكالب أعدائها، وفى تخلصها من كل أنواع الحكم الاستبدادى الظالم المفقر، دعنا نذكرهم بأن انفجارات وحراكات جماهير الشعب العربى فى شتى مدن العرب عبر القرن الماضى برمته وعبر على الأخص السنوات القليلة الربيعية الماضية دل على إمكانات تحررية حقوقية هائلة فى الجسم المجتمعى المدنى العربى.
لكن كل موبقات الجشع العولمى النيولبرالى، وكل فساد الاستبداد العربى التاريخى وبطشه، وقد تكالبنا وتعاضدا دوما ضد نضوج تلك الإمكانيات وضد نجاحها فى الواقع العربى. هذا يجعل حالة الأمة العربية فى الحاضر حالة فريدة فى هذا العالم، عندما تواجه مساوئ العولمة مع غيرها من المجتمعات والأمم وتواجه مساوئ الاستبداد الذى عاشته عبر القرون.
أمة تواجه هكذا أهوال لا تحتاج لسماع أصوات وبكائيات مثل أولئك المثقفين. إنها تحتاج لمثقفين من نوع آخر.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات