إلى أى مدى نجحت برامج صندوق النقد؟! - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 21 يونيو 2024 6:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

إلى أى مدى نجحت برامج صندوق النقد؟!

نشر فى : الإثنين 6 مايو 2024 - 6:40 م | آخر تحديث : الإثنين 6 مايو 2024 - 6:40 م

   كثيرًا ما سئلت هذا السؤال الذى اخترته عنوانًا للمقال، خاصة كلما أقدمت مصر على توقيع اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولى. السؤال الذى يعمد البعض إلى توجيهه بأسلوب استنكارى، يخفى الكثير من الرفض الشعبى لبرامج الصندوق حول العالم، نظرًا لكونها عادة ما تتضمّن إصلاحات نقدية ومالية عنيفة فى زمن قصير. تلك الإصلاحات تتضمّن ترشيد الدعم، والضبط المالى، وتحريك أسعار الصرف والمحروقات، وزيادة الأعباء الضريبية.. إلى غير ذلك من سياسات يفرضها الكتاب المدرسى للاقتصاد، وتقبلها النظرية الاقتصادية بشكل عام، لكنها فى الغالب تتعارض مع احتياجات ومتطلبات المواطن البسيط، الذى عادة ما يجد نفسه فى مواجهة أزمة اقتصادية عنيفة، مجردًا حتى من أسلحته البدائية، التى كانت توفّرها له الحكومة تحت مسمّى الدعم وتخفيف الأعباء. صحيح أن خبراء الصندوق لا يدعون فرصة لإعداد تقرير لمراجعة الوضع الاقتصادى فى أية دولة دون التطرّق إلى البعد الاجتماعى، لكن مدى سلامة رؤيتهم لهذا البعد، وصلاحية برامجهم للتعامل معه ما زالت محل خلاف.

أدانت «إيزابيل جرامبرج»، مسئولة سابقة فى برنامج الأمم المتحدة للتنمية، سياسات الصندوق المفروضة على الدول النامية بشكل خاص، مشيرة إلى تسببها فى ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية، وضعف الهياكل الإنتاجية، وخضوع الدولة للتبعية فى الحصول على الغذاء.. ما ينعكس بالسلب فى رأى «جرامبرج» على الناتج القومى.

ولأننى اعتدت على اعتصار ذاكرتى بحثًا عن بعض الحالات التى نجح الصندوق فى التعامل معها، فقد تمثّلت أمامى التجربة البولندية التى يفخر اقتصاديو الصندوق بنجاحها، وبوضعها على مسار اقتصادى أكثر استدامة من التجارب المقارنة. تجربة واحدة يمكن الاستشهاد بها (مؤقتا) لإسقاط منهج التعميم بغير دراسة وتحليل، ودون فهم لمعايير التقييم العلمية لبرامج الصندوق، والتى تتفاوت حجمًا ونوعًا وأهدافًا من دولة إلى أخرى، بل وداخل الدولة الواحدة، متى اختلف البرنامج الذى يموّله الصندوق. ورغم أن بولندا قد استعانت بالصندوق فى مرحلتين تاريخيتين: الأولى لدى تحوّلها الاقتصادى الشهير إلى اقتصاد السوق، وثانيها فى أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. فإن المرحلة الثانية التى عقدت خلالها بولندا اتفاقًا مع صندوق النقد (تم تمديده وطلب إنهائه من قبل بولندا أكثر من مرة منذ عام 2009) اعتمدت على ما يسمى FCL أو خط الائتمان المرن، الذى يسمح للدولة السحب منه فى أى وقت طوال مدة الاتفاق. لكن بولندا استخدمت التسهيلات المذكورة كإجراء وقائى فقط، ولم تسحب من الأموال المخصصة نتيجة تحسّن أوضاعها الاقتصادية، فى ظل ما تم التوافق عليه مع الصندوق.

• • •

تجربة واحدة أو بضع تجارب لا ينبغى الإفراط فى التعويل عليها للحكم على كفاءة وفاعلية برامج صندوق النقد. هناك ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى الثالث حول الاقتصاد السياسى للمنظمات الدولية المنعقد فى 28-30 يناير 2009 أعدتها الدكتورة يونكا أوزدمير، تحت عنوان ترجمته: «هل تقدم مساعدات صندوق النقد الدولى المساعدة بالفعل؟.. تعافى الأرجنتين وتركيا بعد الأزمة المالية عام 2001».

تشير نتائج تلك الورقة إلى أن برامج التثبيت والاستقرار التى يقدمها صندوق النقد الدولى، قد تساعد الدول الممنوحة فى الأجل القصير، لكنها لا تحقق القدر ذاته من الفائدة فى الأجل الطويل. استنادًا إلى تحليل الأجلين، لا تجزم الباحثة بعدم فائدة برامج الصندوق، بل تؤكد وجود حالات ساعد فيها الصندوق على منع انهيار اقتصادى وسياسى حتمى. ومع ذلك، فإن السياسات التى فرضها صندوق النقد الدولى قرين كل برنامج أو تسهيل (ما يعرف بالمشروطية) تهدد السلامة الاقتصادية للدول فى الأجل الطويل.

وترى هذه الورقة أنه ينبغى على البلدان أن تضع فى اعتبارها أن الانتعاش الاقتصادى والنمو فى الأجل الطويل، يستلزم سياسات اقتصادية مستدامة. ولذلك، فبينما تقبل الدول النامية مساعدة صندوق النقد الدولى، يتعين عليها أن تتوخى الحذر، حتى لا تتعثر فى مسار اقتصادى غير مستدام، تروج له المؤسسات الدولية، مثل الاعتماد على تدفقات رأس المال الأجنبى قصيرة الأجل. وفقًا للباحثة، قد يعيق صندوق النقد الدولى سياسات الاقتصاد الكلى المتنوعة، التى يحتمل أن تكون أكثر فاعلية فى الدول النامية. وتثبت حالة الأرجنتين أثناء أزمة عام 2001، أن الدول النامية قادرة على النجاة، حتى لو تخلّى عنها صندوق النقد الدولى والدائنون الأجانب، وعجزت عن سداد ديونها الخارجية.

تخلص الورقة إلى أن الاعتماد على مصادر القوة المحلية، واتباع سياسات أكثر استقلالية قد يكون أفضل من السياسات التى يرعاها صندوق النقد الدولى على المدى الطويل. التركيز على المصادر المحلية للنمو الاقتصادى له دور فاعل فى تجنّب الأزمات، وتحقيق النمو المستقر المستدام. بالطبع هذه الدراسة مبنية على حالتين فقط. ومن أجل إصدار تعميمات أفضل حول صندوق النقد الدولى وتأثيرات مشاركته فى الأزمات المالية، يجب تحليل ومقارنة المزيد من الحالات. هذا تحديدًا ما قامت به دراسة أخرى نتناولها فيما يلى:

ففى ورقة بحثية نشرتها جامعة جونز هوبكنز فى يناير من عام 2023 لكافيش حجرنافيس لـKavish Hajarnavis وآخرون تحت عنوان ترجمته «إلى أى مدى تعد برامج صندوق النقد الدولى ناجحة؟» استخدم الباحثون منهج تحليل كمّى لتقدير فعالية برامج قروض صندوق النقد الدولى من عام 2000 حتى عام 2010.. من خلال عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلى هى معدل البطالة، والتضخم، والناتج المحلى الإجمالى الحقيقى، والدين الحكومى كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، وقيمة الصادرات. تم استخدام البيانات من العام السابق على تنفيذ برنامج قرض صندوق النقد إلى ثلاث سنوات بعد تنفيذ برنامج القرض، وتم استبعاد برامج قروض خط الائتمان المرن (FCL) أو التسهيل الائتمانى الاحتياطى (SCF) من التحليل. من أبرز الدول التى تناولتها الدراسة: البرازيل والأرجنتين وتركيا ورومانيا واليونان، وهى من الدول التى حصلت على حجم تمويل كبير من الصندوق خلال فترة الدراسة، عبر مختلف البرامج التمويلية التى بلغ إجماليها 155 برنامجًا شملهم التحليل.

تظهر الدراسة أن برامج القروض المختلفة التى قدمها صندوق النقد الدولى بين عامى 2000 و2010 لعدد كبير من الدول (ليس من بينها مصر) لم تنجح بشكل عام فى تحسين نمو الاقتصاد الكلى وتحقيق استقراره فى الدول التى سعت للحصول على القروض. وباستثناء تحسّن فى مؤشرات التضخم، فإن سائر المؤشرات الأخرى كان أداؤها النسبى أسوأ من دول المقارنة.

فعلى سبيل المثال تتلقى الدول الخاضعة للاتفاق الاحتياطى SBA Standby Arrangement القدر الأكبر من التمويل، إلا أن الدراسة قد أظهرت أن هذا التمويل قد أدى إلى انخفاضات طفيفة فى الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى لمختلف الدول على مدى فترة القياس التى تمتد لأربع سنوات!. وبالنسبة للبرامج الأخرى فقد خلصت الدراسة إلى أن مبلغ القرض المقدّم لم يكن له تأثير يذكر على نسبة التغير فى الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى. كذلك لم تنجح برامج قروض صندوق النقد الدولى فى خفض الدين الحكومى كنسبة مئوية من الناتج المحلى الإجمالى، للدول التى تلقّت قروضًا عبر مختلف أنواع البرامج. وقد رأى الباحثون أن نتائج الدراسة يمكن تحسينها لو أنهم تناولوا مؤشرات تتعلق بمستويات الفقر فى الدول التى حصلت على تسهيلات من الصندوق، نظرًا لاهتمام الصندوق المعلن بهذا المتغير.

• • •

يبقى أن تخضع مختلف برامج الصندوق إلى تحليل مفصّل لكل حالة على حده، وذلك لأنه على الرغم من أن سياسات صندوق النقد الدولى متشابهة إلى حد ما، فإنها أظهرت بعض التفاوت على مر السنين وعلى اختلاف الدول. وما قد يكون مفيدًا أيضًا هو إلقاء نظرة على المؤثرات السياسية والاجتماعية فى الدول النامية، وكيفية تأثيرها على قرارات اللجوء إلى صندوق النقد الدولى، وتبنى سياساته، وتنفيذ تلك السياسات بشكل فعال. وهى أمور يمكن أن تتناولها دراسات قادمة بمزيد من البحث والتحليل.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات