الجيوش والتحولات السياسية فى آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 5:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الجيوش والتحولات السياسية فى آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

نشر فى : الإثنين 6 يوليه 2015 - 10:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 6 يوليه 2015 - 10:45 ص

نشر موقع يوريشيا ريفيو دراسة مقارنة كتبها جيمس دورسى، كبير الباحثين فى جامعة نانيان التكنولوجية فى مدرسة راجاراتنام للدراسات الدولية فى سنغافورة، يحلل فيها أوضاع الجيوش والمؤسسات الأمنية بالنسبة للسلطة فى الدول ما بعد الثورات، عاقدا مقارنة بين آسيا من ناحية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا من ناحية أخرى. ويستهل دورسى تحليله بالإشارة إلى ما أبرزته مجلة ذى إيكونوميست أخيرا من تناقض بين مجتمعات ما بعد الثورة فى آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وسط ويلات الانتقال الفوضوى والدموى الذى طال انتظاره، واتسامها بالثورة والثورة المضادة والطائفية، وإعادة رسم حدود مرحلة ما بعد الاستعمار، وصعود الجماعات الرجعية كقوى ثورية.

ويبدأ دورسى بعرض المثال الكورى، فبعد مرور ما يقرب من 30 سنة، على قمع الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للديمقراطية، تقدم الشرطة الكورية نفسها باعتبارها أداة للقوة الناعمة. وصارت الشرطة الكورية تختلف كثيرا عما عليه حال قوات الأمن فى الشرق الأوسط فى شمال أفريقيا.
ولم تكن مهمة إعادة هيكلة الشرطة الكورية وضمان تقبل الرأى العام لمصداقيتها هينة. وعلى غرار الكثير من قوات الأمن فى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ظهرت الشرطة الكورية مع تغيير النظام باعتبارها قوة القمع المحتقرة والتى لا يوثق بها، حيث قمعت بوحشية المعارضة، وقتلت وعذبت المئات.

وقد استغرق الأمر تقريبا، عشرة أعوام أمضتها الشرطة الكورية فى تطبيق الإصلاحات الهيكلية العميقة، كما أعطت مادة لحملة علاقات عامة تهدف إلى إعادة صياغة صورة القوة وتوليد ثقة الجماهير. على النقيض من ذلك، ما زالت المرحلة الانتقالية فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى مهدها، ونظرا لمقاومة الدولة ومؤسساتها، من المرجح أن تستغرق وقتا أطول بكثير مما استغرقته فى كوريا وجنوب شرق آسيا.

***

وبرغم ذلك يرى دورسى أن هناك بعض الدروس التى يمكن استخلاصها من التجربة الآسيوية فى الانتقال السياسى التى أصبح فيها رجال الشرطة فى كوريا الجنوبية نموذجا على الصعيد الدولى للاحتراف فى السيطرة على الحشود وإدارة الاحتجاج. وتخلت قوات الشرطة الكورية عن استخدام الغاز المسيل للدموع، ونشرت ضابطات العزل كوسيلة للدفاع فى الخطوط الأمامية لنزع فتيل التوتر مع المحتجين.

وتهدف الرسالة الكامنة وراء اتباع الشرطة هذا النهج فى العمل الأمنى إلى الاستفادة تجاريا من نجاح كوريا والرغبة فى تعزيز مكانة البلاد بترويج فكرة أن مواكبة الشرطة لمعايير حرية التعبير والاحتجاج والمعارضة والالتزام بحقوق الإنسان، تؤمن النظام العام، على نحو أكثر مما تضمنه القوة الغاشمة. وعلى الرغم من أن الأنظمة فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتبر إلى حد كبير قمع المعارضة مفتاحا لبقائها، لجأ بعضها إلى الخدمات الاستشارية الكوريين فى محاولة لتجميل الأنظمة.

ويؤكد دورسى أن السلوكيات الأمنية الأكثر ذكاء تقلل من مخاطر القمع الذى يتسبب فى استياء من قوات الأمن ومن ثم الدفع بالاحتجاج كما فعلت مجموعات من الشباب فى تونس ومصر وسوريا. ومازال الشباب يواجهون خطر الفشل فى حال عدم إصلاح المؤسسات الأمنية، فمن الضرورى بدء تغييرات هيكلية تهدف إلى قطيعة مع الماضى الاستبدادى.
ففى مصر، يعتبر عدم إصلاح الشرطة فى مصر من أهم مظاهر ضياع مكاسب الاحتجاجات المناهضة للنظام فى 2011. وبعد ذلك بعامين، لعبت قوات الشرطة والأمن دورا رئيسيا فى الإطاحة بمحمد مرسى، لتقدم نظاما أكثر قمعا من نظام مبارك.
***
ويشير دورسى فى تحليله إلى استخدام تيرينس لى، خبير العلوم السياسية، فى دراسة نشرت له أخيرا عن الاستجابات العسكرية للاحتجاجات الشعبية فى النظم الاستبدادية الآسيوية، أمثلة القمع الوحشى للاحتجاجات فى كوريا فى 1987، وبورما فى 1998 وبعد عام واحد، فى ساحة تيانانمين فى بكين، حيث بين تيرينس أن الجيش هو صاحب الكلمة النهائية فى نجاح ثورة شعبية. ومن ثم، يبدو أنه يفترض أن دور القوات العسكرية يتقاطع مع دور المؤسسة الأمنية. وربما يكون ذلك صحيحا بالنسبة للبلدان الآسيوية مثل الصين وميانمار حيث الشرطة وقوات الأمن والقوات المسلحة فروع للقوات المسلحة.

الأمر مختلف فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث الجيش وقوات الأمن كيانان منفصلان لهما مصالح خاصة مختلفة، يحتاج المتظاهرون للعب واحدا ضد الآخر واعتماد استراتيجيات مختلفة فى مرحلة ما بعد الثورة نحو كل واحد منهما. ويزيد من ضرورة التمييز بين الاثنين. ومن الملاحظ أن قادة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سواء كانوا ينحدرون من سلالة ملكية أو من الجيش، لا يثقون فى القوات المسلحة.

وحفاظا على السيطرة، اعتمد حكام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحكام استراتيجيات نحو جيوشهم تتراوح بين التحجيم وتوفير الامتيازات الاقتصادية، والاعتماد على وحدات نخبوية مكونة من أفراد تابعين لقبيلة أو عشيرة أو أسرة الحاكم، وتوظيف قوات من المرتزقة، وصولا إلى إنشاء قوات مسلحة موازية لضمان استمرار السيطرة والمراقبة.

ومن ناحية أخرى لا يرجح دورسى أن تتصرف كل جيوش الشرق الأوسط بنفس الشكل، فى حالة التحدى الشعبى للنظام كما كان الحال فى تونس ومصر ــ وميانمار ــ أو تحتوى على جناح إصلاحى قوى بما فيه الكفاية لمعادلة الميزان ضد الاستبداد مثلما حدث فى الفلبين واندونيسيا وسوريا، واليمن، وليبيا. وقد انزلقت الدول العربية التى بنى الجيش فيها حول القبيلة والطائفة والعشيرة، إلى حرب أهلية أو فوضى فى أعقاب احتجاجات واسعة.

***

فيما يخص المحتجين، يرى دورسى أن التحالف مع الجيش ذو حدين ــ لا سيما فى أعقاب الإطاحة بنظام مستبد ــ عندما تتباعد مصالح المتظاهرين والجنود. ويتعرض المحتجون لخطر التهميش لأنهم يعانون من سوء الاستعداد وليس لديهم الوقت والمال الكافيان للانتقال من سياسة الشارع إلى سياسة السلطة والكواليس الانتخابية.

وعلى نحو ما، يدين التونسيون بالفضل للحاكم المخلوع زين العابدين بن على، فى أن بلادهم تعتبر البلد الوحيد الذى خرج من موجة احتجاجات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنجاح ديمقراطى نسبى. ففى ظل رئاسة بن على، القادم من بين صفوف قوات الأمن، شهد الجيش تخفيضا كبيرا فى ميزانيته، وتقليص عدد أفراده، وتهميش قياداته العليا.

ونتيجة لذلك، لم تختلف مصالح الجيش فى تونس عنها فى ميانمار. ففى تونس، كان التهميش يعنى أن الجيش له مصلحة فى تغيير النظام وتفكيك دولة قوات الأمن. وفى ميانمار، كانت هناك حاجة للتحرير ولكن مع الإبقاء على درجة معينة من السيطرة وراء الكواليس لإنهاء عزلة البلاد الدولية وعزلة الجنرالات الحكام أنفسهم.

أما مصر، فيعتبر دورسى أن مساعى مبارك لتوريث نجله الحكم شكلت، خطرا على الجيش. ليس فقط لأن الابن لم ينشأ فى صفوف الجيش، ولكنه أيضا ينتمى إلى الليبرالية الجديدة التى تهدد مصالح الجيش، صاحب أكبر قوة فى الاقتصاد المصرى.

وتميل التحالفات بين الجيش والنشطاء فى التحول السياسى إلى أن تكون قصيرة الأجل. ويتضح هذا من التحولات فى كل من جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حيث تتباعد مصالح الطرفين بمجرد إسقاط الحكم المستبد.

ويوضح دورسى أنه بالنسبة للجيش فى ميانمار، ومصر، على سبيل المثال، لم يكن التغيير يتعلق بالمثل العليا للثورة، ولكن بإعادة هيكلة نظام استبدادى بوسائل تضمن حماية المصالح الخاصة للجيش. كما أنه لا توجد حلول سهلة لإدارة المصالح المتباينة فى مرحلة ما بعد الثورة. فليس لدى القوى الشعبية الوقت أو الخبرة لتحقيق انتقال سريع وفعال من سياسة الشارع المستمرة إلى سياسة تعاملات السلطة خلف الكواليس أو الانتخابات. وهذا صحيح، حتى لو لعبت شرائح المجتمع المدنى التى تطورت مع مرور الوقت فى بلدان مثل ميانمار دورا رئيسيا فى تشكيل تحالف انتهازى مع الجيش. ومن المؤكد فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث غالبا ما لا يكون المحركون الرئيسيون للثورة ـ كما هو مألوف ــ العمال والنقابات العمالية أو التجمعات السياسية والأحزاب؛ ولكن ما يسميه عالم الاجتماع آصف بيات الحركات غير الاجتماعية مثل مشجعى كرة القدم على سبيل المثال .

ويختتم دورسى بأن الاعتراف باختلاف المصالح فى مرحلة ما بعد الثورة لا يجيب عن سؤال: لماذا كانت دول مثل الفلبين وإندونيسيا ناجحة نسبيا فى عملية الانتقال السياسى نحو الديمقراطية بغض النظر عن العيوب التى قد تشوب تلك الديمقراطيات. يشير تيرنس لى إلى ما يسميه زيادة شخصانية المستبد وكذلك داخل القوات المسلحة الفلبينية والإندونيسية.

التعليقات