العبودية صفحة لم يطوها العالم بعد - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 5:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


العبودية صفحة لم يطوها العالم بعد

نشر فى : الإثنين 6 ديسمبر 2021 - 9:30 م | آخر تحديث : الإثنين 6 ديسمبر 2021 - 9:30 م
نشر المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية مقالا تحليليا للكاتبة مها علام، تحدثت فيه عن أشكال العبودية الحديثة، وما هى الإشكاليات التى تعيق التصدى لهذه الظاهرة... نعرض منه ما يلى:
يمثل اليوم العالمى لإلغاء الرق فى 2 ديسمبر تاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتفاقية الأمم المتحدة لقمع الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير فى 1949؛ وينصب التركيز فى هذا اليوم على القضاء على أشكال الرق المعاصرة مثل الاتجار بالأشخاص، والاستغلال الجنسى، والزواج القسرى، وعمل الأطفال أو تجنيدهم خلال النزاعات المسلحة.
فى حين أن مصطلح «العبودية الحديثة» يفتقر ــ بقدرٍ ما ــ إلى تعريف قانونى محدد، إلا أنه قد اكتسب فى السنوات الأخيرة رواجا كبيرا كمصطلح يشمل العمل الجبرى والاتجار بالبشر وبعض أشكال الاستغلال الأخرى.

العبودية الحديثة.. نطاق أوسع من الاستغلال
تعرف مؤسسة «ووك فرى» Walk Free العبودية على أنها «حالات استغلال بحيث لا يمكن للشخص تركها أو رفضها بسبب تهديدات أو عنف أو إكراه أو خداع أو إساءة استخدام للسلطة». وللحصول على تقديرات على المستوى القطرى، أطلقت المؤسسة مؤشر العبودية العالمى The Global Slavery Index فى عام 2013. وقد قدر المؤشر الأول أن 29.8 مليون شخص مستعبدون، لكن تم تحديث العدد إلى 35.8 مليونا، ثم إلى ما يتجاوز 40 مليون شخص وفقا لمؤشر عام 2018؛ بينهم نحو 400 ألف فى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.
ووفقا لأغلب التحليلات، تضم العبودية الحديثة صورا متعددة مثل: الاتجار بالبشر، والعمل القسرى، واستعباد الدين، والزواج القسرى، وبيع واستغلال الأطفال، فضلا عن الشكل التقليدى للعبودية. ووفقا لمنظمة «ووك فرى» تضم العبودية الحديثة شكلين رئيسيين:

عبودية الدين والعمل القسرى: (لفت مؤشر العبودية العالمى لعام 2018، إلى أن عدد من يعانون من هذا الشكل من أشكال العبودية يقرب من 25 مليون شخص حول العالم).
تظهر عبودية الدين عندما يكون عمل الشخص هو الضمان للدين؛ ففعليا لم يتم بيع الشخص، لكنه يخضع لـ«عقد إيجار طويل». لا يمكنه إنهاؤه، أو لا يمكنه ترك صاحب العمل. ومن جانب آخر، يمكن أن تتسبب شروط العمل (مثل: تدنى الأجور، خصم الطعام والسكن، وغيرها) فى استمرار الشخص عالقا مدى الحياة داخل هذه الدوامة. علاوة على ذلك، قد يتم توريث الدين لأفراد الأسرة الآخرين – حتى الأطفال – بطريقة تجعلهم مجبورين على ذات العمل.
كما يتضمن هذا النوع من العبودية العمل الجبرى الذى تفرضه الدولة على المواطنين دون تقديم مقابل مناسب. كما يحدث العمل الإجبارى عندما تجبر الدولة المواطنين على العمل، فى أوقات الحصاد على سبيل المثال أو بعد أزمة اقتصادية لتعزيز التنمية.
وقد تواجه بعض الفئات نماذج من العمل القسرى بسبب ظروفهم المتردية أو حاجاتهم الشديدة للعمل؛ إذ قد يتجه أرباب العمل إلى استغلال أوضاع هذه الفئات عبر دفع أجور زهيدة مقابل ظروف عمل صعبة وقاسية.
الزواج القسرى والاستغلال الجنسى: (لفت مؤشر العبودية العالمى لعام 2018، إلى أن عدد من يعانون من هذا الشكل من أشكال العبودية يقرب من 15 مليون شخص حول العالم).
تضم العبودية الحديثة الأشكال المتعلقة بالزواج القسرى والاستغلال الجنسى؛ كالزواج بالإكراه، بما فى ذلك بيع الزوجات، شراء النساء للزواج. ينعكس هذا النوع فى عدد من الصور: عندما لا يكون لدى الشخص (سواء الطفل أو البالغ) حرية اختيار الزواج أو رفضه؛ علاوة على الشعور بالخضوع الكامل أو الملكية فى الزواج نفسه؛ بجانب عدم القدرة على إنهائه حال الشعور بالإساءة.
كما تضم أيضا الاستغلال الجنسى أو الدعارة القسرية، التى تعنى أى استغلال جنسى من خلال استخدام القوة أو التهديد باستخدامها أو أى عقوبة أخرى. وتعد اللاجئات والفارات من الحرب أو الصراع أكثر عرضة للاسترقاق. فقد لفتت «ماريا جراتسيا جيامارينارو»، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالاتجار بالبشر، فى أكتوبر 2016 إلى أن «الاتجار بالبشر فى حالات النزاع ليس مجرد احتمال، ولكنه شىء يحدث بشكل منتظم».

إشكاليات تعيق التصدى للعبودية الحديثة
على الرغم من خطورة ظاهرة العبودية الحديثة فإن الواقع العملى يؤشر إلى صعوبة تحديد العدد الحقيقى لجميع المستعبدين حول العالم، ما يعنى أنها لا تزال تمثل ــ بقدر ما ــ جريمة خفية. واستنادا إلى ذلك، يتضح أن التصدى لهذه القضية يواجه عدد من الإشكاليات التى تنذر باستمرارها بل وتفاقمها. وتتمثل أبرز الإشكاليات فى الآتى:

1ــ إشكالية المفهوم
أوضح مايكل دوتريدج الذى أمضى 25 عاما فى العمل فى منظمات حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية ومنظمة مناهضة العبودية الدولية (حيث كان مديرا لمدة ست سنوات) ــ أن استخدام مصطلح العبودية ليس مناسبا. إذ أن استخدام مصطلح «العبودية الحديثة» للإشارة إلى مستويات متعددة من الاستغلال قد لا تتوافق مع التعريف القانونى للرق. كما يؤدى استخدام مصطلح «العبودية الحديثة» إلى شكل من أشكال الوصم والعار الذى قد يدفع الدول إلى عدم الكشف عن الاختلالات المرتبطة بالعبودية الحديثة داخلها، وقد تؤدى إلى رغبة أقل من الدول فى التعاون فى هذا الأمر. وفى السياق ذاته، لا يزال هناك اختلاف حول الدرجة التى تستحق عندها ظروف العمل أن تصل لدرجة «الاسترقاق». فقد لفتت منظمة العمل الدولية إلى أنه «ليس كل الأطفال الذين يتعرضون لأعمال خطرة «عبيد»، ولا يتم إجبار جميع العمال الذين لا يحصلون على أجر عادل». علاوة على ذلك، يشير المصطلح إلى درجة من الاستغلال شديدة للغاية بحيث تقع خارج بيئة العمل العادية، أى أن هذا الاستغلال لا يمكن مواجهته عبر الهراركية المؤسسية، وتشكيل الجمعيات والنقابات وغيرها.

2ــ إشكالية تتعلق بالمكاسب الاقتصادية
بالنظر إلى الصور المختلفة للعبودية سواء قديما وحديثا يتضح أن المكاسب الاقتصادية تعد السبب الرئيس وراء اتساع نطاق هذه الظاهرة؛ إذ أن الأمر تجاوز مسألة المالك الفرد للعبيد ووصل إلى الشركات والمؤسسات، وحتى بعض الدول قد تتجه إلى هذا النوع. ومن ناحية أخرى، اتسع نطاق الأنشطة المرتبطة باستغلال البشر سواء عبر الاتجار بالبشر أو الاستغلال الجنسى أو استغلال الأطفال وغيرها. الأمر الذى يعنى أن العبودية الحديثة أضحت تنمو وتسير عبر شبكات متداخلة وحلقات متصلة تدر أرباحا ليست بالقليلة للأفراد والمؤسسات والشركات بل والدول ذاتها. ما يؤشر على أن التصدى لها سيواجه بموجات رفض ومقاومة من قبل أصحاب المصلحة لتغيير الأوضاع القائمة.

3ــ إشكالية تتعلق بالأبعاد الثقافية والمجتمعية
تضمنت العبودية قديما قدرا من القبول المجتمعى حول وجودها واستمرارها، بل وقد واجهت جهود الحد منها حالة يمكن وصفها بالامتعاض المجتمعى لدى بعض الفئات. وارتباطا بهذا، يحمل مصطلح العبودية الحديثة، والأشكال المتنوعة التى يحويها، قدرا كبيرا من التأثيرات الثقافية والمجتمعية التى تساهم فى التسامح مع بعض صورها، بل واعتبار بعضها جزء أصيل من الثقافة والأعراف المجتمعية. بالاستناد إلى ذلك، يتضح أن بعض صور العبودية الحديثة قد يُنظر إليها فى إطار كونها وضع طبيعى متعارف عليه. ومن بين هذه الأمثلة: لا يمكن توقع أن تعتبر كوريا الشمالية نموذج العمل الإجبارى الذى تفرضه كصورة للعبودية الحديثة؛ كما أنه من غير المتوقع أن تعتبر بعض القطاعات التقليدية فى المجتمعات المحافظة الزواج الإجبارى الذى تفرضه على أبنائها وبناتها نوعا من العبودية الحديثة. وبالتالى فإن مسألة فك الاشتباك والتداخل بين الأبعاد الثقافية والمجتمعية فى بعض الدول والعبودية الحديثة بصورها المختلفة مسألة فى غاية الحساسية، إذ قد تدفع هذه المجتمعات إلى الاحساس بالتهديد الثقافى الذى قد يدفعها نحو مزيد من التعنت فى تطبيق هذه الصور.
مجمل القول، إن العبودية الحديثة قضية قائمة وملحة، تحوى أشكالا وصورا متعددة، تتطلب تعاطى فعال لتحجيم نطاقها ووضع حد لاستمرارها. إلا أن ذلك لا يعنى إغفال كونها قضية إشكالية يتطلب علاجها معادلة مرنة متعددة الأبعاد؛ تبدأ بإدراك وجودها وأبعادها المختلفة مع العمل على ضبط المصطلح سياسيا وقانونيا، ثم العمل على نشر الوعى على المستويات المختلفة بداية من الأفراد والمجتمعات، ثم التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون الدولى من أجل التصدى لها، وكذا تعزيز دور المؤسسات الدولية فى العمل على الحد من انتشارها؛ وأخيرا، تتضح أهمية قيام المجتمع الدولى برسم مداخل ذات طابع إنسانى لكافة الأنشطة الاقتصادية والتجارية حول العالم، مثلما يجرى مع قضايا البيئة والمناخ، بطريقة قد تساهم فى تعديل الاختلالات وأنماط الاستغلال والسياسات غير العادلة التى تتضمن صورا للعبودية الحديثة.
النص الأصلى:

التعليقات