الطائفية وتداعياتها - جوزيف مسعد - بوابة الشروق
الخميس 6 أكتوبر 2022 3:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مبادرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة؟

الطائفية وتداعياتها

نشر فى : الأحد 9 يناير 2011 - 10:12 ص | آخر تحديث : الأحد 9 يناير 2011 - 10:12 ص

 لم يكن المشهد المروِّع للمذبحة فى كنيسة الإسكندرية، والذى أعلن عن انتهاء السنة وإنهاء حياة الضحايا، صادما للجميع فى مصر والمنطقة فحسب، بل كان أيضا مروِّعا للبعض لدرجة أنهم شرعوا بإعلان تنبؤاتهم حول ما ينذر به المستقبل من نهاية الوجود المسيحى فى مصر والعالم العربى.

لقد بات من الجلى أن الفزع والفجيعة اللذين يشعر بهما معظم الناس قد قادا البعض للتسرع بإصدار سيناريوهات مأساوية عن المستقبل القريب. ولكن أفضل ما يجدر بنا القيام به فى هذه الظروف الأليمة هو تقديم تحليلات عميقة لما يدور تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الوضع الحالى والسابق فى مصر، بل أيضا السياق الأوسع لما يدور فى المنطقة التى ارتكب فيها هذا الفعل العنيف.

أما صبّ الزيت على نار الفزع والطائفية فلن يقود إلا إلى المزيد من العنف دون أن يحسّن من الوضع الأمنى أو أن يحقق الأمن الأهلى المنشود.

وعليه، فسوف أستهل تحليلى بتقديم نظرة تاريخية حول الأحداث التى تلت بزوغ العصر الحديث والذى دُشّن بالتدخل الأوروبى فى شئون الإمبراطورية العثمانية تحت ذريعة حماية الطوائف غير المسلمة، والذى مثَّل سابقة تحضيرية للاستعمار الأوروبى واسع النطاق الذى تلاها فى الولايات العربية العثمانية.

وكما هو معروف، فقد كان هذا التدخل نذير شؤم على الطوائف المسيحية حيث أدى إلى اجتثاثهم التام من العاصمة العثمانية اسطنبول، بينما شرع آخرون من أبناء الولايات السورية والعراقية بالهجرة إلى الأمريكيتين مع نهاية القرن التاسع عشر وما زالوا يفعلون حتى يومنا هذا.

لقد أدى هذا التدخل وما تبعه من تلاعب الاستعمار الفرنسى والبريطانى بالهويات الطائفية إلى عدد من حالات العنف الطائفى ضد المسيحيين العرب (وكذلك ضد اليهود العرب أيضا وهو ما تم بمساعدة التدخل الصهيونى اللاحق) بدرجات وأشكال لم تعرفها المنطقة قبل وصول «الحامى» الأوروبى، إن كان ذلك بعد وصول الحامى الفرنسى إلى دمشق (حيث قام قس فرنسى بالتحريض ضد اليهود السوريين واتهامهم باستخدام دم أطفال المسيحيين فى طقوسهم الدينية عام 1840، والمذبحة التى استهدفت مسيحيى سوريا عام 1860)، أو بعد وصول الحامى البريطانى إلى بغداد (حيث ارتكبت مجزرة بحق الآشوريين العراقيين عام 1933 وأعقبتها أخرى ضد يهود العراق عام 1941).

أما الكابوس الطائفى الذى عاشه لبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم ودور الفرنسيين والفاتيكان فيه، فهو يندرج فى خانة خاصة به وحده.

لم يعان مسيحيو مصر من مثل هذه المجازر فى العصر الحديث وإن كانوا قد عانوا من أثر التلاعب الفرنسى (بدءا بوصول نابليون) وبعده البريطانى بالطائفية القائمة أصلا فى البلاد آنذاك.

بالطبع لا يمكننا أن نلقى بطائلة المسئولية عن جميع ألوان التمييز الذى تقوم به أذرع الدولة المصرية المختلفة ضد المصريين المسيحيين على عاتق الاستعمار، فقيام نظام أنور السادات بتعزيز الكراهية الطائفية وتلاعبه الانتهازى بالإسلام خدمة للسياسات الإمبريالية، ودعمه لبعض المجموعات الإسلامية بحجة محاربة الخطر السوفييتى وأخطار شيوعية وقومية عربية أخرى، هو ما سهّل التهجم الطائفى على مسيحيى مصر فى عقد السبعينيات.

لقد مأسست سياسات السادات نزعة جديدة فى الثقافة الشعبية المصرية والتى تواصل سيطرتها على معظم فئات المجتمع المدنى، على المسلمين كما على المسيحيين.

فبينما كان وجود الطائفية قائما قبل حكم السادات، فإن سياساته المعادية للعرب والعروبة والحملة التى بدأها لإزالة صفة العروبة عن مصر عبر إخراج الأخيرة من المنظومة العربية بأكملها فى أواخر السبعينيات وما تلاها هو ما ساهم فى تعزيز هذه النزعة الطائفية. فبينما كان معظم المصريين يعتبرون هويتهم جزءا من هوية المنطقة، فقد أدى إصرار السادات على محو عروبة المصريين وعلى التحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة إلى التجاء أغلبية مسلمى مصر إلى الإسلام كإطار هويّاتى جديد أوسع من حدود مصر.

كما شجّع هذا التحوّل الهويّاتى مسيحيى مصر على الانكفاء فى هوية محلية ضيقة ومتجذرة حصريا داخل حدود مصر. ولكن العروبة كهوية غير عرقية وغير جوهرانية والتى تُعرّف العربى على أنه أى شخص يتكلم اللغة العربية كلغته الأم، كانت قد نجحت فى استدخال مسيحيى مصر بكل الترحيب تحت لوائها، على الرغم من أنها لم تكن التيار السياسى السائد بين أغلبية المثقفين المسيحيين المصريين. وقد أدى زخم التنصل من العروبة الذى دفع به السادات وصعود الإسلاموية، المدعومة فى أوائل الثمانينيات أمريكيا (وسعوديا) والتى دعمت الجهود الإسلاموية لتَصدّر الحرب الأمريكية على أفغانستان (والتى تطوع للمشاركة فيها الكثير من الاسلاميين المصريين)، إلى تقوية الهويات الطائفية المسيحية والمسلمة مما نحّى المصريين المسيحيين إلى محليةَ لا يحسدون عليها وأقصاهم خارج أى مشروع هوياتى على المستوى الإقليمى. وقد عزز هذا الوضع من شعور الكثير من مسيحيى مصر بالانعزال، لا سيما مع سيادة الخطاب المجتمعى الطائفى الذى يستهدف المسيحيين والذى ساد إثر وصول السادات إلى السلطة. ويمارس هذا الخطاب فى شتى مناحى الحياة، بما فى ذلك المؤسسات التعليمية، من المدارس الابتدائية إلى الجامعات، وكذلك فى المناهج وبين المعلمين والطلبة. ويجب التنويه هنا إلى أن هذا التمييز الممأسس لطالما بولغ فى طرحه من قبل مغتربين شوفينيين ومتعصبين يعيش معظمهم فى الولايات المتحدة وتصويره على أنه «اضطهاد»، كما بولغ فى إنكاره والتهوين من شأنه من قبل الدولة ومريديها. ولا تكفّ هذه المبالغات عن طرح نفسها، مدعَمة حججها بالوقائع الراهنة للعنف الطائفى، لا سيما الأحداث الطائفية فى جنوب البلاد.

أما التظاهر الأمريكى والبابوى بأنهما حماة حِمى الأقليات الدينية المحلية واستعانتهما، منذ ثلاثة عقود، بجيش عرمرم من المنظمات غير الحكومية الممولة أمريكيا، فقد ساهم أكثر فى تأجيج هذا الوضع الطائفى دون أن يحمى مسيحيى مصر.

يقع الوضع المصرى اليوم فى سياق من العنف الطائفى المرعب الذى مكّنه الاجتياح والاحتلال الأمريكى للعراق، وقد جلب الأخير معه منظمة القاعدة إلى العراق (وللمفارقة، فأينما تحل أمريكا داخل العالم العربى أو خارجه فإنها تصطحب معها منظمة القاعدة، واليمن خير مثال على ذلك حيث أدى التدخل الأمريكى المستمر إلى إشعال حرب أهلية فى البلاد). وبينما كان وما زال معظم ضحايا العنف الطائفى فى العراق من الشيعة والسنة (ناهيك عن استهداف الجالية الفلسطينية الصغيرة فى بغداد)، فما يتصدر أخبار إعلام الولايات المتحدة وأوروبا، كما هو متوقع، هو العنف المرعب ضد العراقيين المسيحيين وكأن الأخيرين يُستهدفون وحدهم دون سواهم من الطوائف والاثنيات. مع ذلك يجب التشديد على أن وصول الأمريكيين إلى العراق هو ما أدى إلى اختزال مسيحيى العراق إلى مستويات غاية فى الضآلة.

كيف لنا إذن أن نقرأ مجزرة الإسكندرية فى هذا السياق، وماذا نحتاج لاحتواء تداعياتها؟ ما يسعى إليه هؤلاء القلة الذين يؤمنون أن التدخل الخارجى فى مصر يمكن أن يؤمن حماية للأقباط هو استخدام هذه الفاجعة، بوعى منهم أو دون وعى، لتوسيع دور الإمبريالية الأمريكية فى البلاد، وكأن ما جلبته الولايات المتحدة لمصر فى العقود الثلاثة الماضية (من إثراء فاحش للأثرياء وإفقار مروع للفقراء، وتقويض مؤسسات التعليم، والقضاء على الزراعة المصرية، واستشراء الفساد، وسرقة المال العام، والتبعية الاقتصادية، وإضعاف دور مصر الإقليمى سياسيا وعسكريا، ناهيك عن دور الولايات المتحدة فى تأجيج الطائفية فى البلاد) لم يكن كافيا، أو كأنما سََبق للأمريكيين أن تدخلوا يوما فى أى مكان من العالم لمساعدة المضطهدين او المُمَيّز ضدهم، اللهم إلا إذا افترضنا أن الديكتاتوريين المُقالين أو الطبقة الرأسمالية، التى حدّت حكومة وطنية ما من قدرتها على نهب البلاد دون حساب، هم جماعات «مضطََهدة».

فلو كانت الولايات المتحدة هى فعلا حامية الحمى، لما كفاها التدخل الأمريكى لنجدة المضطهدين فى بلادنا (وهم ملايين لا تحصى من مختلف الأصول والأعراق)، بل لكانت وضعت حدا لسياساتها التى تتسبب باضطهادهم أصلا. يكفينا إذا طرح الولايات المتحدة كحامى حمى المسيحيين العرب والمصريين!

يبدو لى أن المطالبة بإصلاح مؤسسات الدولة وإنهاء السياسات التمييزية هو الجوهر، ولكن يجب على هذه المطالبات أن تشمل أيضا إصلاح المؤسسات الدينية التى تزعم أنها تتكلم باسم مسلمى مصر ومسيحييها، لا سيما ذلك الخطاب الطائفى الذى ينتجه كلا الفريقين.

هذا لا يعنى أن علينا أن نتجاهل حقيقة الاختلاف الديموغرافى بين أغلبية من مسلمى مصر وأقلية من مسيحييها أو أن نغفل تعريف الدولة لدينـ «ها» على أنه ذاتُ دين الأغلبية (وهو ما عزّزه السادات ومأسسه تحت الرعاية الأمريكية) عندما نقوم بتحليل سلطة هذه المؤسسات الدينية، بل إنه على مستوى الخطاب الطائفى يمكن رؤيتها كمرآة لبعضها البعض.

إن التصريح بضلوع الدولة بالتلاعب الطائفى هو أقل ما يمكن قوله، ولكن يجب ألا يجعلنا هذا نغفل عن أن لهذا الخطاب الطائفى اليوم زخما مستقلا يجب تفكيكه من قبل قوى المجتمع المدنى المناوئة له، ليس فى الحيز السياسى فحسب، بل فى الحيز الاجتماعى والثقافى أيضا (وهنا يجب التنويه، وهذا لن يفاجئ أحدا، إلى أن مجال الثراء هو المجال الوحيد الذى لا نجد فيه أثرا يذكر للتمييز ضد المصريين المسيحيين الأثرياء).

يجب أن يتم تفكيك هذا الخطاب لا عن طريق استراتيجيات تشمل التعبير عن «إعجاب» خاص بالمسيحيين كطائفة منفصلة (كما أفضى لى مؤخراٍ مثقف فلسطينى ماركسى من أصول مسلمة فى جلسة خاصة)، أو المغالاة فى ذكر هويتهم الطائفية عند التحدث عن إسهاماتـ«هم» فى التاريخ العربى أو المصرى (وهى قضية يتبناها الليبراليون العرب الجدد وراعيهم الأمريكى)، بل علينا أن نفهم أنه عندما تدّعى أمريكا وأوروبا بأنهما «ترعيان» و«تحميان» المجتمعات المسيحية المحلية وتجعلان «الإعجاب» بهم موضة والتعريف بإسهاماتـ«هم» فى العالم العربى الحديث (وأحيانا قبل الحديث) على أنها إسهامات «مسيحية»، فإنها تقوم بإقصائهم عن بلادهم التى ينتسبون اليها ويعيشون فيها والتى يريد المتعصبون والكارهون لهم أن يقصوهم عنها أصلا، واستهدافهم بعنف رهيب مدعين بأنهم غرباء عن أوطانهم. لقد قامت الحركة الصهيونية بإقامة دولة يهودية حصرية ونادت بإخلاء العالم من اليهود وبتجميعهم داخل مستعمرتها الاستيطانية كى يعيشوا فى دولة عنصرية غير متسامحة، وتسعى هذه القوى العالمية الآن لتحويل البلاد العربية والمسلمة بذات الطريقة إلى مقاطعات على الشاكلة الإسرائيلية تضم مسلمين «غير متسامحين» لن يتسامح معهم العالم «اليهو ــ مسيحى» نتيجة عدم تسامحهم المزعوم.

ويجب الا يفوتنا فى هذا السياق أنه فى الأسبوع السابق على هذا الهجوم الإرهابى فى الإسكندرية، قامت السلطات المصرية بالكشف عن خلية تجسس إسرائيلية فى البلاد. وبما أن تاريخ الموساد وعملياته الإرهابية فى مصر، بما فى ذلك تفجير مكاتب بريد ودور سينما ومراكز ثقافية ومحطات القطارات فى الخمسينيات، وعملياته الإرهابية المتواصلة حتى الساعة فى جميع أنحاء العالم العربى (وللموساد شغف خاص بتفجير السيارات تحديدا)، يجعل من التحرى عن الصلات الممكنة أو المحتملة بين جواسيس الموساد ومفجرى الكنيسة أمرا فى غاية الأهمية. ولكن المفارقة هى أن مأساة الإسكندرية لن تعود بالنفع إلا على الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين غير المتسامحين وحلفائهم المحليين المتطرفين وغير المتسامحين أيضا (وإن كانوا أحيانا غير واعين لتحالفهم هذا)، ألا وهم أقلية عنيفة طائفية من بين الإسلاميين. فإن لم يرفض المثقفون العرب والمصريون، مسيحييون ومسلمون، علمانيون ومتدينون، الانضمام إلى هذا التحالف الدولى لغير المتسامحين، فسيكونون متعاونين معهم على تحقيق أهدافهم.

جوزيف مسعد استاذ السياسة وتاريخ الفكرالعربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك
التعليقات