غزة كل يوم - سيد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 19 أبريل 2024 11:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

غزة كل يوم

نشر فى : الثلاثاء 9 يناير 2024 - 7:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يناير 2024 - 7:50 م

على الرغم من الشعور العام بأن الكتابة عن غزة لم تعد مجدية، إلا أنه من الواجب أيضا ألا نتوقف عن الكتابة عنها، على الأقل لنؤدى أدوارنا كشهود على جرائم ترتكبها إسرائيل بجبروت لم تصل إليه أبدا أية قوة احتلال فى العالم. وبعد 90 يوما لا تزال المشاهد والصور البشعة تتدفق بغزارة مؤلمة، غير أنها لم تحول الفلسطينى إلى رقم كما كان الحال فى السابق، فأمام الدم الطاهر المتدفق تعلو الأصوات الرافضة للحرب والتى لم تكن قادرة فى الماضى على اعلان مواقفها، كما تنضم إلى المظاهرات اليومية فى عواصم العالم أسماء بارزة لها ثقلها الأخلاقى تسعى لفضح ما يجرى ومواجهته. لا تخلو وسيلة إعلامية فى العالم اليوم من صوت يدعو لوقف الحرب ومن صورة تتأمل المأساة الإغريقية التى تجسدت بكامل ملامحها فى صورة وأداء المراسل التلفزيونى وائل الدحدوح الذى يجسد الحالة الفلسطينية كاملة
تحول الدحدوح إلى بطل تراجيدى لم يجد الوقت ليشيع أفراد عائلته الذين يتساقطون أمامه كل لحظة.
وأصبحت مشاهده وهو يبكى تحتاج وحدها لقراءات عديدة يحتار معها أساتذة وخبراء الإعلام وتحليل العلامات الذين يلهمهم هذا الرجل ويصيبهم بالعجز.
شىء أكبر بكثير من الإيمان يدفع زميلنا الشجاع للاستمرار فى أداء دوره وتسجيل شهادته الحية على بشاعة ما يجرى، فقد تحول هو ذاته إلى شهادة تمشى على قدمين. فى تحليلها لجرائم الجيش الأمريكى فى فيتنام تحدثنا الروائية الأمريكية الرائعة سوزان سونتاج عن أهمية الالتفات إلى ألم الآخرين. لكن أى التفات يحتاجه العالم أكثر مما نراه وأى خذلان يمكن أن يستشعره الفلسطينى أكثر من هذا؟
توقفت قدرة العرب وعجزوا تماما عن الالتفات لهذا الألم، وفشلت حكوماته عن الدفاع عن شرعية الموقف الفلسطينى وتأكيده. والعروبة ليست وحدها التى تعانى من هذا المأزق، لأن الإنسانية كلها تعيشه على نحو يمثل إعلان إفلاس لكل القيم التى روجت لها الحداثة وما بعدها حول ما تحقق من تقدم تكنولوجى مبهر.
فأنت حين تعجز عن إطعام جائع أو مداواة جريح أو دفن ميت، ومنح الأمان لطفل يتيم، فهذا يعنى أنك غير جدير بانسانيتك والمفارقة التى نحياها فادحة؛ فحين بلغنا عصر الذكاء الصناعى انتهينا إلى أقصى درجات الانحطاط وغابت فطرة التضامن الإنسانى مع الضعيف وهى ركيزة فى جميع الفلسفات والأديان، وبالتالى فإن ما نحياه ليس سوى عصر جدير بأن يسمى عصر الخذلان.
أعود إلى شعر محمود درويش وأستعيد قدرته الفذة على الاستبصار وتخطى لحظته والذهاب إلى المستقبل وأتساءل كيف استطاع أن يمد بصره ليقفز من لحظته ويصل لهذا الأمام، صحيح أن كل شاعر عظيم هو شاعر رائى إلا أن الفتنة بالشعر تزداد حين أطابق ما يجرى مع ما كتبه طوال نصف قرن.
أؤمن أن الشعر يحتاج لأن يتحرر من بشاعة اليومى وضيقه وأعرف أن درويش ذاته طالب بذلك ومارسه لكنه ظل دائما يستشعر مسئوليته كصوت فلسطينى عليه أن ينقل مأساة شعبه للعالم، إنها المسئولية الكبيرة التى أداها بجدارة. أقرأ من بين نصوصه النثرية نصا فريدا نشره فى صحيفة الأهرام فى 3 ديسمبر من العام 1971 تحت عنوان (غزة كل يوم) يقول فيه «غزة لا تواصل انفجارها اليومى لنقول لها شكرا، وغزة لا تواصل انقضاضها اليومى على الموت لكى نكتب عنها قصيدة، غزة لا تجسد متسعا من الوقت لتقرأ تحياتنا، ولا بريد إلى غزة لأنها محاصرة بالأمل والاعداء، ورغم ذلك نقف اليوم وكل يوم، لكى نصلى لاسمها النادر بين الأسماء. أن غزة تحرر نفسها وتاريخها كل ساعة وتصون قيمها بالاقتراب الشديد والالتصاق بالالتحام بالموت، لم تعد غزة مدينة، أنها ساحة حرب مشتعلة، تمتحن فيها انتصارات العدو وآماله وقيمه.. وليس بوسع العدو أن يتباهى بقيمه، أنها تتبلور فى صيغتها الحقيقية الوحيدة، الجريمة كما أن غزة ليست كفارة للذنوب كما يقول البعض ولكنها نموذج عمل وإعلان إرادة».