الخَريطة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 4:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


الخَريطة

نشر فى : الجمعة 9 أبريل 2021 - 9:15 م | آخر تحديث : الجمعة 9 أبريل 2021 - 9:15 م
لي ما يزيد على شهرٍ كامل؛ أكافح لتحديدَ مسارٍ ثابت، أصلُ عبره لأماكنٍ أطرقها يوميًا وبانتظام؛ لا أملك رفاهةَ القعودِ عنها، أو إهمالِ زيارتها لحين تحسن الظروف واستباب الأحوال. أصحو مبكرًا فأجد الشارعَ السَكنَيّ الذي أقطنه مُغلقًا، وأعود مساءً وقد أحاطت به حواجز وأقماع، أبيت والسيارة في الشارعِ الرئيس لأفاجأ في الصباحِ بالجرافاتِ تدكُّه وترفعه، وأحاول الذهابَ إلى العملٍ؛ فأتعثر في مغادرة المنطقةِ التي صارت أشبه بساحةِ حرب.
***
التوسعةُ التي باتت هاجسًا يؤرق كلَّ مسئولٍ تجاه الشوارع الواقعةِ في نطاقِ مسئوليته؛ تجري دون تخطيط احيانا والناسُ يتعاملون مع العشوائيةِ بعشوائيةٍ مُكافئة؛ تترجم المأثورَ الشهير الذي يقول إن العينَ بالعين. هناك مَن يُلقي بنفسه بين المُعدات الثقيلةِ مصرًا على عبور الطريقِ سائرًا على قدميه؛ رغم أن السائقَ لا يراه، ومَن يترك سيارتَه التي لم يعد لها مكانٌ فريسةً لضربةٍ غير مَقصودة أو احتكاكٍ عنيف، ومَن يُغامر باقتحام كوماتِ الحجارةِ عساه ينجو مِن خسائرٍ جَسيمةٍ ويصل سالمًا إلى مُبتغاه.
***
في خِضَم المَعمَعة تنفجر مواسير مياه؛ تُغرِق أماكنَ الحفرِ والتجريف، ويصلُ الصرفُ الصحيّ إلى أنوف السائرين، ويبدو العمالُ الصغار في حيرةٍ مِن أمرهم؛ وهؤلاء على وَجه التحديد سؤالٌ كبير؛ فأكم مِن طفلٍ لا يتعدى عمره الخامسة عشر قد أمسك بأداةٍ في مَوقع مِن مواقع "التطوير" وانخرط في العمل؛ يفصل ماسورةً أو يلحم أخرى، أو يحاول إصلاح ما أفسد زميلٌ أصغر عمرًا وأقل خبرة.
***
أعرف صديقةً مُقربةً كانت في زيارةٍ لشقيقتها وقد سَلَكَت الطريقَ المُعتادة؛ بغير أن تعلم باتجاهها نحو المَجهول. كانت المياه تغمر أجزاءً كبيرةً مِن الأرضِ ذات المُرتفعات الحديثة والنتوءات، وتغطي حفرةً عميقةً لا يظهر بالطبع قاعها. سقطت عربتها في الحفرةِ واندفع الناس مِن المحلات المشرفةِ على الشارع ومن البنايات المُحيطة؛ يحاولون انتشالها. حملوا العربةَ وصديقتي داخلها وأخرجوها مِن عثرتها وقد جفَّت الدماءُ في عروقها واستسلمت للمصير.
***
لا أذكر أنني رأيت في أي بلدٍ من البلدان التي زرتها، طريقًا تختلط فيه سياراتُ المواطنين بالجرافاتِ والحفاراتِ والمُعداتِ الخاصةِ بالرصفِ، كلٌّ يسير في الاتجاه الذي يُريد، سائق الجرافةِ يشير بيده سامحًا لسيارةٍ خاصة بالعبور، ثم ينحرف مانعًا أخرى كي يتمكن هو مِن قبض كومةِ حطام يرفعها لأعلى؛ فتقف السياراتُ الأخرى متأهبةً لسقوط بعض ما حمل فوق السقوف؛ كلٌّ يسلم أمرَه للقدر ويستعد للوم الحظِّ والنصيب.
***
لم أر أبدًا شوارعَ تُغلَق وأخرى تُفتَح في غمضةِ عين؛ بلا إعلانات مُسبقة أو لافتات تشير إلى تحويلِ المسار. لم أر هذا الحجمَ من الإرباكِ يمُر مرور الكرام؛ دونما أدنى تنبيه للسكان والعاملين في المنطقة بمصالحٍ ومكاتبٍ وشركات، بل ودون حساب الوقتِ الضائع، والهدر الذي نتكبده جميعنا على كافةِ المستويات؛ هدر الطاقةِ والمالِ وهدر الأعصابِ واستنزافها.
***
خريطةُ الأماكنِ تتغير، والتغيُّر سُنةٌ مِن سنن الحياةِ؛ لكن التخبطَ خيبةٌ، والخيبةُ نتاجٌ لغياب التخطيطِ والتدبيرِ وإهمالِ الدراسات، والمُعضلة أننا لسنا بعاجزين عن القيام بهذا أو ذاك؛ فقد رأينا مَوكبَ الملوك والملكات في انتقاله السلسِ وخروجِه الكبير، وعرفنا أن القدرات موجودةٌ والإمكانات متوفرةٌ، وأن الدولةَ تستطيع ما أرادت وانتوت؛ أن تنظمَ وترتبَ وتؤكدَ حضورها، أما والحال كما شاهدت مِثلي مثل كثيرين أتعسهم الحظُّ بسكنى ساحاتِ الحربِ الجديدة، وعانوا ولا يزالون من الأهوال؛ فلا أعذار مقبولةٌ ولا مبررات. بيتُ القصيد هو احترام المواطنين مِن عدمه، وقبولهم شركاءً في الحياة، أو استبعادِهم مِن قلبها وطردهم إلى هامش المتلقين؛ حيث يكافحون للتكيف مع ما يُفعَل بهم، ويجهدون في محاولاتِ تحجيم خسائرهم، ويجتهدون لتخفيفِ مشاعر العبثيةِ التي تكتم أنفاسَهم.
***
ثمَّة طرقٌ سهلةٌ بسيطةٌ ومباشرة؛ يمكن من خلالها تحقيقُ أفضلَ النتائج وأقلَّ السلبيات، وأخرى مُشوشة مُعقَّدة ومُلتوية؛ تصل إلى الهدفِ عبر متاهات، والاختيار بين هذه وتلك إنما يعكس منهجَ التفكير وثقافةَ التعامُل مع الآخرين.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات