مسألة تعود - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 يناير 2021 11:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

مسألة تعود

نشر فى : السبت 9 يونيو 2018 - 9:25 م | آخر تحديث : السبت 9 يونيو 2018 - 9:25 م

الصحف تتطور أو تموت. صار لزاما عليها أن تفكر في مستقبلها بشكل مختلف، في الوقت الذي تتساقط فيه سنويا الصحف المطبوعة مثل أوراق الخريف. وقع خبر توقف الطبعة الورقية لجريدة "الحياة" في مصر وفرنسا ولبنان كالصاعقة على القراء رغم توقعه، مع العلم أنها مستمرة حتى الآن في السعودية ودبي حيث اختار أصحابها أن تكون هذه المدينة العربية الأخيرة هي مقر إصدار النسخة الدولية والموقع الإلكتروني، وقيل ضمن ما قيل أن أسباب القرار تتعلق بالأزمات المالية التي مرت بها الصحيفة وبتراجع دخل الإعلانات. وهي الأسباب نفسها التي يسوقها كل من يتحول للنشر الإلكتروني حول العالم، والتي تترجم ملابساتها انتقالنا من ثقافة إلى أخرى، من ثقافة المطبوع والورقي إلى ثقافة الويب والإنترنت والشاشات الذكية. هذا التحول يقودنا إلى نقطتين أخريين: الأولى هي مسألة التعود التي تقوم عليها مطالعة الصحف، أي ربط القارئ بطقس معين كل صباح أو مساء، وبطريقة معينة في القراءة، فهناك من يبدأ دائما من الصفحة الأخيرة وهناك من يطالع العناوين في عجالة ثم يرجع لما لفت انتباهه، وهناك من يكتفي بالرياضة، إلى ما غير ذلك. والنقطة الثانية تتعلق بمدى اهتمامنا بالدراسات التي تتناول بالبحث أنماط القراءة وطرق استقبالنا للمنشور أو المطبوع وكيف اختلفت في عصر الإنترنت، بدلا من أن نكتفي بنعي هذه الصحيفة أو تلك، وسرد أسباب الاختفاء وذكر المخاطر التي تحيط بعالم الورق.
***
بالطبع شعر قارئ "الحياة" الذي اعتاد أن يتصفحها كل صباح مع فنجان القهوة أو الشاي بحالة من الخواء المفاجئ، لا يمكن أن تعوضه إياها القراءة على الإنترنت، ولو إلى حين، فهو يحتاج وقتا ليبدل عاداته، إذا استطاع، خاصة وأن المواقع الإلكترونية للصحف العربية ليست أفضل ما نستطيع تقديمه، فهي لا تزال بدائية وعشوائية إلى حد بعيد. سيظل حكم العادة يطارده، فهذه الأخيرة تسيطر على 40% مما نقوم به من أعمال يومية، بشكل ميكانيكي دون تفكير، تاركين مساحات أخرى في المخ لمزيد من التعلم والأفكار والأفعال الجديدة. وبالتالي إذا أراد القارئ أن يغير عادة تصفح جريدة ورقية لينتقل إلى المطالعة على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف سيكون مضطرا إلى تعديل روتين حياته. وهنا نحن نتحدث بالأحرى عن قارئ ولد ما بين 1930 و 1970، لأن الفئة التي تتراوح أعمارها ما بين 21 و 34 عاما، تفضل عادة القراءة من خلال الشاشات والمواقع الإلكترونية، أو على الأقل ليس لديها مشكلة في ذلك.
***
إيقاع جديد للقراءة وعادات مختلفة يجب أن نوليها اهتمامنا، خاصة إذا كنا من العاملين في مجال الميديا، فهي ستؤثر على شكل وطول وطبيعة ما يمكننا تقديمه للجمهور المستهدف. هناك كيانات متخصصة حول العالم تقوم بدراسة وتحليل الألجوريتمات بهدف معرفة ميول المستهلك وتفضيلاته وكسب ثقته، بل وتوجيه أولوياته والتأثير في قراراته، وعلى الأغلب يصب ذلك في مصلحة بعض الشركات الكبرى التي ستحقق المزيد والمزيد من الأرباح، فعملية القراءة على الإنترنت ليست قراءة حرة وخالصة، كما كانت على الورق، بل تحمل في طياتها الكثير والكثير من الأسرار. كذلك تختلف درجة الاستيعاب والتذكر والتركيز على الإنترنت، فهي تقل بسبب نمط القراءة السريع والانتقائي في حالة النشر الإلكتروني، ولا تسمح بالرؤية الأوسع وبأن يقع نظرك مصادفةً على ما قد يثير اهتمامك، دون قصد أو نية مبيته. التفاعل بين العنصر البشري والآلي المتمثل في الحاسوب أو الهاتف أو اللوحة الإلكترونية يجب أن يكون محط دراسات مطولة، لكي نتمكن من تطوير مهنة الصحافة، فقد جرت الكثير من المياه تحت الجسر منذ أن صدرت أول نسخة إلكترونية لصحيفة "سان جوزيه ماركوري نيوز" عام 1993، في الولايات المتحدة الأمريكية، تلتها "شيكاجو تربيون" و "ذا نيورك تايمز"، ومن وقتها ونحن بصدد عملية انتقال تدريجي من ثقافة إلى أخرى، لا ندرسها بما فيه الكفاية في العالم العربي، فنحن بحكم العادة أيضا متخلفون عن ركب الحضارة، ولا نغوص في عاداتنا كما ينبغي.

التعليقات