عالَـم من الفوضى المتزايدة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 27 مايو 2022 11:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

عالَـم من الفوضى المتزايدة

نشر فى : الإثنين 10 يناير 2022 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 10 يناير 2022 - 10:15 م

 

نشر موقع بروجيكيت سينديكيت مقالا للكاتب ريتشارد هاس، يقول فيه إن كتابه «عالَـم فى فوضى» ــ الذى نشر قبل 5 سنوات ــ واجه انتقادا شديدا بسبب تشاؤمه، لكنه أصبح بعد مرور 5 سنوات متفائلا نسبيا، شارحا باستفاضة كيف حدث ذلك.. نعرض منه ما يلى.
فى مثل هذا الشهر قبل خمس سنوات، نُـشِـر كتاب لى بعنوان «عالَـم فى فوضى». كانت الفرضية التى طرحها الكتاب تتلخص فى أن نهاية الحرب الباردة لم تكن إيذانا ببدء عصر يتسم بقدر أعظم من الاستقرار، والأمان، والـسِـلم، كما توقع كثيرون. فبدلا من ذلك ظهر عالَـم حيث أصبحت الـغَـلَـبة للصراع وليس التعاون.
انتقد بعض الناس الكتاب فى ذلك الوقت على أنه سلبى ومتشائم على نحو مفرط. الآن، بعد الأحداث التى شهدتها تلك السنوت الخمس، فربما يستحق الكتاب الانتقاد بسبب تفاؤله النسبى. لقد أصبح العالَم الآن مكانا أشد فوضوية مما كان عليه قبل خمس سنوات ــ وأغلب الميول والنزعات تسير فى الاتجاه الخاطئ.
•••
الواقع أن الفجوة بين التحديات والاستجابات على المستوى العالمى ضخمة ومتنامية. كشفت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد ــ 19) عن أوجه القصور التى تعيب الآليات الصحية الدولية. ونحن ندخل الآن عامنا الثالث من الجائحة، ومع ذلك لا نزال نجهل أصولها ومنشأها، بسبب المماطلة الصينية.
ما نعرفه هو أن أكثر من خمسة ملايين من البشر، وفى الأرجح خمسة عشر مليونا، فقدوا حياتهم. ونعرف أيضا أن نحو ثلاثة مليارات إنسان (كثير منهم فى أفريقيا) لم يتلقوا حتى الآن ولو جرعة واحدة من لقاح كوفيد ــ 19. كما نعرف أن الجائحة المستمرة تسببت فى تقليص الناتج الاقتصادى العالمى بما يعادل تريليونات الدولارات.
ويستمر زحف تغير المناخ. لقد أصبح العالَـم بالفعل أكثر دفئا بما يزيد على درجة مئوية واحدة مقارنة بما كان عليه عند بداية الثورة الصناعية، وهو فى طريقه لأن يصبح أكثر دفئا. وأصبحت أحداث الطقس الشديدة القسوة أكثر تواترا. وارتفعت مستويات استخدام الوقود الأحفورى.
تعهدت الحكومات بتحسين أدائها، لكن أداءها لم يتضح بعد؛ فى بعض الحالات، بما فى ذلك الصين والهند، وهما أكبر دولتين فى العالم من حيث عدد السكان، كانت التعهدات جديرة بالملاحظة بسبب افتقارها إلى الطموح وحس الإلحاح والضرورة العاجلة.
ويظل الفضاء السيبرانى (الإلكترونى) أشبه بالغرب المتوحش؛ حيث لا يوجد مأمور على استعداد لوضع حدود للسلوك المقبول أو قادر على ذلك. لن نجد حتى أى قدر من التظاهر بالتعاون العالمى. بل نرى بدلا من ذلك التكنولوجيا تتفوق على الدبلوماسية؛ حيث تبذل الحكومات الاستبدادية جهودا كبيرة لتطويق مجتمعاتها بالجدران فى حين تنتهك فضاء الآخرين السيبرانى لزرع بذور الفتنة السياسية أو سرقة التكنولوجيا.
ويستمر الانتشار النووى. فقد زادت كوريا الشمالية من حجم ترسانتها النووية كما ونوعا ونجحت فى تحسين مدى ودقة توجيه صواريخها. وفى أعقاب القرار الذى اتخذته الولايات المتحدة من جانب واحد فى عام 2018 بالخروج من الاتفاق الذى وضع سقفا مؤقتا لقدرات إيران النووية، انتقلت الجمهورية الإسلامية من كونها على بُـعـد عام واحد من امتلاك سلاح نووى إلى ما لا يتجاوز بضعة أشهر أو حتى أسابيع.
وأصبح التنافس بين القوى العظمى أشد وضوحا من أى وقت مضى منذ الحرب الباردة. فقد تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بسرعة بالغة، ويرجع هذا فى الأغلب إلى القمع الصينى المتزايد فى الداخل، والاحتكاكات التجارية والاقتصادية، فضلا عن قوة الصين العسكرية المتنامية وسياستها الخارجية المتزايدة العدوانية. وعلى خلفية المنافسة الاقتصادية المتزايدة الحدة والصراع المحتمل بشأن تايوان، لم يعد من الواضح ما إذا كان البلدان قادرين على التعاون بشأن تحديات عالمية مثل الصحة العامة وتغير المناخ.
ربما يكون بوسعنا أن نزعم أن روسيا أصبحت أشد سُـخطا على النظام العالمى. فبعد مرور ثلاثة عقود من الزمن منذ انتهت الحرب الباردة، يسعى الرئيس الروسى فلاديمير بوتن، الذى يبدو مستقرا فى السلطة فى المستقبل المنظور، إلى وقف توسع حلف شمال الأطلسى أو عكس اتجاهه إن أمكن. لقد أثبت بوتين أنه لا يجد غضاضة فى استخدام القوة العسكرية، وإمدادات الطاقة، والهجمات السيبرانية، لزعزعة استقرار البلدان والحكومات التى يرى أنها عدائية. وهدفه المباشر هو أوكرانيا، لكن التحدى الاستراتيجى الذى تفرضه روسيا فى عهد بوتين بات أوسع كثيرا.
•••
لا يخلو الأمر أيضا من تطورات أخرى تدعو إلى القلق. فقد تجاوز عدد النازحين المشردين الثمانين مليون ــ واحد من كل مائة. وأضعاف هذا الرقم من البشر يتحملون ما لا يمكن وصفه إلا على أنه أزمة إنسانية. كما أصبح الشرق الأوسط موطنا لعدة حروب جارية ــ أهلية وإقليمية فى ذات الوقت.
وتتقهقر الديمقراطية فى أجزاء كثيرة من العالم، ليس فقط فى الحالات المأساوية مثل ميانمار والسودان، بل وأيضا فى أجزاء من أمريكا اللاتينية بل وحتى أوروبا. وتُـعَـد هايتى وفنزويلا دولتين فاشلتين فى الأساس، وكذا ليبيا، وسوريا، واليمن. وتبدو أفغانستان فى طريقها إلى التحول مرة أخرى إلى دولة رائدة على مستوى العالم فى تصدير الإرهاب، وإنتاج الأفيون، والبؤس.
أضف إلى كل هذا عاملا حاسما آخر: فقد أصبحت الولايات المتحدة فى حالة من الفوضى الداخلية أشد مما كانت عليه قبل خمس سنوات؛ حيث بلغ الاستقطاب السياسى مستويات غير مسبوقة من الارتفاع، وبرز العنف السياسى كتهديد بالغ الخطورة. ولم يعد من الممكن اعتبار التداول السلمى للسلطة السياسية بعد الانتخابات أمرا مفروغا منه. وبدوره، أدى هذا الواقع الداخلى إلى التعجيل بانسحاب أمريكا من القيادة العالمية بعد خمسة وسبعين عاما. ولا يوجد بلد آخر قادر ومستعد للاضطلاع بهذا الدور.
من المؤكد أن بعض التطورات الإيجابية تستحق الـذِكر: الإنشاء السريع للقاحات التى تقلل بشكل كبير من التعرض لخطر الإصابة بعدوى كوفيد ــ 19؛ والتكنولوجيات الخضراء الجديدة التى تقلل من الاعتماد على الوقود الأحفورى؛ والتعاون المتزايد بين الولايات المتحدة والعديد من شركائها لمقاومة الصين الأكثر قوة وشراسة؛ وحقيقة بسيطة مفادها أن التنافس بين القوى العظمى لم يتدهور حتى الآن إلى مستوى الحرب.
•••
تُـرى ماذا يتطلب الأمر لتجنب مستقبل تحكمه الفوضى؟ قد تشمل القائمة المختصرة التطعيم ضد كوفيد ــ 19 على نطاق واسع، وإنتاج لقاحات جديدة فَـعّـالة ضد أى متحورات قد تنشأ فى المستقبل؛ وتحقيق اختراق تكنولوجى أو دبلوماسى من شأنه أن يقلل بشكل كبير من استخدام الوقود الأحفورى وأن يعمل على إبطاء تغير المناخ؛ والتوصل إلى تسوية سياسية فى أوكرانيا تعزز الأمن الأوروبى؛ والتوصل إلى نتيجة مع إيران تحول دون تحولها إلى قوة نووية أو حتى شبه نووية؛ وعلاقات أمريكية صينية قادرة على وضع حواجز حماية لإدارة المنافسة وتجنب الصراع؛ والولايات المتحدة القادرة على إصلاح ديمقراطيتها بالقدر الكافى حتى يتسنى لها التركيز على أحداث العالم.
كما هى الحال دوما، لا مفر من الرضا بالقليل، فى السراء والضراء. لكن الأمر الواضح الآن هو أن الاتجاهات لن تتحسن من تلقاء ذاتها. نحن فى احتياج إلى الإبداع، والدبلوماسية، والإرادة الجماعية لتحويل الأمور. ولكن من المؤسف أننا نعانى من عجز واضح فى المدد من البندين الأخيرين.
النص الأصلى:


التعليقات