مدير عموم الزير! - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2020 12:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مدير عموم الزير!

نشر فى : الإثنين 10 أغسطس 2020 - 8:05 م | آخر تحديث : الإثنين 10 أغسطس 2020 - 8:05 م

لم أعرف هذا المصطلح من قبل، كان متواترا فى نكات العامة، لكننى لم أعرفه إلا من الدكتور رأفت رضوان الرئيس الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء. كنت باحثا اقتصاديا ناشئا ولى عدد محدود من سنوات الخبرة فى شركات خاصة ومتعددة الجنسيات فى مصر وسلطنة عمان، وكانت اجتماعات يوم الأربعاء المقدسة فى المركز تستلزم حضور الجميع، كان بمثابة اجتماع تحفيزى تستعرض خلاله القطاعات المختلفة منتجاتها وإنجازاتها وحتى إخفاقاتها نظرا لتمتع رئيس المجلس بحس نقدى لاذع لم يفلت منه إلا القليلون، فلا بأس أن تتحول بعض الإنجازات بفعل النقص والتقصير والخطأ البشرى المحتمل إلى عبرة للآخرين.
كان لقب «مدير عموم الزير» من نصيب كل من أراد أن ينتزع لنفسه لقبا ومنصبا لا قيمة مضافة حقيقية له، ولا يدير أية منظومة فاعلة داخل المركز. هكذا فهمنا من خلال أسلوب ساخر حاد أن الأصل فى نجاح المؤسسة هو العمل الجماعى والإضافة الفعلية بغض النظر عن المسميات.
أهم ما فى الأمر أن ما كان يردده رئيس المركز باستمرار عن فنون الإدارة الحديثة ومميزاتها ليس محض شعارات فارغة، بل أشهد عن تجربة شخصية أن القيادات الشابة كانت محل تقدير وتمكين، وكانت مجموعات العمل أكفأ فى الحركة من القطاعات التى تشبه الديناصورات المنقرضة فى ثقلها وجمودها، وألقيت مسئولية قيادة تلك المجموعات على شباب حديثى التخرج بعد اختبارهم فنيا وإداريا بل ومهاريا للتأكد من كفاءتهم وقدرتهم على القيادة، وكنت على صغر سنى أدير مجموعة عمل للتنبؤ بسعر الصرف، وقدت فريق عمل كبيرا عابرا للقطاعات فى مشروع قاعدة بيانات مصر ترأست فيها المجموعة التى ضمت رؤساء قطاعات دون حرج! المؤكد أن نمط الإدارة المذكور استمر بكفاءة عالية تحول خلالها المركز إلى بنك أفكار عظيم غزير الإنتاج الفكرى والمعلوماتى، وحصل خلاله على جوائز عدة فى الإدارة أذكر منها جائزة التميز الحكومى العربى التى تحمل اسم الشيخ محمد بن راشد. اليوم ألمس فى الأفق إرادة حقيقية لاستعادة دور المركز المفقود فى أعقاب مرحلة باهتة مرت عليه، لم تكن قياداته تعرف على وجه التحديد ما المطلوب منه!
المبدأ الذى قام عليه نجاح المؤسسة بسيط، فالتميز هو وسيلتك لتحقيق الارتقاء الحقيقى فى المؤسسة والذى لا يترجم فى صورة مسميات وظيفية لا قيمة لها ولا وزن، وإنما فى صورة تقدير مادى يتناسب مع حجم إنتاجك، وتقدير أدبى تحصل من خلاله على مسئوليات أكبر وإشادة متكررة أمام الجميع. لن تكون فى حاجة إلى الوقوف فى طابور طويل من أجل الوصول إلى المركز الذى تطمح إليه، وما إن تبلغه إلا وقد خارت قواك وتقدمت فى العمر وزهدت فى المنصب وربما فى الحياة كلها! هذا ما حاولت قيادة شركة إعمار العقارية أن تفرضه أخيرا ولكن بصورة أكثر جرأة عندما أعلن السيد محمد العبار رئيس مجلس إدارتها عن إلغاء جميع المسميات الوظيفية للعاملين بالشركة، فى إطار استراتيجية جديدة ترتكز على دعم المواهب وتطويرها. صحيح أن تلك الخطوة جاءت من وحى ما فرضته أزمة كورونا من تحديات، لكن تظل مرتكزة على أهداف التطوير وحفز النبوغ والإبداع.
***
كان صادما لى عند الاضطلاع بمسئولية رئاسة الشركة القابضة للصناعات المعدنية أن هيكلها التنظيمى شديد الهرمية ولا يعكس رؤية الشركة ولا نشاطها الأبرز فى إدارة محفظة مالية. كانت المرة الأولى التى أرى فيها مسمى «رئيس قطاعات»! والعجيب أن رئيس القطاعات كان فى أحسن الأحوال يدير فردا أو فردين بينما يحتاج إلى جيش من رؤساء القطاعات التابعة ومديرى عموم ومديرين ورؤساء أقسام ناهيك عن سائر الدرجات الوظيفية.. إن هو أراد أن يحقق شيئا من خلال التقيد بهذا الهيكل. الشركة كلها كانت شائخة وتضم ما لا يزيد على تسعين موظفا أغلبهم (كعادة مؤسساتنا المملوكة للدولة) من الوظائف الإدارية والخدمات المعاونة، ومع هذا فقد كان من الطبيعى أن تجد ما يعرف برئيس قطاعات ويليه فى الهرم الوظيفى مدير ثم سكرتير أو أمين مخازن والسلام !. أما عن الترقى فى الهيكل فلا يخضع أبدا إلى نظام تقييم دورى، هو محض مكافأة أو جمعية يقبضها الأقدم طالما أنه ليس مخبولا أو يثير كثير مشاكل، بل إن بعض القيادات الكبرى فى المؤسسة لم تكن مؤهلة وظيفيا ولا تعليميا لتولى المهام المكلفة بها.
كان علينا أن نتحرك سريعا كمجلس إدارة لعلاج هذا الخلل، وبصورة مؤسسية تم الاستعانة بمركز إعداد القادة التابع لوزارة قطاع الأعمال وبخبراء مكلفين لوضع هيكل وظيفى مرن، ووضع أدوات للتقييم تراعى جهود العاملين وتكافئ التميز والأهم من ذلك تتماشى مع رؤية ومهمة الشركة والمحاور الاستراتيجية المنبثقة عن تلك المهمة والأهداف. وتضع شروطا صارمة لتولى المناصب أو قل المهام الوظيفية، وتم تنفيذ خطة للتنمية البشرية وتأهيل العاملين وتحسين مهارات اللغة والحاسب التى افتقر إليها قيادات المؤسسة العليا ناهيك عن سائر المستويات، لكن كنا حريصين على تنمية المهارات الأساسية للجميع وفقا لاختبارات تحديد المستوى، لم يستثن من ذلك السائق أو عامل الخدمات، وكان الالتزام شرطا أساسيا للتقييم، ولك أن تتخيل عزيزى القارئ حجم المقاومة.
كان علينا استبدال مفهوم شئون العاملين التقليدى بمفهوم الموارد البشرية، مع أهمية هذا عند ضخ دماء جديدة فى جميع الشركات التابعة، والحرص على مزج تلك الدماء فى المؤسسات دون التمييز المقيت بين حرس قديم وحرس جديد. وقد تم استحداث قطاعات هامة مسئولة عن متابعة الشركات، واستحداث وظائف تصلح لمن أراد أن يظل مديرا لعموم الزير، وقاوم كل محاولة للاندماج والتطور، على ألا تؤثر سلبا فى الإنتاجية أو فى روح فرق العمل التى أصبحت عصب المؤسسة. طبيعى أن ترى شابة صغيرة تخرجت حديثا من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية على رأس مجموعة عمل ممن يكبرونها سنا لأنها تملك ما هو مطلوب لإنجاز المهمة والتكليف على نحو أكفأ. طبيعى أن ترى كهلا تجاوز الخمسين يحضر برنامجا أساسيا لتعلم اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من مواكبة زملائه الأصغر سنا، ويكون له إسهام حقيقى فى اجتماعات الشركة مع الشركاء الأجانب من شركات وبنوك ودبلوماسيين... وفى قراءة المراسلات ومذكرات التفاهم والعقود المحررة بالإنجليزية، لأن ذلك كان يقتضى فى السابق الاستعانة بمكتب ترجمة عبر مناقصة محدودة عند كل مراسلة تقريبا! ولك أن تتخيل حجم الفرص الضائعة فى تلك العملية العقيمة، ناهيك عما يضيع من معان فى الترجمة الرديئة. كان على من يفتقر للمهارات أن يعوضها بمزايا نسبية أخرى ليس من بينها احتكار المعلومات وحفظها فى صناديق سوداء لأنها أصبحت ملكا للجميع فى صورة رقمية، ما لم تكن سرية بطبيعتها.
***
تبقى إرادة التغيير واستدامته هى الأهم لوقف نزيف المؤسسات فى بلادنا. المؤسسات تنزف عقولا من الداخل، وتهدمها نفوس ضالة من الداخل أيضا. يهدم المؤسسات غياب الإدارة بالأهداف وحلول الإدارة بغرض التحكم والسيطرة. يهدم المؤسسات طردها للكفاءات عبر تمكين محدودى الكفاءة والمهارات والهمم وأصحاب الأجندات الخفية ومن كانوا موضعا للشبهات. يهدم المؤسسات أن تتحول المسميات الوظيفية إلى منح لأهل الولاء. يهدم المؤسسات الانقضاض على كل تجربة إصلاحية بغرض أن تدور عقارب الساعة إلى الوراء، عوضا عن تحقيق الاستدامة والاستمرار فى خط إصلاحى واحد حتى لو اختلفت الأساليب، وقد قلت فى مواضع كثيرة سابقا أن أعمار تجاربنا المؤسسية الناجحة قصيرة جدا لأنها من عمر الأفراد الذين يضعون رؤية التطوير والإصلاح بل من عمر فترة قيادتهم لتلك المؤسسات، لكن الدول التى سبقتنا استطاعت أن تبنى على تجارب ناجحة وتضيف إليها وتحسن فيها فلا تدور فى دوائر مفرغة بل تسير فى خط مستقيم إلى الأمام، طالما أنه تنطلق من رؤية مؤسسية لا برؤية فردية.
بهذه المناسبة أذكر أن السيد وزير قطاع الأعمال عندما قام مشكورا بتكريمى عند مغادرة منصبى مستقيلا، أكد فى كلمته بالحفل أن خارطة إصلاحية قد وضعت بالفعل وتم إنجاز الكثير منها، وأن كاتب هذه السطور كان حريصا على عملية التسليم والتسلم للملفات طيلة شهرين، وأن المؤسسة انطلقت ولا مجال لعودتها إلى الوراء، بل نحمد الله أن كثيرا مما أتت به خطط التطوير فى الوزارة تم تعميمه انطلاقا من تجربة الشركة القابضة للصناعات المعدنية خلال العامين الماضيين.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات