العملية الانتقالية فى تونس - صحافة عربية - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 11:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

العملية الانتقالية فى تونس

نشر فى : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 11:20 م | آخر تحديث : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 11:20 م

نشرت جريدة المغرب التونسية مقالا للكاتبة «آمال قرامى» وجاء فيه:

واهم من يعتقد أن المسار الانتقالى الديمقراطى كان يمكن أن يتم بسلاسة وبطريقة سلمية. فكل التجارب السابقة تثبت أن عملية الانتقال مركبة ومعقدة وإن اختلفت درجات التعقيد من بلد إلى آخر ومن فضاء جغرافى (القارة الإفريقية) إلى آخر (أمريكا اللاتينية). وكل التجارب تشير إلى أنه لا وجود لأنموذج واحد للتحول الديمقراطى. وكل التجارب تجعلنا ندرك أن العنف يلازم عمليات الانتقال الديمقراطى، وإن تفاوتت حدته من مجتمع إلى آخر. ولذا كان من المتوقع أن يمر التونسيون بتجارب متعددة حولت العنف إلى ظاهرة اجتماعية ممأسسة هيكلت العلاقات الجندرية والاجتماعية. وبالرغم من تضاعف منسوب العنف فقد استطاع التونسيون أن يقتنعوا بضرورة مقاومة أشكاله المختلفة حفاظا على اللحمة الاجتماعية لاسيما بعد بروز خطر الإرهاب.
ولكن وبالرغم من الحملات التوعوية والتحذيرات والتنديد بممارسة النخب السياسية والمتعلمة والإعلامية لأشكال مختلفة من العنف فإن الانطباع العام السائد اليوم لدى التونسيين هو أننا أضحينا مجتمعا ينحو منحى التعصب، وتسود فيه مشاعر الكراهية فى الفضاء الخاص والفضاء العام والفضاء الافتراضى، وهو أمر يشير إلى توافر مناخ عام لن يساعد على استكمال بناء المسار الانتقالى، وسيهدد فى ذات الوقت، السلم الاجتماعى. وما دامت الدولة هشة وغير قادرة على أداء مهامها على أكمل وجه فإن العنف فى ازدياد. فكيف سيكون بإمكان التونسيين إذن العمل معا من أجل تجاوز المصاعب، وهم فى الخصام غير مبينين؟
تتعدد فى الواقع المؤشرات الدالة على الانحراف بالمسار الانتقالى والمُخبرة بتغيير ملامح الديمقراطية: من ديمقراطية ظل السياسيون يكررون أنها وليدة وناشئة حتى يتبرءوا من أخطائهم، إلى «ديمقراطية عنيفة» ولا أدل على ذلك من العودة إلى المواضيع التى قسمت التونسيين وشكلت خلافات حادة بينهم كالدعوة إلى تطبيق الشريعة وحماية المقدسات وتجريم الاعتداء عليها، والنقاش حول طبيعة المنزلة التى يجب أن يحتلها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة فى الذاكرة الجمعية، و«حدود» حرية التعبير، وهيبة الرئيس، والقضايا المتصلة بالهوية الدينية...
لا ريب أن عدم فتح النقاش المجتمعى المعمق والرصين بشأن مواضيع ذات صلة بطبيعة الحكم، والمشروع المجتمعى... وعدم الحسم فيها بشكل مُرْض قد جعلها تطفو من جديد على السطح. فبعد أن تغيرت موازين القوى بات من كان مستضعفا وفى الهامش، فى المركز، وألفيناه اليوم، متحمسا لإعادة طرح هذه المسائل الخلافية لم لا وهو يعتبر نفسه المسئول عن عملية صياغة التشريعات وبإمكانه أن يتشفى من خصوم الأمس؟. ولكن ألا يعد «إحياء» طرح مثل هذه المسائل انزياحا عن المطلوب فى مثل هذا السياق الذى اتسم بتعقد الأزمات؟ ألا يمثل التهيب لهذا الجدل حول المواضيع الخلافية هدرا لوقت ثمين سيكون من الأجدر استغلاله فى التفكير فى حل المشكلات وطرح البدائل؟
والظاهر أن الفاعلين السياسيين الجدد قد تناسوا الأخطاء التى ارتكبتها الطبقة السياسية الأولى إذ انصرف القدامى إلى مناقشة الزوج علمنة ــ أسلمة، والقيم التى تأسست عليها دولة الاستقلال ومحاكمة النظام البورقيبى ونظام بن على وتجاهلوا القيم التى طالبت بها الجموع وتناسوا «انتظارات» التونسيين الحقيقية. وقد ترتب عن ذلك التناحر والتلاعن، والسب والشتم... انفلات النقاش العام من أطره وعسر ضبط حدوده.
وها نحن اليوم نعيش على وقع قضايا ترجعنا إلى التاريخ القريب، وتحفزنا على النبش فى الذاكرة وكأنه كتب علينا أن نُزامن فاعلين سياسيين فى قطيعة مع حاضرهم يأسرهم الماضى فلا يتأملون فى تقلبات الواقع المتحول.
إن أخشى ما نخشاه أن يعيش «الحكام الجدد» فى غربة... تحركهم اليوتوبيا فتعزلهم عن شعب ما عاد يقبل الزلات، والانحرافات والانزياحات، وتصفية الحسابات، والتلاعب بمصائر الأجيال... شعب همه الوحيد أن يعيش بكرامة.

المغرب ــ تونس

التعليقات