قمة المناخ.. قراءة فى الكتل التفاوضية - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الإثنين 6 فبراير 2023 6:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستزور معرض الكتاب هذا العام؟

قمة المناخ.. قراءة فى الكتل التفاوضية

نشر فى : الجمعة 11 نوفمبر 2022 - 8:05 م | آخر تحديث : الجمعة 11 نوفمبر 2022 - 8:05 م
منذ أن بدأت أعمال قمة المناخ السابعة والعشرين فى شرم الشيخ، والمفاوضات بين الوفود الحكومية المشاركة تدور حول قضايا خلافية كبرى أبرزها تعويض الدول الأقل تقدما والنامية والأقل نموا فى الجنوب العالمى عن خسائر وأضرار التغير البيئى الذى تسبب به، من بين عوامل أخرى، التطور الصناعى والتكنولوجى للشمال المتقدم. كذلك ترد على قائمة القضايا الخلافية، من جهة، مسألة التأسيس للسوق الكربونية العالمية ــ وفكرتها البسيطة هى أن تشترى الدول الأكثر إنتاجا للانبعاثات الكربونية ومن ثم الأكثر تلويثا للبيئة نظير مقابل مالى حصصا من الانبعاثات الكربونية للدول الأقل إنتاجا لها والأقل تلويثا للبيئة ــ ومن جهة أخرى، بناء التوافق حول المخصصات المالية التى تعتمدها الحكومات للتعامل مع التغير البيئى تكيفا وتحجيما.
خلال أعمال الأسبوع الأول من قمة شرم الشيخ، برزت عدة كتل تفاوضية تضم مجموعات مختلفة من الحكومات التى تنسق مواقفها من القضايا الخلافية. هناك، فيما خص الشمال العالمى، حكومات الاتحاد الأوروبى الذى تترأسه حاليا جمهورية التشيك، وتنزع حكوماته للتفاوض بشأن التعويض عن الخسائر والأضرار والسوق الكربونية والمخصصات المالية لمواجهة التغير البيئى ككتلة واحدة. هناك، ثانيا، مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التى تترأسها حاليا ألمانيا وتضم بجانبها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وللمجموعة عدة مبادرات هامة من بينها مبادرة «الدرع البيئى» التى تقدم من خلالها الدول الكبرى دعما ماليا وتكنولوجيا ومؤسسيا لدول مجموعة «ف ٢٠» المشكلة من ٥٨ دولة من الدول النامية والأقل نموا فى الجنوب العالمى الأكثر عرضة لتداعيات التغير البيئى. هناك، ثالثا، مجموعة «المظلة» وتدير جهدها التفاوضى حاليا أستراليا وتضم بجانبها الولايات المتحدة وكندا واليابان ونيوزيلندا والنرويج وأوكرانيا وأيسلندا وإسرائيل وكازاخستان، وهدفها التنسيق بين الدول الصناعية المتقدمة خارج سياق الاتحاد الأوروبى.
والحقيقة أن الكتل التفاوضية للشمال العالمى، وإن تفاوتت سياساتها بين اعتراف السويد والدنمارك وهولندا وبلجيكا على سبيل المثال بضرورة التعويض عن الخسائر والأضرار وإطلاقها لمبادرات مالية فى هذا الصدد (١٣ مليون يورو سنويا من الدنمارك ومليون يورو سنويا من بلجيكا) وبين امتناع الدول الصناعية الكبرى عن الالتزام بمبالغ مالية محددة، تنسق فيما بينها على نحو فعال. فى شرم الشيخ، يتجه كبار الشمال إلى المزج بين القبول الرمزى لمسألة التعويض عن الخسائر والأضرار وبين تحميل المخصصات المالية المطلوبة لها على المؤسسات المالية الكبرى كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى وعلى بنوك التنمية العالمية (كالبنك الأوروبى على سبيل المثال) والشركات الكبرى فى القطاع الخاص. وحجة كبار الشمال اليوم هى الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التى أحدثتها جائحة كورونا وزادتها حدة الحرب الروسية على أوكرانيا بالارتفاعات المستمرة فى أسعار الطاقة والغذاء وبالركود الذى صار يضرب الاقتصادات الكبرى. خطاب الشمال فى شرم الشيخ هو خطاب القبول الرمزى لمطالب الجنوب العالمى والتحايل الفعلى عليها بإزاحة الالتزامات والمخصصات المالية الضرورية إلى المؤسسات الدولية والقطاع الخاص. وعلى الهوامش، يسوق الشمال لمبادرات محدودة الأهمية (كمبادرة الدرع البيئى المشار إليها أعلاه)، ويروج سياسيا لانتفاء مسئوليته الفردية عن التغير البيئى بحديث عن مسئولية الجميع عن الانبعاثات الحرارية والكربونية التى سببت الارتفاع المطرد لدرجة حرارة كوكبنا خلال القرون الماضية. والتسويق والترويج، كلاهما يظلان دون مصداقية.
• • •
أما فيما خص الجنوب العالمى، هناك، أولا، مجموعة الـ«٧٧+ الصين» وتترأسها حاليا باكستان وتضم فى عضويتها ١٣٥ دولة نامية وأقل نموا وتنقسم إلى مجموعات فرعية عديدة، وهدفها الرئيسى فى مفاوضات قمة المناخ السابعة والعشرين هو إقرار آليات محددة للتعويض عن الخسائر والأضرار. هناك، ثانيا، مجموعة «ف ٢٠» ومسماها هو اختصار للاسم الرسمى وهو «منتدى الهشاشة البيئية»، وتترأس المجموعة حاليا غانا وتضم فى عضويتها ٥٨ دولة. هناك، ثالثا ورابعا، المجموعة الأفريقية وتترأسها حاليا زامبيا ومجموعة الدول الأقل نموا وتترأس أعمالها فى شرم الشيخ السنغال. هناك، خامسا، مجموعة الدول العربية وتترأسها حاليا الحكومة السعودية التى تنسق أعمالها بالتعاون مع آليات جامعة الدول العربية. هناك، سادسا، مجموعات نوعية أخرى تضم على سبيل المثال تحالف «الجزر الصغيرة» وهى من أكثر كيانات الكرة الأرضية هشاشة فى مواجهة التغير البيئى، وتحالف دول الغابات الاستوائية وهى مجموعة من الدول الصغيرة والفقيرة، ومجموعة الكاريبى التى تترأسها حاليا سورينام وتضم دول وجزر الكاريبى متفاوتة أعداد السكان والقدرات الاقتصادية.
فى المجمل، تركز الكتل التفاوضية للجنوب العالمى على قضيتى التعويض عن الخسائر والأضرار وقضية المخصصات المالية للتعامل مع التغير المناخى. غير أن كتل الجنوب العالمى تواجه فى إدارتها لمفاوضات شرم الشيخ صعوبات متنوعة، أهمها محدودية التنسيق الفعال بينها بسبب اختلاف المصالح بين الدول الأقل تقدما والدول النامية والدول الأقل نموا وانجراف البعض منها للمشاركة فى المبادرات الصغيرة للشمال العالمى على نحو يقلل من زخم مطالب الجنوب. والحقيقة أن كبار الشمال يدركون ذلك الأمر ويراهنون عليه. وبسببه أثارت الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى حين تم إدراج التعويض عن الخسائر والأضرار على جدول أعمال قمة شرم الشيخ مسألة وضع الصين وهى تصنف دولة نامية غير أنها مسئولة خلال العقود الماضية عن المعدلات الأعلى من الانبعاثات الحرارية والكربونية المنتجة عالميا. وبسببه أيضا، ضغطت الرئاسة الألمانية لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى قبل قمة شرم الشيخ لتفعيل مبادرة «الدرع البيئى» مع مجموعة «ف ٢٠»، وهى اليوم ليست سوى مبادرة لذر الرماد فى العيون وتشتيت جهود الجنوب العالمى لاعتماد مطالبه العادلة بشأن الخسائر والأضرار. فالمبادرة تتسم بالعمومية الشديدة وتغيب عنها الآليات المحددة لها، وغير معلوم إن كانت ستركز على تقديم المساعدات المالية أم التكنولوجية للدول الهشة بيئيا.
• • •
هناك، أخيرا، من بين الكتل التفاوضية فى قمة شرم الشيخ المجموعات المختلطة التى تضم بين أطرافها دولا من الشمال ومن الجنوب. ومن تلك المجموعات، على سبيل المثال، مجموعة «البريكس» التى تضم فى عضويتها الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وتترأسها حاليا البرازيل التى تتحول حكومتها من إنكار التغير البيئى مع الرئيس السابق بولسنارو إلى العمل على مواجهته مع الرئيس الجديد (القديم) لولا دا سيلفا. ومن بين تلك المجموعات أيضا «مجموعة العشرين» التى تترأسها حاليا إندونيسيا وتضم الدول الصناعية السبع الكبرى ومعها دول مجموعة البريكس وبعض الدول المنتجة للنفط، وتعد مجموعة العشرين مسئولة عن ٨٠ بالمائة من إجمالى الانبعاثات الحرارية والكربونية فى عالمنا. وهناك تحالفات عالمية يترأسها شراكة ممثلين عن الشمال والجنوب، مثل «تحالف الطموح» برئاسة كوستاريكا وفرنسا ومجموعة «التكامل البيئى» بعضوية دول كسويسرا والمكسيك وكوريا الجنوبية. وهدف تلك الكتل التفاوضية الوسيطة هو بناء التوافق بين الشمال والجنوب، غير أن فعاليتها محل شك كبير.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات