القرش أو الفك المفترس - محمود عبد المنعم القيسونى - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 2:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

القرش أو الفك المفترس

نشر فى : الثلاثاء 13 يونيو 2023 - 8:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 يونيو 2023 - 8:25 م

مساء يوم الخميس الموافق 8 يونيو ٢٠٢٣ أمام فندق بالغردقة، كان هناك من يسبح على مسافة نحو مائتى متر من الشاطئ، وأمام السياح الجالسين على الشاطئ شاهد الجميع منظرا مرعبا جمد الدماء فى عروق الجميع حيث هاجم قرش السابح وبدأ يفتك به وأخذ السياح يصرخون من الرعب، بينما قام عدد كبير بالتقاط فيديو لهذا المشهد الرهيب لتتناقل وسائل الإعلام وشبكات الإنترنت هذا الحادث المحزن الرهيب فى دقائق.
وقف الجميع مجمدين لا يستطيعون إنقاذ السابح والذى اختفى فى عدة دقائق أمام الجميع… وتحركت الأجهزة المعنية بسرعة حيث تم وقف كامل النشاطات الساحلية والبحرية، كما أعلنت وزيرة البيئة عن اصطياد القرش القاتل ونقله لمعمل ليتم فحصه بواسطة خبراء… فما هذا الكائن؟
• • •
هو نوع من السمك ذو هيكل غضروفى وعلى جلده تنتشر حراشيف درعية حادة تجعل ملمسه خشنا للغاية، وبفكيه تنتشر عدة صفوف متلاصقة من الأسنان المدببة الحادة والمتجددة دائما مما يجعل من لحظة عقر فريسته استحالة الإفلات مع سهولة التمزيق وتحطيم العظام والقضم ما أدى إلى إطلاق لقب الفك المفترس عليه عن جدارة.
وهو كائن بحرى مثالى الشكل والتكوين والإمكانيات ما أدى إلى صموده لأكثر من ثلاثمائة وخمسين مليون سنة يجوب المحيطات والبحار والأنهار دون تغيير يذكر، وقد أعلن علماء العالم أنه من الواجب التكاتف لحمايته من الانقراض لأنه يقوم بدور أساسى فى توازن منظومة الحياة بالبحار، وسمعته المرعبة تلت عروض الفيلم المشهور «الفك المفترس» لكنه كأى كائن مفترس إذا دخل الإنسان نطاقه فهو فريسة تُهاجم، مثل الأسد على سبيل المثال فإذا وجد إنسان فى نطاق مملكته يفتك به، وهذا لا يعنى أنه واجب إبادة أسود العالم، كما أن عدد الضحايا البشرية من هجمات سيد قشطة بأنهار أفريقيا وبلسعات النحل بالأمريكتين يفوق بمراحل ضحايا هجمات القروش.
يوجد منه أربعمائة وعشرة أنواع على مستوى العالم معظمها مسالم لا يؤذى الإنسان، منها اثنان وأربعون فقط تهاجم الإنسان، ونصف هذا العدد ــ أى ٢١ ــ يعتبر بالغ الخطورة على الإنسان، وأخطر نوع هو القرش الأبيض الضخم والذى يتسبب فى ٣٥٪ من حالات قتل البشر ويبلغ طوله أكثر من ستة أمتار ووزنه يتعدى نصف الطن، يليه القرش الملقب بالثور لضخامته وقوته وله وجود فى المياه المالحة والمياه العذبة بأنهار الأمازون بأمريكا الجنوبية وبأنهار الهند، يليه أبومطرقة والذى يبلغ طوله أحيانا أحد عشر مترا.
إمكانيات هذا القرش بالذات هائلة؛ فجسمه يسمح بمناورات والتفافات حادة جدا ولديه حاسة شم بالغة القوة، ومسام على رأسه بها مادة تلتقط الذبذبات المغناطيسية للفرائس من مسافات بعيدة يسمح له بالصيد فى الظلام الدامس أو فى المياه العكرة حيث تنعدم الرؤية وهذا النوع منتشر بالبحر الأحمر. تجدر الإشارة إلى أن أكبر قرش فى العالم هو القرش الحوت والذى يبلغ طوله ثمانية عشر مترا ويتعدى وزنه الواحد وعشرين طنا وهو لا يؤذى الإنسان قط ويتغذى فقط على العوالق أو الكائنات الصغيرة الطافية فى المياه، وأصغر سمكة قرش طولها نحو ستة سنتيمترات وتعيش فى مستنقعات جنوب شرق آسيا.
أخطر هجمات للقروش ضد البشر، خلال القرن الحالى، تحدث أمام سواحل ولاية فلوريدا شرق الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتقد أن السبب يرجع لطول سواحلها ٢٠٥٤ كيلومترا وكثافة الأشخاص السابحين، ومزاولى الرياضات البحرية وبالذات الانزلاق على الأمواج مع وجود تنوع من أخطر أنواع القروش أمام هذه السواحل.
حدثت أخطر هجمة قاتلة للقروش فى التاريخ يوم 28 نوفمبر ١٩٤٢ أثناء الحرب العالمية الثانية عندما ضربت غواصة ألمانية بطوربيد سفينة بريطانية عليها ٧٦٥ أسيرا إيطاليا وطاقما مكونا من ١٣٥، إذ غرقت السفينة فى سبع دقائق أمام سواحل جنوب إفريقيا وتمكنت سفينة برتغالية من إنقاذ ١٩٢ فقط وشاهدوا القروش وهى تهاجم وتلتهم ٧٠٨ من البشر، وهناك هجمات أخرى عديدة للقروش على ضحايا السفن الغارقة خلال الحرب العالمية الثانية.
• • •
مصر تقع على الركن الشمالى الشرقى للقارة الإفريقية ولها سواحل على البحر المتوسط وسواحل على البحر الأحمر وكلا البحرين بهما تنوع من القروش، فالمتوسط به ٤٧ نوعا أخطره القرش الأبيض الضخم والذى لا يقترب من السواحل ولم تسجل أى هجمات قروش أمام سواحل مصر، بينما سجلت خمسون هجمة أمام السواحل الإيطالية وأربعة وعشرون هجمة أمام السواحل اليونانية طوال القرن الماضى.
البحر الأحمر به ٤٤ نوعا من القروش أخطرها أبومطرقة والذى نادرا ما يقترب من السواحل، وبالبحر الأحمر تنوع من الشعاب الصلبة واللينة نحو ٢٠٠ نوع منها تعدى عمره ٥ آلاف سنة وهى تجذب القروش لثرائها بتنوع هائل من الحياة البحرية، يوجد نحو ١٢٠٠ نوع من الأسماك ١٠٪ تعيش فقط بالبحر الأحمر ولا وجود لها فى بحار العالم.
تضم سواحل البحر الأحمر أهم موقع غوص على مستوى العالم وهو بمحمية رأس محمد المعلنة عام ١٩٨٣ والتى فرض على نطاقها البحرى حماية الدولة، وحُظر الصيد قطعيا بها منذ عام ١٩٨٣. لكن للأسف الشديد وابتداء من عام ٢٠١٠ بدأ نشاط الصيد الجائر وغير القانونى بكامل قطاع سواحل جنوب سيناء وعلى الأخص النطاق البحرى لمحمية رأس محمد، حيث انطلقت مئات زوارق الصيد ذات الأحجام المختلفة ليلا ونهارا مستخدمة كل وسائل الصيد المخالفة للقوانين المحلية والدولية، يعمل عليها أبناء محافظات جنوب مصر والفيوم من مهن مختلفة لا علاقة لها بالصيد مثل مدرسى المدارس وموظفى الإدارات الحكومية، ودون أى اعتراض من أجهزة الدولة بالكامل وطوال شهور السنة. تسبب الصيد الجائر وغير القانونى فى سواحل مصر إلى نقص خطير غير مسبوق للمخزون السمكى بهذا القطاع، حتى الزرائع الصغيرة تم اصطيادها ما أدى فورا إلى الهجمات الشاذة جدا للقروش الجائعة على السابحين والسابحات أمام سواحل شرم الشيخ وسواحل محافظة البحر الأحمر.
أدى ذلك إلى حظر السباحة فى ديسمبر من عام ٢٠١٠ بعد مقتل سائحة أجنبية مما دفع مراكز الغوص السياحية ــ والتى احتلت وقتها مركز الصدارة فى العالم حيث فازت لثلاث سنوات متتالية كأفضل مراكز غوص على مستوى العالم وذلك خلال فاعليات بورصة لندن للسياحة ــ دفعها إلى استدعاء أهم خبير دولى فى مجال القروش وهو أمريكى لدراسة أسباب هجماتها وبعد أسبوع من دراسة علمية دقيقة، أعلن أنها هجمات شاذة سببها نقص المخزون السمكى فى كامل القطاع بخليج العقبة وخليج السويس بجنوب سيناء وأمام سواحل محافظة البحر الأحمر. كما يرجع سببها إلى الأسلوب البدائى الخطير الذى يتبعه بعض الصيادين بتزفير المياه، أى بإلقاء كم كبير من اللحوم وقطع السمك لجذب القروش لاصطيادها من أجل قتلها ونزع زعانفها المستخدمة فى مأكولات غالية بالفنادق وللتصدير.
كما أشار إلى قيام عدد من المرشدين السياحيين منظمى الرحلات البحرية للسياح بتعمد إلقاء قطع من اللحم المتشرب دماء فى المياه حول المراكب السياحية لجذب القروش حتى يقوم السياح بالتقاط الصور التذكارية ما يجذب القروش إلى الاقتراب الشاذ من السواحل، هذا بالإضافة لغرق سفينة وقتها لنقل مواشى بخليج السويس وغرق آلاف من الخرفان ما تسبب أيضا فى جذب القروش بأعداد كبيرة لهذا القطاع لالتهام الخرفان.
تبع ذلك تحرك ممثلى مراكز الغوص ومسئولى وزارة السياحة حيث عقدت عدة اجتماعات مع السادة وزير الزراعة، ورئيس الهيئة القومية للثروة السمكية، والسيدة وزيرة البيئة والسيد وزير السياحة، وبحضور ممثلى الاتحاد التعاونى للثروة المائية، وممثلى المعهد القومى لعلوم البحار، وبعد دراسة علمية واجتماعية وبيئية شاملة تم بعد ستة شهور التوصل لمنظومة علمية تتلخص فى الوقف التام لجميع أنواع الصيد البحرى أمام سواحل جنوب سيناء وسواحل محافظة البحرالأحمر من منتصف شهر أبريل حتى نهاية شهر يوليو من كل عام، للسماح باكتمال دورة الحياة البحرية والتنوع البحرى فى هذا القطاع وحماية وتكاثر المخزون السمكى، وهى منظومة مطبقة فى معظم دول العالم والتى لها سواحل بحرية، هذا مع تخصيص وزارة السياحة نحو خمسة ملايين جنيه تصرف للصيادين المرخصين لإعانتهم طوال فترة الحظر مع اقتراح تدريبهم على حرف تبادلية مناسبة تحقق دخلا ماديا لهم وبالتدريج حتى توقف الإعانة السنوية بعد ذلك على أن تتم تحت إشراف المحافظات الساحلية فتم صدور القرارات الوزارية واعتماد المبلغ.
للأسف قبل بدء يوم التنفيذ قام عدد من الصيادين من غير أبناء جنوب سيناء بتنظيم مظاهرة احتجاج تسببت فى إلغاء كل الترتيبات والقرارات المتفق عليها وكان وزير الزراعة خارج مصر فى مأمورية ليبقى الحال كما هو عليه، ويستمر الصيد الجائر داخل المحميات وأمام كامل سواحل جنوب سيناء بخليج العقبة وخليج السويس وأمام سواحل البحر الأحمر، ويتناقص المخزون السمكى بشكل غير مسبوق فى تاريخ السواحل المصرية ولتحدث هجمة القرش الجائع على شاب يسبح أمام ساحل العين السخنة يوم 5 يونيو ٢٠١٦ حيث ثبت أن المياه كانت مزفرة من مراكب صيد أمام سواحل العين السخنة.
• • •
المنطق يشير إلى توقع تكرار بل تضاعف هذه الحوادث وتوابع ذلك على حياة السابحين والسابحات وكامل الاستثمارات السياحية الساحلية إذا لم نتحرك ونطبق القانون الخاص بتنظيم شهور الصيد، وشهور حظر الصيد، والرقابة الصارمة من جميع أجهزة الدولة المعنية.

محمود عبد المنعم القيسونى المستشار السابق لوزير السياحة ووزيرة البيئة
التعليقات