فعل عشوائى من اللطف - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الإثنين 26 أغسطس 2019 1:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





فعل عشوائى من اللطف

نشر فى : الأربعاء 13 ديسمبر 2017 - 9:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 ديسمبر 2017 - 9:10 م
يستوقفنى تعبير «فعل عشوائى من اللطف» الدارج استخدامه فى اللغة الإنجليزية، وفى الثقافة الأمريكية عموما، عند وصف موقف لطيف حصل دون تخطيط أو دون أن يتوقع متلقوه حدوثه. كأن يبدأ أحدنا يومه بسلسلة من المعكرات فيصحو متأخرا فى صباح هو تحديدا صباح تقديم مشروع فى العمل بعد أسابيع من التحضير. نقفز بدلا من أن نتحرك حتى نسابق الدقائق لكن الطريق مغلق بسبب الأشغال فقد انفجرت ماسورة مياه الحى وها هم عمال البلدية يحاولون تصليحها فيغلقون الطريق أمام نهر السيارات والمشاة، متسببين بمزيد من التأخير. أصل أخيرا إلى مكان عملى وأنا ألهث فأصادف المدير وهو اليوم الذى أصل به متأخرة. وفى اللحظة التى أتوقع فيها الضربة القاضية ليومى، كأن اكتشف مثلا أن المشروع اختفى من على جهاز الكمبيوتر خاصتى، يهبط على فنجان من القهوة قرر أحد الزملاء أن يغليها للجميع لأنه وصل قبلنا. هكذا ينعدل المزاج وأعود لتصديق أن ثمة لحظات تكون كالشيفرة فى الحياة، ترسل رسالة على شكل غمزة من الكون الذى يصبح علىّ. «هل كنت فعلا على وشك الانهيار، ما رأيك بالقهوة الصباحية؟» يأتينى السؤال على ورق تغليف الحلوى، فمن منا لم يقرأ بشغف حتى لو تظاهرنا بعدم الاكتراث، الأوراق الملونة التى تحفظ الحلويات. «كن جميلا ترى الوجود جميلا.» فعلا؟ نعم فعلا، كما تقول الورقة الملونة.
***
«فعل عشوائى من اللطف» تتضمن التسليم بأن حتى اللطف قد تمأسس وصار إيقاعه رتيبا، وكأن علينا أن نحدد مجالات اللطف المسموح بها يوميا ومناسبات إظهاره. ربما ينطبق ذلك أكثر على المجتمعات الأكثر تنظيما حيث يحترم القانون وتكون التوقعات، لا سيما فى العلاقات الإنسانية فى الأماكن العامة، مرتبة نتيجة سنوات طويلة من تطور المجتمع ومأسسة المسموح والمرفوض. ربما ما زال مفهوم اللطف التلقائى فى مجتمعاتنا غير المنظمة من الثوابت، فمن التلقائى أن أرسل لجارتى «سكبة» مما أطبخه، أو أن أغرف لها من طبختى فهى قطعا قد شمت رائحة المكونات على الطابق الذى نتشارك به. من الطبيعى أن أسأل شخصا يدخل مكتبى إن كان يريد احتساء القهوة أو الشاى. 
***
هناك أفعال يخيل لى أن من نشأ فى منطقتى المنكوبة سياسيا والكريمة إنسانيا، إنما رضع مع حليب أمه بعض المسلمات: لا نسأل الضيف عن موعد رحيله. نصر على إطعامه حتى لو رفض فهو سوف يقبل حين نصر للمرة الثالثة. نعرض خدماتنا على أم العروس وابن الفقيد، كيف يمكن أن نساعدك؟ كيف نخفف من مسئولياتهم فنشعرهم أننا معهم فى الفرح والحزن؟ قد ينظر إلى ذلك، فى المجتمعات المتقدمة، على أنه تدخل فى الخصوصيات. وقد يكون بعض الدافع فى مجتمعاتنا هو فعلا القليل من الحشورية. لكن مجموع فناجين القهوة وقبلات أصدقاء الوالدة ومكالمات المعارف وعرضهم المساعدة وطبق الكنافة الذى أرسلته الجارة بعد ظهر يوم عادى، كلها تصب فى خانة «فعل عشوائى من اللطف» الذى أصبح يدهش المجتمعات المتطورة المبنية على توقعات واقعية.
***
أعى التعميم فى وصفى، كما أعى التغييرات الكبيرة التى طرأت على الحياة فى عمارة فى القاهرة أو بيروت أو دمشق. فيكفينى أن أستمع لبعض حكايات من سبقنى من جيل، كجيل أمى وأبى، حتى ألاحظ عدم درايتى بكثير مم يشيرون إليه. لقد فقد جيلى بالفعل الكثير من اللطف العشوائى بحسب رواية والدتى. لكننى أجد نفسى، وخصوصا فى هذه الأوقات الموتورة سياسيا، أجد نفسى أعود لعادات أتذكر بعضها من جدتى وأسمع عن بعضها الآخر فى جلسات السمر لمن هم أكبر منى.
***
قد تكون إحدى طرق التنفيس عن غضبى مم آلت عليه أوضاع ما حولى هى أن أتذكر رائحة القرفة فوق السحلب فى نهاية يوم بارد كما قدمه لى صاحب الدكان فى آخر شارعنا دون سبب سوى أنه كان قد انتهى من صنعه لحظة دخولى محله. قد أتذكر أيضا صندوقا من فاكهة الدراق الذى وصل إلى بيتى فى دمشق صباح يوم صيفى شديد الحرارة، سألت من أوصله عن المصدر فأجاب أنه صديق انتهى من قطف أشجار حقله وتذكر أننى أحب الدراق. هكذا، دون مناسبة سوى أنها «أفعال عشوائية من اللطف».
***
لماذا لا تسألين عنى، تعاتبنى صديقة. فعلا، السؤال عن الناس اندثر فى المجتمعات الحديثة المتقدمة المنظمة. تماما كما حلت الرسائل النصية مكان المكالمات الهاتفية، لا سيما تلك التى كنا نجريها من الخط الأرضى وليس من الهاتف الخلوى. 
***
أنا شخص معلق بخيط رفيع بين نظام صارم أشبه بنظم الحياة الغربية، وبين عشوائية فى المشاعر الإنسانية. أتوق لسماع جرس الباب وأنا أعرف أننى لست على موعد مع أحد. أفتح الباب فتقول صديقتى إنها كانت قرب بيتى وقررت أن تسأل عنى. لم يعد يحدث ذلك كثيرا لكنى أخشى أن يتوقف تماما، أو أن يتحول إلى «فعل عشوائى من اللطف»، أى أن يستغرب جيل أطفالى من أننا نسأل عن أحوال بعض ونتوقع من بعضنا البعض فنجانا من القهوة نصر أنه «أبدا ما بصير تمشى قبل ما تشربه».
تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات