رسالة المقريزى لإغاثة الأمة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 22 أكتوبر 2021 4:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

رسالة المقريزى لإغاثة الأمة

نشر فى : الإثنين 15 فبراير 2021 - 7:10 م | آخر تحديث : الإثنين 15 فبراير 2021 - 7:10 م

كان لتطور الفكر الاقتصادى عند المسلمين الأوائل أهمية خاصة فى مادة تاريخ الفكر الاقتصادى، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وإذا كان «شومبيتر» أحد أهم من أرّخ لتطور الفكر الاقتصادى قد أغفل إسهامات الكثيرين من علماء المسلمين فى تطور هذا الفكر، ومر لماما على إسهامات البعض الآخر، فإن أحدا لا ينكر اليوم ما وضعه ابن خلدون فى مقدمته من أسس تصلح لفهم الكثير من الظواهر الاقتصادية. ولقد كان «المقريزى» من أبرز تلامذة ابن خلدون، واتخذ من وطنه مصر حالة للدراسة الاجتماعية والاقتصادية فى عدد من مؤلفاته وعلى رأسها كتيب أو رسالة «إغاثة الأمة بكشف الغمة».
ولد تقى الدين المقريزى بالقاهرة عام 766ه/1366م فى حارة برجوان. وقد كانت له مكانة خاصة عند السلطان المملوكى الظاهر برقوق وابنه فرج بن برقوق (1382ــ1405م). تقلّب المقريزى فى عدد من الوظائف الهامة، منها الوعظ والحسبة والقضاء والخطابة والإمامة وعدد من الوظائف الإدارية. لم يمنعه ذلك من توجيه النقد الشديد لأسلوب الحكم، وطريقة تقلّد المناصب عبر تفشى الرشاوى والفساد.. إلى غير ذلك من آفات وجد نفسه مسئولا عن تحليلها ورد كثيرا من أسباب الغلاء إليها. المقريزى إذن كان رجل قلم ومعرفة ورجل دولة وإدارة وقضاء، وقد ساعد هذا كله فى تكوينه الذى شفّت عنه سطور رسالته، والذى نادرا ما تجده فى المؤلفات الكبرى له أو لمعاصريه من المؤرخين والعلماء.
***
وكما صرفت مقدمة ابن خلدون دارسيه عن المؤلف الأصلى الذى وضع له «المقدمة»، فإن كتابا صغيرا للمقريزى هو «إغاثة الأمة بكشف الغمة» قد صنع تأثيرا مشابها حتى صار من أبرز مؤلفات الرجل. يتناول الكتيب (فيما درسه وحققه الدكتور كرم فرحات عام 2007) تاريخ المجاعات التى نزلت بمصر منذ أقدم العصور وحتى سنة 808هـ/1405م (سنة تأليف الكتاب).
وقد ألّف المقريزى إغاثة الأمة من منطلق اقتصادى بحت وفى ظل ظروف اقتصادية قاسية، ومن واقع أزمة خانقة عايشها بنفسه وراحت ضحيتها ابنته الوحيدة. فقد حلّت بمصر مجاعة مهلكة بصفة متقطعة بين عامى 796 و808 هـ وقد صاحب تلك المجاعة انتشار الطاعون الذى أهلك آلاف البشر. يقول كرم فرحات: «وهكذا عندما عالج سوء الحالة الاقتصادية فى كتابه، وبحث فى أسباب الداء وفتش عن الدواء كان يكتب بأحاسيسه، ويسجّل ما رآه بعينه وما أحسه بفؤاده وليس فقط ما سمعه بأذنيه.. استهدف الإمام المقريزى من كتابه هذا توضيح حقيقتين هامتين: الأولى الأسباب التى نشأ منها هذا الأمر العظيم، وكيف تمادى بالبلاد والعباد هذا المصاب الشديد الشنيع، والثانية ما يزيل هذا الداء ويرفع البلاء».
وقد تعقّب المقريزى فى رسالته الأزمات الاقتصادية التى مرت بمصر من طوفان نوح مرورا بما وصفه بالأزمة الطاحنة على عهد يوسف عليهما السلام، وبعد دخول الإسلام حيث رصد أول أزمة اقتصادية سنة 87هـ عندما ولى مصر عبدالله بن عبدالملك بن مروان فتشاءم به الناس لأن عصره شهد أول غلاء وشدة على المسلمين بمصر. وقد رصد المقريزى منذ فتح مصر وحتى تاريخ كتابته للإغاثة نحو عشرين أزمة اقتصادية تفاوتت فى شدتها، أرجع معظمها إلى قصور نهر النيل وانخفاض مستوى الفيضان، وأرجع بعضها إلى الاضطرابات والفتن وعدم الاستقرار بسبب مصادمات طوائف الجند والأمراء، وما صاحب ذلك من نهب الأسواق واختلال الأوضاع الاقتصادية.
وفى عرض الإغاثة أنه «اشتمل على مقدمة ثم مقدمة حكمية تشتمل على قاعدة كلية، وفصل يتناول فيه إيراد ما حل بمصر من الغلوات وحكايات يسيرة من أبناء تلك السنوات، وفصل فى بيان الأسباب التى نشأت عنها هذه المحن التى فيها الشعب المصرى، وفصل يوضّح فيه أن معاملة مصر مازالت بالذهب فقط، وفصل فى ذكر أقسام الناس وأصنافهم، وبيان جمل من أحوالهم وأوصافهم، وفصل فى ذكر نبذ أسعار هذا الزمن وإيراد طرف من أخبار المحن، وفصل فى ما يزيل عن العباد هذا الداء ويقوم لمضى الزمان مقام الدواء، وفصل فى بيان محاسن هذا التدبير العائد نفعه على الجم الغفير، ثم الحديث عن سبب زوال النعم التى كانت بمصر وتلاشى الأحوال بها، وذهاب الرف، وظهور الحاجة والمسكنة على الجمهور».
يقول المقريزى فى وصف الشدة المستنصرية تحت عنوان «غلاء ثان فى زمن المستنصر»: «ثم وقع فى أيام المستنصر الغلاء الذى فحش أمره وشنع ذكره وكان أمده سبع سنى. وسببه ضعف السلطة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان وقصور النيل، وعدم من يزر ما شمله الرى. وكان ابتداء ذلك فى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. فنزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطّلت الأراضى من الزراعة، وشمل الخوف، وخيفت السبل برا وبحرا، وتعذّر السير إلى الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة وركوب الغرر، واستولى الجوع لعدم القوت، حتى بيع رغيف خبز فى النداء بزقاق القناديل من الفسطاط كبيع الطرف بخمسة عشر دينارا وبيع الأردب من القمح بثمانين دينارا وأكلت الكلاب والقطط حتى قلّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وتحرز الناس فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه فى أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه.. ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما فى قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه وذهب وقاره وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن: الجوع.. الجوع تردن المسير إلى العراق فتسقطن عند المصلى وتمتن جوعا».
***
وقد أوضح المقريزى فى رسالته أن كثيرا مما أورده من آثار السابقين إنما استحضره بغرض التخفيف على أبناء عصره، الذين ظنوا أن ما هو واقع بهم من بلاء لم يسبقهم إليه أحد. هذا مما يدفعنا إلى مظنة أنه ربما نقل الشدة المستنصرية بكثير من المبالغة، حتى وإن كان المؤرخ ابن وصيف شاه المتوفى فى عام 599 قد وصف تلك الشدة بقوله: «ثم وقع فى زمن المستنصر غلاء عظيم، يعادل الغلاء الذى وقع فى زمن سيدنا يوسف عليه السلام، فأقام الغلاء سبع سنين متوالية والنيل لم تصل زيادته إلى أكثر من اثنى عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا، ثم إن الناس أكل بعضهم بعضا وبيع الأردب القمح بثمانين دينارا ثم اشتد الأمر حتى بيع كل أردب بمائة وعشرين دينارا ثم بيع كل رغيف فى زقاق القناديل بخمسة عشر دينارا وبعض الناس أكل الميتة والكلاب والقطط (جواهر البحور).
ويرد المقريزى الأزمات الاقتصادية إلى أسباب ثلاثة، أولها: «ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الإقليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال، بحيث لا يمكن التوصّل إلى شىء منها إلا بالمال الجزيل، فتخطّى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وباغ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة». ثم يسهب المقريزى فى تصنيف تلك الفئة المتقلدة للمناصب بوعد برشاوى لأهل الحكم وحاشيتهم مما لا يملكونه وقت إطلاقهم للوعود، فيحرصون بعد تقلّد المناصب على جمع المال بأى ثمن ولو على حساب أقوات الناس وأرواحهم. ويصف المقريزى هذا السبب بكونه أصل الفساد. وإذا أردنا أن نربط بين هذا السبب وبين السبب المباشر لأكثر أزمات مصر عبر التاريخ (وفقا للمقريزى نفسه) وهو نقص فيضان النيل، فإننا نلحظ ضمنا أهمية التخطيط الاقتصادى القائم على تولية الكفاءات والتى لابد أن المقريزى قد استلهمها من عبرة قصة يوسف عليه السلام.
السبب الثانى: غلاء الأطيان.. وكان يراها أيضا نتيجة للفساد القائم على التزلّف للأمراء ملّاك الأطيان بممارسات أدت إلى ارتفاع سعر الفدان الزراعى.
السبب الثالث للأزمات المعاصرة للمقريزى كان على حد وصفه «رواج الفلوس» ذلك أنه لا يرى النقود إلا ذهبا أو فضة وخلاف ذلك يعده سببا فى اشتعال الغلاء. هذا التحليل الأخير (سواء اختلفت أم اتفقت معه) يجعل من المقريزى أبا للنقوديين، ومحللا وقف بعمق على طبيعة العلاقة بين المعروض النقدى والمستوى العام للأسعار، معتبرا أن رواج هذا المعروض (بالتوسّع فى سك العملات) يؤدى إلى التضخم فى الأسعار نظرا لصعوبة مواكبة الإنتاج لهذا الحجم من النقود. فى تلك النقطة أكد المقريزى على أن النقود فى مصر على مر العصور كانت الذهب واستشهد بحديث شريف يربط مصر خاصة بالأردب والدينار (غلة البلاد ووسيلة دفعها).
لذا ففى محاولته لوضع وصفة الدواء من الأزمة الاقتصادية يقول المقريزى: «إن النقود المعتبرة شرعا وعقلا إنما هى الذهب والفضة فقط، وما عداهما لا يصلح أن يكون نقدا» وتلك نظرية إذا نظرت إليها من منظور إدارة المخاطر فستجد لها وجاهة خاصة فى زمن الأزمات الاستثنائية. ويقول أيضا: «إن الحال فى فساد الأمور إنما هو سوء التدبير لا غلاء الأسعار».

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات