فى مديح الكسل - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
السبت 24 أغسطس 2019 11:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





فى مديح الكسل

نشر فى : الأربعاء 17 أغسطس 2016 - 10:00 ص | آخر تحديث : الخميس 18 أغسطس 2016 - 11:27 ص

اشتهر الكاتب البريطانى برتراند راسل، بمساهماته فى مجالات الفلسفة والمنطق والنقد الاقتصادى والاجتماعى. وقد حظيت مواقفه وكتاباته السياسية لاسيما تلك المناهضة للحروب والداعية للسلام باهتمام الأوساط الثقافية فى أوروبا. إنما اعترف أن نظرياته ومواقفه، على نبلها وسموها، أراها مواقف تبناها عدد من المفكرين بعد الحربين العالميتين، وقرأت ما يشبهها عند آخرين، فراسل ينتمى لتيارات تطورت مع تطور مراحل حياته وحسب تغييرات الساحة الدولية بين عشرينيات وسبعينيات القرن الماضى.

أعترف أننى لم أكن قد قرأت أيا من كتابات برتراند راسل قبل أن تقع يداى على كتابه الأصغر حجما والأقل ضجة «فى مديح الكسل». استوقفنى أن يمدح أحدهم الكسل فى كتاب جدى وليس هزلى، فى كتاب يناقش الاقتصاد وليس أسلوب الحياة. وقد وضع الكتاب فى طريقى منذ نحو العشر سنوات فى مرحلة أعتبرها مرحلة مكتظة فى حياتى لا وقت لدى فيها للتوقف والكسل. لم أقرأ الكتاب كاملا وقتها، إلا أننى كثيرا ما فكرت فى مفهوم الكسل كمادة للمديح. ورغم أن الكاتب يستخدم مصطلح الكسل، إلا أنه يحاول فعليا أن يشرح أن بعضا من التأنى ومن البطء ليس بالسوء الذى تفرضه علينا عقلية السوق وحمى الإنتاجية بمعناها الليبرالى والرأسمالى.

•••

بعيدا عن الجانب الاقتصادى وعن نظريات العرض والطلب وتضارب المواقف الرأسمالية والاشتراكية، فهناك فعلا مدعاة لتأمل مفهوم السكون أو مفهوم عدم الحركة، وهو ما يقصده راسل بالكسل «فالكلمة فى اللغة الإنجليزية يمكن ترجمتها إلى الكسل وأيضا إلى عدم الحركة»: فى يوم عادى هل نتوقف عن «الفعل»؟ هل يتوقف عقلنا عن الدوران داخل رأسنا؟ حين نبتعد عن جهاز الكمبيوتر أو عن آلة نعمل عليها أو عن أى حركة تشكل «عملنا»، هل نتوقف عن العمل تماما؟ على الأغلب أننا نتوقف عن عملنا الفعلى لنقوم بعمل آخر. نبتعد عن الكمبيوتر فنتجه إلى المطبخ، نخرج من المكتب فنقضى حاجة متراكمة منذ زمن، نمشى بضع خطوات بعيدا عن مكان إنتاجنا لكننا نصلح شيئا فى البيت، نأخذ ولدا إلى الطبيب، نضع الغسيل فى الغسالة أو نقرر تنظيف الدرج فى هذه اللحظة.

لن أفترض أننى أمثل جميع من أعرفهم فى عدم قدرتى على السكون، إلا أننى أراقب منذ فترة عادات من أعرفهم ومن أحبهم، وقلة هم من أراهم قادرين على السكون، أو على «عدم الفعل» ولا أعنى بذلك عدم الإنتاج، ففى ظل حالة الركود الاقتصادى والإحباط العام التى تجتاح معظم بلاد المنطقة، قد لا ينتج الكثير منا أى شىء أصلا. إنما أعنى قدرة أحدنا على اتباع إيقاع أكثر بطئا، أقل تنظيما، مواعيده أقل صرامة، أيامه أقل رتابة. سافرت أخيرا مع مجموعة أصدقاء وعائلاتهم لمدة أسبوع فى رحلة تخيلت وقت التخطيط لها أنها ستكون رحلة خارج عامل الوقت، فى مكان بعيد عن حياتنا اليومية، فى جو لا يحتاج للكثير من التنظيم. راقبت أفراد المجموعة أثناء الرحلة فظهر لى فورا من لا يتوقف عن الدوران «وأعترف أننى من هذه الفئة» ومن يستطيع أن يخرج نفسه من الإيقاع ومن ضرورة تحديد ساعات فى اليوم لنشاطات بعينها. منا من هو بحاجة لتحديد مدد زمنية وربطها بأمور كالرياضة أو الأكل أو التنظيف أو السياحة، ومنا من يستيقظ دون خطة ولا يرى ضرورة العجلة فى الإفطار ولا يفهم إصرار البعض على ترتيب اليوم وتخطيط الساعات.

•••

عدت إلى كتاب «في مديح الكسل» بعد رحلتي مع الأصدقاء، لأفكر في مفهوم الإجازة، والتي هي مقدسة في البلاد المتقدمة اقتصاديا، حيث أن الإجازة مدرجة في قانون العمل كحق. فكرت في صديقتي السويسرية التي تقاعدت باكرا بعد سنوات من العمل الإنساني في بلاد تعيش نزاعات مسلحة ومآسي. استغرب الكثيرون قرارها في سن صغيرة نسبيا فالتقاعد المبكر لا يعطي المتقاعد راتب التقاعد كاملا بل يقتطع جزء كبير منه، ولم تكترث هي بملاحظات الناس. أصبحت تعيش يومها حسب مزاجها، تخطط لحضور مسرحية وزيارة صديقة مريضة، ثم تسافر جنوبا بحثا عن الدفء في الشتاء، فتعود إلى قارتها في الصيف لتستمتع بزيارة أصدقائها لها خلال عطلهم. حين زارتني وعائلتي في مصر مؤخرا لتمضي معنا إجازة في الشتاء، لم تخرج من البيت سوى ربما نصف الوقت، بينما قرأت واستمعت إلى الموسيقى وتحدثت معنا في الوقت الآخر. في يوم عودتها إلى بلدها، نظرت إلي بعينيها الضاحكتين وقالت لي بكلامها البطيء وصوتها الدافئ: «أكثر كلمة سمعتها منك في هذه الفترة هي كلمة بسرعة. أنت تنادين أطفالك وتطلبين منهم غسل أيديهم بسرعة، ثم تخرجين للعمل أو لعمل ما وتقولين أنك ستعودين بسرعة، وتطلبين من زوجك أن يصلح لك شيئا بسرعة. أنت لا تتوقفين ولا تعطين السكون حقه. جربي البطء، صدقيني هو فعلا لذيذ».

•••

ربما ما نحتاج له فى عقلياتنا وتباعا فى قوانيننا «أو بالعكس فى قوانيننا ثم عقلياتنا» هو أولا الاعتراف بحقنا جميعا بالراحة مرة فى اليوم، مرة فى الأسبوع ومرة فى السنة. وأنه خلال هذه الفترات نستطيع أن ننفصل عن الواجبات والعمل المنظم، أى عمل دون أن ينهار العالم من حولنا. بعد ذلك ربما نستطيع التفكير فى منافع السكون أو الكسل، فى أنه من الممكن قضاء ساعات نتسكع فيها دون هدف، نلتقى أحد الأصدقاء بالصدفة فنقرر أن تلك الصدفة تستاهل توقف عقارب الساعة. ربما أن قليلا من الكسل ينعش القلب ويخفف من دقاته.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات