حيرة أب فى المسألة الفلسطينية - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 15 يونيو 2021 6:52 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

حيرة أب فى المسألة الفلسطينية

نشر فى : الثلاثاء 18 مايو 2021 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 18 مايو 2021 - 9:31 م
سألنى ابنى الذى لم يبلغ عامه الثانى عشر عن فلسطين بعد أن تابع ما يدور فيها من مواقع التواصل الاجتماعى، وعرف من الحساب الشخصى للاعبه المفضل محمد صلاح الضغوط التى عانى منها ليتخذ موقفا مما يجرى وسألنى ابنى أيهما أفضل، موقف محمد الننى أم موقف محمد صلاح؟
حاولت أن أكون موضوعيا قدر الإمكان، واكتشفت أن المعلومات التى وصلت إليه لم تكن دقيقة، لكنه أدرك عقب المناقشة تضارب الروايات الشائعة فى أمريكا والغرب، مع الرواية العربية عن القضية.
بعد أخذ ورد تكونت أمامه وجهة نظر مبسطة عن الصراع العربى الإسرائيلى، وساعدنى مشهد لاعبى فريق ليستر سيتى الإنجليزى وهم يحملون العلم الفلسطينى بعد فوزهم بكأس إنجلترا على الوصول إلى إجابة مرضية عن سؤاله، فقد أدرك عدالة القضية الفلسطينية من خلال هذه الصورة وغيرها من الصور التى تلت احتفال الفريق بالفوز بكأس إنجلترا.
ثم جاءت مظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطينى فى معظم عواصم العالم، لتؤكد المعنى الذى أردت أن يصل إليه حول طبيعة الاستعمار الاستيطانى والجرائم التى ترتكبها إسرائيل. كشفت لى المناقشة مع ابنى عدة أمور مهمة، منها أنه يتلقى مع رفاقه سواء فى المدرسة أو النادى أغلب المعلومات من مواقع التواصل الاجتماعى ومن تطبيقى «تيك توك»، و«الإنستجرام» والأخير أصبح مصدره الرئيس فيما يعرف من معلومات عن كل شىء فى العالم من أول معجون الأسنان وحتى الصاروخ الصينى الذى تابع رحلته بالساعة والثانية.
وعلى عكس الأجيال السابقة لا يستقبل أبناؤنا رواية واحدة عن أى حدث، لأنهم ينعمون بتعدد مصادر المعلومات وتضاربها أيضا، ويعيشون بفضل الثورة التكنولوجية وسهولة استعمال الإنترنت فى عصر يسمى بـ«ديموقراطية الوسيط»، فالوسيط الإلكترونى بطبيعته ديموقراطى متنوع، ما لم يخضع لأى أشكل من أشكال الحجب أو التزييف.
وفى عالم اليوم من المستحيل على أى طرف فى كل صراع أن ينجح فى تعميم رواية وحيدة عنه وبالتالى تنشأ لدى الأبناء أسئلة أهم وأعقد من تلك الأسئلة التى صاحبتنا فى سنوات الطفولة وساعدتنا على تكوين وجهات نظر يقينية إزاء مسائل عديدة، فقد كانت طفولتنا أبسط وأسئلتنا أقل تعقيدا.
اليوم لا يجلس الصبية أمام نشرات الأخبار ولا يقرءون الصحف أو المجلات التى كنا نقرأها ونحن فى أعمارهم ومن النادر أن يطالعوا الكتب ما لم تكن كتبا مصورة أو روايات رائجة تتصدر واجهة المكتبات.
وهذا واقع يفرض تحديا جديدا فى سبيل تعريف الأجيال الجديدة بالقضايا الرئيسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأمام هذا التحدى لم يعد مجديا الاستسلام للمعرفة اليقينية الراسخة وإنما علينا التفكير فى تمرير وعينا بالقضية بطرق تتفاعل مع آليات عصرنا الجديد ومنظومة القيم الحاكمة لها وقد صارت قيما عولمية من الصعب تفادى معاييرها عند مخاطبة الأجيال الجديدة التى تبنى معارفها كلها فى إطار تلك المنظومة وما يسمى بـ«الصوابية السياسية» وهو مصطلح يستعمل لمواجهة أى لغة تحقيرية تمس الأقليات العرقية والنوعية والسياسية.
ومما يؤسف له أن مؤسسات كثيرة بعد تردى الواقع العربى وتوقف تمويلها بالتالى تراجع حماسها لتعريف الأطفال والصبية بالقضية الفلسطينية وأبعادها، على عكس ما كان يجرى فى الماضى، حيث كانت دور نشر ومؤسسات كثيرة تتسابق لأداء هذا الدور.
ولا يزال جيلى كله يتذكر بالخير الدور الإيجابى الذى لعبته دار الفتى العربى فى هذا الصدد، فقد اعتمدت على فريق من المناضلين الذين أعطوا عمرهم لهذه القضية وعلى رأسهم الراحل العظيم الدكتور محجوب عمر والناشر إسماعيل عبدالحكم وهيئة تحرير رأسها الكاتب الكبير عبدالفتاح الجمل وتعاون معه فيها محررون بموهبة الراحلين أمثال صلاح عيسى ويوسف أبورية وكفاءة المترجم الكبير بدر الرفاعى وجديته ونجح هؤلاء فى إقناع ألمع المواهب العربية فى التعاون مع الدار والكتابة لها فى موضوع محدد هو فلسطين.
ولا تزال إصدارتها وملصقاتها التى رسمها كبار الفنانين من أمثال حجازى ومحيى الدين اللباد وبهجت عثمان وحلمى التونى ملهمة ودالة فى تعبيرها عن واقع الصراع العربى الإسرائيلى وأجمل ما رسخته «الفتى العربى» رهانها على الخيال وقدرتها على أن تتفادى فى أغلب مضامينها «اللغة الخطابية» وما شاع من إكليشهات حول فلسطين.
ومن الأسف أن تختفى منشورات هذه الدار أو تهمل دون أن يعاد طباعة ما يستحق منها، وأتصور أن السيدة حسناء بكداشى وهى حريصة على توثيق إنتاج الدار لن تمانع فى تقديم ما تستطيع تقديمه لأجل أن يظهر هذا الإنتاج من جديد طالما أن فلسطين كما أثبتت الاحداث لا تزال حية فى الوجدان.