سُكتُم بُكتُم - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 6:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

سُكتُم بُكتُم

نشر فى : السبت 18 مايو 2024 - 8:05 م | آخر تحديث : السبت 18 مايو 2024 - 8:05 م

يعانى العالم على ما يبدو من عيوب فى شبكات الاتصالات، من أعطال هاتفية مستمرة. هذا ما تبادر إلى ذهنى، وأنا أتابع تجمهرات الطلاب فى دول مختلفة تنديدًا بحرب الإبادة على فلسطين، إضافة إلى التظاهرات الحاشدة التى تجوب الشوارع وإلى حركات المقاطعة الواسعة للشركات التى تدعم الكيان الصهيونى. أناس فى أعمار متباينة يصرخون بأعلى صوت، ويعلنون تحملهم مسئولية رفضهم مواقف بلادهم الرسمية والحكومات تتعامل كما لو أنها لم تسمع مطالبهم.. تقف كمن يقف على الطرف الآخر من الهاتف، مرددًا «ألو.. ألو» متظاهرًا بأن هناك خللًا أو تشابكًا فى الخطوط. اتسعت الهوة بين السائل والمجيب، وأحدثت القضية الفلسطينية تصدعًا فى العلاقة بين الحكومات والشعوب من جهة، وبين الشرق والغرب من جهة أخرى، ما ينبئ بصراع حضارات على الأبواب سيأخذ مداه ربما فى السنوات المقبلة.
«عيوب الشبكة» ما هى إلا طريقة ساخرة للإشارة إلى سوء التفاهم والتباعد الحاصل، وقد ذكرتنى بتعبير آخر دارج على الألسنة يصف أيضًا ما يحدث لكنه ينتمى لعصر غير العصر، ألا وهو «كمن يؤذن فى مالطا».. صورة قديمة أصلها يعود إلى عدة روايات ومعناها كما نعلم جميعًا أن لا يجد المتكلم آذانًا صاغية ولا تفاعلًا مع أفكاره واقتراحاته.
• • •
وفقًا للمؤرخين، عندما تم الفتح العربى لجزيرة مالطا عام 870 ميلاديًا لم يجبر أحد على الدخول فى الدين الإسلامى، فكان يُرفع بها الأذان ولا أحد يستجيب لأن السكان يدينون بالمسيحية، من هنا صرنا نقول «نؤذن فى مالطا» كلما لم يعرنا أحد اهتمامًا أو كلما رأينا أنه لا فائدة من محاولاتنا. قصة أخرى وردت فى المجلة الفكاهية «اللطائف المصورة» التى تأسست عام 1915، إذ نشرت صورًا للشيخ عبدالمعطى عبدالوارث الحجاجى، وكان ضمن رفاق سعد زغلول الذين تم نفيهم إلى مالطا إبان ثورة 1919. اكتفت المجلة بالتعليق على الصور بأن أحد الأعيان يؤذن لقادة وزعماء الوفد فى مالطا، وبقليل من البحث تبين أن الشيخ الأقصرى ينتهى نسبه إلى سيدى أبوالحجاج الشريف الحسينى، وأن بعد عودته من المنفى استقر فى القاهرة، ثم صار إمامًا وخطيبًا لمسجد «أمير الصعيد» وقت افتتاحه فى الأقصر عام 1934 وألف عدة كتب بوصفه من علماء الأزهر ووسع الساحة الحجاجية التى تزينت بالبيارق والأعلام فور رجوعه من المنفى.
القصة رغم طرافتها وكون بطلها شخصية مثيرة للاهتمام فإنها لا تنطبق على المعنى كما يستخدمه العامة، الرواية الأولى تبدو أكثر إقناعًا وقد وردت بصيغة مختلفة بحسب بعض المصادر التى تحدثت عن وصول شيخ مغربى إلى مالطا ورفعه للأذان ثم إقامته للصلاة وحيدًا حين لم ينضم إليه أحد. ظل المثل سائرًا حتى اليوم لأن منطق الحالة التى نعيشها يجعل منه حقيقة واقعة، ولأن هناك من اختاروا أن يواصلوا رفع الأذان فى مالطا والنفخ فى قربة مقطوعة مهما اتسع فتقها. هؤلاء يحاولون بكل الطرق ألا يصلوا متأخرين جدًا «بعد خراب مالطا»، كما جاء فى كتب التاريخ، فعندما استولى الجيش الفرنسى بقيادة نابليون بونابرت على مالطا سنة 1798 ومكث بها عامين دمر مبانيها وقصورها ونهب ما فيها. هرب أهل الجزيرة إلى صقلية، وبعد قدوم الإنجليز عام 1800 عاد السكان إليها لكن بعد الخراب الذى حل بها. تكررت الأحداث مرة أخرى مع الحرب العالمية الثانية، وكانت مالطا تحت الاحتلال الإنجليزى.. ألقت ألمانيا وإيطاليا -من خصوم إنجلترا- القنابل على الجزيرة حتى خربتها فهرب أهلها، ثم عادوا مجددًا بعد انتهاء الحرب لكن كالعادة بعد أن «خربت مالطا».
هذا العبث بحياة البشر ومصائر الشعوب يظل حاضرًا وبقوة، ونحن نتحدث حاليًا عن حق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم «بعد خراب غزة»، فما العمل؟ ولمن نلجأ فى هذه الحالة؟ وبمن نستجير؟
• • •
البعض قرر أن يلوذ بالحكمة الصينية القائلة «لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم»، والتى تصاحبها عادة فى مخيلتنا صورة القرود الثلاثة الذين يجلسون القرفصاء إلى جانب بعضهم البعض: يضع القرد الأول يديه على عينيه، ويضع الثانى يديه على أذنيه، بينما يضع القرد الثالث يديه على فمه.. يجلسون «سُكتُم بُكتُم»، كما نقول بالعامية المصرية، وهو تعبير يرجعه بعض الباحثين إلى اللغة المصرية القديمة للدلالة على وضعية الصمت المطبق أو الامتناع عن الكلام، ناهيك عن التوقف عن الفعل أو رد الفعل والرغبة فى الانفصال عن الواقع.
ربما سأم هؤلاء من متابعة «حوار الطرشان» الجارى حاليًا على الساحة، فلا مكان للعقل والمنطق، بل سباق محموم تشعله الرغبة فى الانتصار وتوجيه الضربات القاضية للخصم مهما كان الثمن. أضنتهم متابعة مباحثات بين مخاطبين لا يفهم بعضهم بعضًا. تسير كل الأطراف فى خطوط متوازية لا يمكن أن تتلاقى، غالبيتهم يبحثون عن شىء يعتقدون أنهم يملكونه فيعرضون أنفسهم بوصفهم الأحق والأفضل، والمواطنون البسطاء هنا وهناك يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويناموا ويسهروا ويمرحوا، بدلًا من أن تكون راحتهم الوحيدة فى الموت.
ألو.. ألو.. هل من مجيب؟ الشبكة حاليًا معطلة، تم تدميرها من جراء القصف الذى لا يبقى مكانًا للآخر.

التعليقات