على الرغم من حقيقة أن السفير إنما ينفذ السياسة الخارجية التى يضعها صانع القرار فى بلاده، فإن هذا لا يعنى أنه لا يساهم بتقاريره وتقديراته فى تشكيل هذه السياسة باعتبار أنه «فى الموقع»، وأنه الأقرب إلى الأحداث والشخصيات.
لذلك فإن معايير السفير الناجح أن تكون لديه القدرة على التقدير للأوضاع السياسية فى البلد المعتمد فيها خصوصا إذا كان يمر بفترة من التحولات وعدم الاستقرار السياسى، لذلك فإن تقدير السفير، أو السفيرة، لهذه الأوضاع وللأوزان الحقيقية للقوى المتصارعة، يمكن أن يكون حاسما فى تقرير مواقف دولته.
ويحفل التاريخ الدبلوماسى للحرب العالمية الثانية بنماذج من سفراء القوى المتحاربة وخصوصا بريطانيا وألمانيا كانت تقديراتهم كارثية بالنسبة لمجرى الحرب.
نستدعى هذا ونحن نتابع أدوار سفيرتين للولايات المتحدة منذ اندلاع ثورة 25 يناير حتى ثورة 30 يونيو. كانت السفيرة الأولى هى مارجريت سكوبى التى عاصرت السنوات الأخيرة من حكم مبارك، وتابعت نشوء الحركات الاحتجاجية وتراكم الغضب الشعبى وحيث توقع كتاب حدوث «انفجار»، وقال د. محمد البرادعى أنه إذا نزل مليون مصرى إلى الشارع فسوف يسقط النظام، ورغم هذا، ولحرص السفيرة الأمريكية على نظام مبارك، قالت فى الأيام الأولى لثورة 25 يناير أن نظام مبارك «مستقر».
وأنه سوف يصمد للمظاهرات والاحتجاجات، وهو التقدير الذى رددته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون. ومع الزخم وقوة الاندفاع الذى أخذته الثورة وبدت أنها ثورة شعبية تشمل كل مناطق مصر ومحافظاتها، وهو ما أدركه باراك اوباما، ربما فى وجه بعض تحفظات مستشارية، وأعلن مطالبته لمبارك بترك السلطة.
●●●
ولعلنا نلاحظ إدراك الإدارة الأمريكية لسوء تقدير سكوبى ونقلها من القاهرة حيث استبدلت بسفيرة أخرى، هى آن باترسون، عرفت بأدوارها فى بلدان مرت بأوضاع من عدم الاستقرار وتصارع القوى السياسية ودور الجيش والجماعات الإسلامية فيها مثل باكستان.
وقد كانت من أكثر ثغرات باترسون وهى تتابع وتقيم مقدمات ثورة 30 يونيو تصورها أن الوضع فى مصر يشبه الوضع فى باكستان خصوصا من ناحية صعود تأثير القوى الإسلامية واعتبرت أن مهمتها هى أن تطوع الجماعات الإسلامية وتربطها بالمصالح الأمريكية بما فيها أمن اسرائيل، وقد راحت باترسون تتصل بقيادات الإخوان المسلمين، من المرشد العام، إلى نائبه خيرت الشاطر، قبل موعد 30 يونيو، كما التقت بممثلى القوى الليبرالية، وحيث حاولت أن تحثهم على عدم تشجع مظاهرات 30 يونيو.
وجاءت تصريحاتها عقب الالتقاء بخيرت الشاطر توحى بأنها تساند نظام الإخوان المسلمين، بل ذهبت إلى التشكيك فى مظاهرات 30 يونيو المتوقعة ونتائجها، وهو ما أثار عليها القوى السياسية المعارضة.
وجاءت مفاجأة الشعب المصرى متمثلة فى حركة «تمرد» واستجابة ملايين المصريين لمطالبها، جاءت لكى تدلل على سوء تقدير باترسون للمعارضة الشعبية التى يقودها الشباب، كما غاب عن باترسون عاملا حاسما وهو الجيش المصرى ولم تدرك أنه فى مناسبات تاريخية ساند الشعب والتحم معه الجيش المصرى.
●●●
وكما تركت سكوبى منصبها فى القاهرة عقب ثورة 25 يناير، تستعد آن باترسون لكى تغادر ولكى يحل محلها سفير آخر لعله يكون أكثر حصافة فى قراءة المشهد السياسى المصرى وتفاعلاته وقواه الفاعلة.