مناطحة طواحين الهواء وعقبات المرحلة الانتقالية - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 8 مارس 2021 2:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

مناطحة طواحين الهواء وعقبات المرحلة الانتقالية

نشر فى : الإثنين 19 سبتمبر 2011 - 9:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2011 - 9:25 ص

لعلك يا عزيزى القارئ وقعت معى فى ذلك الوهم الخادع بأن مصر بعد ثورة يناير سوف تختلف كثيرا عن مصر قبلها، وأن جهاز الدولة فى بلدنا سوف يتعلم بعض الدروس من هذه الثورة، ولكن تدور الأيام، والشهور، ويتكرر إشراق الشمس وغروبها على ضفاف النيل، ونكتشف بعد ذلك كله أننا استسلمنا لهذا الوهم الخادع، وأنه فى الحقيقة لا جديد تحت الشمس، فكما اتهم السادات وحسنى مبارك كل من اعترض على سياساتهما بأنهم من عملاء القوى الأجنبية يتلقون منها الأموال، وينشرون بناء على توجيه منها الشائعات والأكاذيب، ويبعثون الفوضى باجتماعاتهم ومظاهراتهم، وأنه لا أمل فى إصلاح حال البلاد إلا باستخدام سلاح حالة الطوارئ ضدهم، نجد جهاز الدولة المصرى بعد ثمانية شهور من قيام الثورة يكرر نفس الخطاب، فتفعيل قانون الطوارئ قيل إنه يستهدف فقط مطلقى الشائعات ومثيرى الفوضى، ووزير العدل أطلق اتهامات بحق جمعيات أهلية أنها تلقت ملايين الأموال لبث الاضطراب وترويع المواطنين، ورئيس الوزراء وعد بتضييق نطاق تطبيق حالة الطوارئ، بألا يحال إلى محاكم أمن الدولة طوارئ أصحاب الرأى ولكن فقط تلك القلة التى تعيث بأمن الوطن.

 

 

المشكلة فى هذا الخطاب

 

والمشكلة فى هذا الخطاب ليس فقط أنه أصبح مملا من كثرة تكراره طوال العقود الأربعة الماضية، مع أننا ربما أخطأنا وتصورنا أنه انتهى مع ثورة يناير، ولكن أنه من السهل إثبات أنه لا علاقة له بالأسباب الحقيقية للعقبات الكئود لما تواجهه ثورة يناير فى مصر، وأنه يحرف الأنظار بعيدا عن جذور هذه العقبات، ومن ثم يباعد بيننا والمواجهة الصحيحة لهذه الأسباب، والعودة إلى الطريق الصحيح الذى قد يمكننا من بلوغ أهداف الثورة.

 

خذ عندك مسألة الشائعات هذه. بصرف النظر عن مدى صحة الادعاء بانتشار الشائعات وأن هذه الشائعات ألحقت ضررا بالاقتصاد الوطنى أو بالاستقرار السياسى، فالحقيقة العلمية الثابتة هى أن الشائعات تنتشر عندما يسود الغموض، وعندما لا يجد المواطنون مصدرا موثوقا به للمعلومات. لاشك أن هناك أسئلة كثيرة حول مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكيفية إجرائها، وكيفية وضع الدستور، ووضع القوات المسلحة بعد الانتقال إلى حكومة مدنية، ولكن لا يجد المواطنون جوابا عن هذه الأسئلة، ولا يعرفون لمن يتوجهون للحصول على إجابات، فالحكومة لا تملك من أمرها شيئا بالنسبة لهذه القضايا، وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة نادرا ما يتحدثون للمواطنين، وإذا ما تحدثوا، فإن حديثهم لا يشفى غليلا.

 

أما عن مسألة الأموال الأجنبية التى تتلقاها منظمات المجتمع المدنى، فالحقيقة أن حديث وزير العدل عنها كان مجهلا، لم يحدد منظمة واحدة تلقت هذه الأموال. ولا كيفية إنفاقها لها. بطبيعة الحال مسألة التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى مسألة معروفة، وهى تتم فى معظمها تحت إشراف الدولة. وسببها الرئيسى هو أن المجتمع المصرى لا يتردد فى التبرع لأنشطة خيرية، ولمنظمات دينية مسلمة ومسيحية، ولكنه مقتر جدا فى التبرع لمنظمات حقوق إنسان، أو حماية البيئة أو حتى مكافحة الأمية، ومن ثم يلجأ الراغبون فى القيام بهذه الأنشطة إلى البحث عن مصادر أخرى للتمويل من خارج الوطن، ولكن كما ذكرت الأغلبية الساحقة من هذا التمويل تتم بموافقة الحكومة المصرية. وقد كانت مسألة السماح لدول أجنبية بالتمويل المباشر لأنشطة المجتمع المدنى فى مصر واحدة من القضايا الخلافية الكبرى بين الحكومة المصرية قبل الثورة وبعدها والحكومات الغربية تحديدا. وعلى أى الأحوال التمويل الذى تقدمه هذه الدول يهدف أساسا إلى تمكين المنظمات المصرية المستفيدة من مراقبة أوضاع حقوق الإنسان فى مصر، ونشر الوعى الانتخابى، والتشجيع على المشاركة السياسية، وبفضل هذا النشاط ظهرت حركة فعالة لحقوق الإنسان فى مصر، وعرف المصريون الكثير من الحقائق عن ممارسات شائنة فى السجون وفى أقسام الشرطة، وهذه كلها أنشطة مشروعة، أما إذا كانت الحكومة المصرية بعد الثورة لا تريد مشاركة مجتمعية فى الارتقاء بأوضاع حقوق الإنسان وتفعيل المشاركة السياسية، فلتقل لنا ذلك، لا أن تطلق أحكام التخوين التى لا تقنع أحدا فى مواجهة منظمات مجتمع مدنى يجب أن تكون فخرا لمصر.

 

ولا أحتاج يا عزيزى القارئ أن أذكرك بأن قانون الطوارئ المعمول به فى مصر منذ ما لا يقل عن ستة عقود بلا انقطاع تقريبا جرت فى ظله انتفاضة يناير 1977، واغتيال الرئيس السادات فى 6 أكتوبر 1981 وسط جنود القوات المسلحة، وتمرد جنود الأمن المركزى فى سنة 1986، والصراع المسلح الممتد منذ أواخر الثمانينيات وحتى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى، بل وجرت أخيرا وفى ظله ثورة يناير، ومن ثم لا داعى للتوهم بأن تفعيل هذا القانون هو الذى سيعيد الأمن للبلاد وللعباد.

 

 

خطورة مناطحة طواحين الهواء

 

خطورة مثل هذه الممارسات التى تخترع تهديدات لا وجود لها، أو تهول من بعض الظواهر العارضة، أنها تحرف اهتمام المجتمع وقواه السياسية عن الأسباب الحقيقية لما يواجهه من تحديات، وبالتالى تبدد طاقاته فى محاربة طواحين هواء وهمية، ويتصور المنشغلون بهذه التهديدات المدعاة أنهم يحققون انتصارا لا وجود له على أرض الواقع،  شأنهم فى ذلك شأن دون كيشوت فى رائعة ثرفانتس الشهيرة الذى تصور أنه أصبح فارسا مغوارا بينما كان كل ما يرفع سلاحه عليه هو طواحين هواء، وليس قلاعا منيعة. علينا أن نتصارح فى الأسباب التى تحرمنا من جدول زمنى محدد للمرحلة الانتقالية، ومن إدارة حازمة وكفؤة لهذه المرحلة، ومن ارتكان إلى أسلوب فى صنع القرار هو نسخة أصلية مما عرفناه فى العهد البائد من تجاهل للرأى العام، ورفض للمشورة، وعدم اعتراف بالخطأ. ومن تراخ مثير فى عمل أجهزة الأمن. طبعا المجتمع يتحمل قدرا من المسئولية، ولكن القدر الأكبر من المسئولية يقع على من يقودون البلاد، وخير لهم ولنا أن يقروا بمسئوليتهم، وألا يركنوا إلى طواحين الهواء التى ينسبون إليها كل قصور، وأن يدركوا أنه لو كان تفعيل قانون الطوارئ قد أنقذ من سبقوهم لما كانوا هم قد تولوا السلطة فى مصر.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات