حيوان لا يتنفس - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


حيوان لا يتنفس

نشر فى : السبت 20 نوفمبر 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : السبت 20 نوفمبر 2021 - 8:30 م

قرأت فى فبراير 2020 مقالا حول حيوان فريد تخلص بمرور الوقت من الجينات المسئولة عن التنفس وأصبح كائنا أكثر بساطة يعيش فى بيئات لاهوائية، جاء ذلك فى مجلة بى أن إيه أس (PNAS) العلمية التى تُعنى منذ عام 1915 بنشر خلاصة أبحاث الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم. وقفت مليًا عند تفاصيل الموضوع ونحن فى خضم أزمة الكورونا وتوابعها، وقد شغل الاهتمام بالتنفس حيزا أكبر فى حياتنا بحكم الأحداث. صرنا نتوقف أكثر لدى عمليات الشهيق والزفير واشتد الذعر من أى ضيق فى التقاط الأنفاس.
أعود لقصة الحيوان الطفيلى الموجود بشكل شائع فى لحم سمك السلمون وينتمى لشعبة اللواسع مثل قناديل البحر والشعب المرجانية، واسمه العلمى Henneguya Salminicola. يُرجح العلماء أن هذا الكائن خُلِق مثلنا وسائر الكائنات متعددة الخلايا وهو يحتاج إلى الأكسجين ليعيش ويوفر الطاقة اللازمة له، لكنه مع تعاقب الأجيال أسقط الجينات الخاصة بالتنفس الهوائى لأنه يعتمد بالكامل على السلمون فى القيام بمعظم الوظائف ويحيا بداخله، مع العلم أنه ليس طفيليا ضارا.
•••
شطح بى الخيال إلى عالم المستحيلات والعجائب، وتساءلت: هل ممكن أن يتكيف الإنسان هو الآخر مع الظروف ويعيش فى بيئة خالية من الأكسجين ويلغى خاصية التنفس الهوائي؟ أعلم أن الأمر غير وارد علميا ولا يمكن تصوره، لكن الواقع يأتينا أحيانا بأشياء غريبة. من منا كان يتوقع أن يفرض علينا فيروس لعين متناهى الصغر لبس الكمامات لفترات طويلة والمشى فى الشوارع ونحن نخبئ وجوهنا ولا نستطيع التنفس؟ نجلس أمام شاشات الحواسب لساعات بما أن الكثيرين يعملون عن بُعد، والوضع الذى تتخذه أجسامنا يجعلنا لا نتنفس بطريقة صحيحة. نشعر بالتوتر العصبى الشديد نظرا للضغوط المتزايدة، وهو ما يؤثر أيضا على عملية التنفس.
نود لو نملأ الرئتين بالهواء النقى، ونتحاشى رذاذ الزفير والزعيق، ونخرج فى نزهة بين الأشجار، فتتوالى حولنا عمليات التخلص من الحدائق كما لو أن المدينة المكتظة بالسكان لا تحتاج إلى مساحات خضراء واسعة تسمح بسهولة التنفس والحركة. تظل لدينا فقط السيارات وعوادمها وأدخنتها فنختنق أكثر وأكثر. نحاول أن نقنع أنفسنا أن كل شيء على ما يرام وأن السماء صافية والنسيم عليل ولا ينقصنا إلا وصلة غنائية أو مسرحية. نفرح بعودة الأنشطة الثقافية والمهرجانات الفنية التى قد تسمح بالقليل من الترفيه وخلو البال، ونقول نريد متنفسا للراحة والتفكير والاسترخاء، فتتوالى أزمات الوصاية والحظر بمنع أصناف من الموسيقى التى يعتبرها البعض دخيلة أو مبتذلة أو غير أصيلة بغض النظر عن رأى الجمهور، ثم الرقابة على بعض الأفلام منها المصرى والأجنبى، هذا يسيء إلى صورة البلاد وهذا إلى الأخلاق العامة وهذا ربما يحمل فى طياته أفكارا غير مطلوبة. ومن بعدها يحتدم النقاش حول مسرحية مقتبسة عن عمل أدبى لجان بول سارتر سبق أن قدمها المسرح المصرى فى الستينيات وكتب عنها ناقد بحجم محمد مندور، وهو من هو، بجريدة الأهرام. لم تشتعل الدنيا وقتها لأن المسرحية عنوانها «المومس الفاضلة»، وكان النقاش يدور حول المحتوى والقيمة الفنية وقدرة الفرقة القومية للمسرح على فهم وترجمة فلسفة العمل.
***
الأفكار تطير مثلما الأغنيات، تنتشر بين الناس إذا أحبوها أو اقتنعوا بها، ونحن بحاجة إلى متنفس، إلى رئة، إلى مساحة للراحة والارتياح، إلى أكسجين، بما أننا لسنا متأكدين من أنه فى وسعنا التحول إلى كائنات من شعبة اللواسع ونستغنى عن الهواء مثل الحيوان صديق السلمون. وعلى أى حال استغرق منه الأمر أجيال وأجيال لكى يعتمد بالكامل على كائن آخر ويلقى بجينات التنفس الهوائى.

التعليقات