بعد خمس سنوات.. هل فشلت الثورة؟ - رباب المهدى - بوابة الشروق
الجمعة 27 نوفمبر 2020 4:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

بعد خمس سنوات.. هل فشلت الثورة؟

نشر فى : الخميس 21 يناير 2016 - 3:05 م | آخر تحديث : الخميس 21 يناير 2016 - 3:05 م

مزيج من الغضب المكتوم والحسرة والملل يغلف المدينة التى عرفتها «قاهرة» وقاسية ولكنها نابضة بالحياة. على مدى خمس سنوات تغيرت المدينة ــ على الأقل فى إدراكى ومخيلتى ليس للأسوأ بالضرورة كما يحب بعض تابعى مدرسة «الزمن الجميل» أن يروجوا ولكنها تغيرت وأكاد أجزم أنها لن تعود كما كانت. ما بين إحباط وتشتت من أيدوا الثورة وظنوا أن الأفضل ممكن وإرهاق من تابعوها باهتمام وترقب وحتى من كانوا وظلوا يعارضونها ويؤمنون أنها مؤامرة مازال الخوف يعتريهم من هذا الزلزال الذى حدث فى ٢٠١١ وتظل تبعاته موجودة حتى وإن خمدت مؤقتا. سؤال كل هؤلاء على اختلاف مشاربهم هو: ماذا بعد؟ سؤال يدور فى ذهن الجميع حتى وإن لم يجر على ألسنتهم، ويظل السؤال الشاغل بالذات للقطاع الأكبر ممن حلموا وآمنوا بثورة ٢٠١١ فى مصر: هل فشلت الثورة؟

لا أعتقد أن أحدنا مهما ادعى من الممكن أن يجيب على هذا السؤال بإجابات قطعية إلا لو كان من المحدودية بحيث لا يعرف أنه لا يعرف. ولكن تظل هناك ـ على الأقل فى تقديرى شروط ونقاط بدء ضرورية حتى وإن كانت غير كافية لنتمكن من فهم ما حدث وبالتالى ــ والأهم ما يمكن أن يحدث.

علينا أن ندرك أن ما تمر به مصر على مدى خمس سنوات ليس مجرد حراك سياسى أو حتى محاولة ثورة مجهضة، ولكنها عملية تحول تاريخية تشمل المجتمع ككل ببنيته السياسية وحتى الثقافية وهى لذلك ربما تستمر عقود. فدولة ما بعد الاستعمار التى تشكلت فى منتصف القرن الماضى بلغت منتهاها بحيث لم تعد قادرة بشكلها الحالى على الإيفاء بأدوارها المتعددة فى إدارة المجتمع ولا حتى بالحصول على شرط القبول من أجيال جديدة لم تعد ترضى بفكرة استبدال الحرية بالوفرة الاقتصادية ــ وهى ليست موجودة ــ أو إهدار الكرامة الفردية فى دولة بوليسية تحت دعاوى الأمن والاستقلال الوطنى. فنحن فى خضم معركة إعادة تعريف وسؤال حول ما كان من المسلمات.

لم يعد التأجج بفكرة الاستقلال الوطنى والمؤامرة الكونية كافيا لإخضاع أجيال الألفية الجديدة خاصة من تشكل وعيهم السياسى فى ظل الثورة حتى وإن لم يشاركوا فيها. فمفهوم الوطن والعزة والكرامة أصبح جزءا من النقاش العام، وأصبحت هذه المفاهيم مرتبطة بحياتهم الشخصية وليس فقط كمفاهيم مجردة وبالتالى لم يعد مطلع الأغنية الشهيرة «ماتقولش إيه إيدتنا مصر؟» كافيا للرد على تساؤلاتهم وطموحاتهم فى حياة أفضل على المستوى الفردى والعام. فكما كان مشروع الدولة المستقلة هو حلم أجيال القرن العشرين، فإن حلم المجتمع الحر هو مشروع أجيال القرن الحادى والعشرين. على جانب الآخر فإن دولة الرفاهة القادرة على توفير الصعود الاجتماعى من خلال التعليم والتوظيف ــ حتى وإن كانت سلطوية ــ انتهت، فمع أزمة الرأسمالية العالمية وطموحات البناء فى دول الخليج لم تعد الدولة المصرية قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها لا عن طريق محاولة النهضة الصناعية كما كان فى عهد عبدالناصر ولا عن طريق تقديم نموذج الانفتاح الساداتى ولا حتى عن طريق الدولة الريعية (تصدير العمالة لدول الخليج والاعتماد على معونتها) كما كان الحال فى سنوات مبارك، كل هذه النماذج الاقتصادية استنفذت لأسباب عالمية وإقليمية.

•••

فى نفس الوقت يمر المجتمع بحالة مخاض ليس فقط على مستوى العلاقة بالدولة، ولكن على مستوى الأنساق الاجتماعية والثقافية وعلاقة الأفراد. فالقرى والنجوع تحولت لمدن صغيرة وهيمنة الدولة على الإعلام الداخلى والتعليم والمؤسسة الثقافية يقابلها انفتاح غير قابل للتحكم من خلال الإنترنت وتعدد مصادر التعلم الذاتى، وسيطرة المؤسسة الدينية يقابلها صعود تيارات دينية ربما تكون أسوأ وأكثر تشددا، ولكنها تكسر فكرة احتكار الدين وهيمنة المؤسسة الواحدة. تصارع هذه الاتجاهات يعيد تشكيل المجتمع والفرد بمعنى تاريخى لم نشهده منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع فكرة انتهاء الخلافة العثمانية وصعود فكرة القومية العربية وتحرر المرأة وما إلى ذلك، وهو صراع يتجاوز فكرة الحراك السياسى الذى أصبح مجرد قشرة لتغيرات أعمق يعتمل بها المجتمع.

وعلى الجانب الآخر، فإن المنطقة ككل والعالم يشهدان تحولات سريعة لسنا ببعاد عنها حتى وإن ظن البعض ذلك. وأصبح المسرح الإقليمى يشبه ما مرت به أوروبا والعالم فى فترة النصف الأول من القرن العشرين، ما بين حروب عالمية والثورة الروسية وصعود الفاشية والنازية وانتهاء القوى الاستعمارية القديمة والدولة العثمانية وصعود حركات التحرر وترسيم حدود دول جديدة وبداية الحرب الباردة. فما بين صعود قوى ما فوق الدولة مثل داعش وحتى حزب الله كلاعبين إقليميين وتغير خريطة التحالفات الدول ببروز إيران وتركيا وصعود الصين وروسيا للعب دور طموح دوليا وبشكل مكثف فى المنطقة، تغيرت خريطة وطبيعة اللاعبين الإقليميين وتغيرت طبيعة اللعبة ككل، بحيث لم يعد ممكنا حصرها فى إطار إدارة صراعات قوى هادئة وطويلة المدى بل على العكس أصبح ما نشهده هو تكثيف واستحضار للحظة انفجار وشيكة ستعيد ترسيم شكل المنطقة حتى على مستوى ماهية الدول وحدودها كما عرفناها خلال القرن الفائت ومفهوم سيطرة الدولة على أدوات العنف المشروع والحدود الإقليمية الثابتة كما درسناها فى العلوم السياسية.

فى نفس الوقت الذى يشهد فيه العالم أزمات متتالية بدءا من الأزمة المالية فى ٢٠٠٨ وليس انتهاء بالأزمة اليونانية، هذه الأزمات التى تهدد طبيعة النظام الاقتصادى العالمى كما نعرفه أو على الأقل تشى بحجم الأزمة التى يوجهها النظام الرأسمالى العالمى. وبشكل متوازٍ، يأتى صعود حركات مثل احتلال وول ستريت وبوداموس فى إسبانيا والنجوم الخمس فى إيطاليا وأوفوول نجم الأحزاب السياسية كأداة رئيسية لإدارة الصراعات والتنافس السياسى وصعود الخطاب اليمينى المتطرف فى أوروبا كما فى المنطقة العربية (مع اختلاف الأدوات والدوافع)، تأتى هذه المتغيرات لتعكس حجم التغير المقبل عليه العالم ككل حتى فى ما استقر عليه العالم فى ماهية الشكل السياسى الأمثل ومعنى الديموقراطية وإدارتها.

•••

فى المجمل نحن بصدد إرهاصات انتهاء مرحلة تاريخية داخليا وإقليميا وعالميا حتى وإن لم يعنى ذلك انتهائها غدا. نقطة البداية هى فهم طبيعة المرحلة ثم يأتى طرح الأسئلة عما نرجوه كجماعات وأفراد لشكل المستقبل ورسم خطط مبدئية لكيفية الوصول لذلك علما بأن عنف الدولة كما عنف جماعات ما فوق الدولة هو مشهد غير مستدام وغير قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية. وبهذا المعنى يصبح الحكم على مآلات الثورة المصرية أو حتى ما سمى بالربيع العربى ككل سابق لأوانه، فنحن نشهد بداية الفصل الختامى لمرحلة فى تطور المجتمع الإنسانى ولكن المشهد الختامى لم يكتب بعد. رحم الله كل شهيد وكل لاجئ وكل سجين وكل من خرج وعمل لا يبغى سوى مستقبل أفضل للإنسان.

التعليقات