يموتوا لنحيا - رباب المهدى - بوابة الشروق
الجمعة 27 نوفمبر 2020 4:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

يموتوا لنحيا

نشر فى : الأحد 7 سبتمبر 2014 - 7:30 ص | آخر تحديث : الأحد 7 سبتمبر 2014 - 10:26 ص

أهاتف صديقتى لأحدد معها موعدا لتناول العشاء فتخبرنى أنها لن تستطيع لأنها ستبدأ إضرابا عن الطعام! صديقتى زوجة وأم لطفل شقى وجميل اسمه «شيكو» وعليها مسئوليات كثيرة ما الذى يدفعها للإقدام على مثل هذا الفعل؟ أخاف عليها فأحادث صديقة أخرى طبيبة وأستاذة جامعية فتخبرنى أن ابنها «حسام» وصديقنا المهندس الاستشارى الذى تخطى الستين مشاركين أيضا فى هذا الإضراب مع العشرات ممن لا أعرفهم. تعلمنا فى السياسة أن الإضراب عن الطعام هو وسيلة أخيرة للمساجين والمعتقلين للتعبير عن مطالبهم بعد أن يفقدوا كل سبيل آخر للنضال السلمى. ولما كانوا مسلوبى الحرية تصبح أجسادهم وهى فى حوزة السجان مساحتهم الوحيدة للفعل. ولكن حتى بالنسبة للمساجين فالإضراب عن الطعام هو آخر ما يلجأون إليه بعد المفاوضات والمناشدات والعرائض وكل أدوات النضال السلمى، لأنه بحكم التعريف «سلاح خطير» من الممكن أن ينتهى بموت مستخدمه وليس سجانه. إذا ماذا يدفع هؤلاء وهم ليسوا مساجين أن يقدموا على هذا الفعل؟

الإجابة باختصار هى الظلم ومصادرة كل الوسائل الأخرى لدفع هذا الظلم عمن سلبت حريتهم بدون سبب داخل السجون. المهندس عادل وحسام وأم شيكو وآخرون بدأوا إضرابا تضامنيا مع محمد سلطان المحبوس منذ أكثر من عام دون صدور حكم ضده وبعد أن فقد ٤٥ كيلو من وزنه منذ بدء إضرابه عن الطعام داخل السجن احتجاجا على تلفيق التهم إليه، ورشا وهند منير الأمهات اللاتى حكم عليهن بالمؤبد تاركات ورائهن أطفالا لم يتجاوزوا العاشرة من العمر لمجرد أنهن شاركن فى مظاهرة. أعداد المضربين عن الطعام داخل السجون المصرية تتزايد كل يوم ولكل منهم قصة تتخطى كونه أو كونها رقما داخل زنزانة، قصة تدفعهم للمخاطرة بحياتهم فى محاولة أخيرة لدفع ظلم بيِن وقع عليهم ولم يجدوا وسيلة لإزاحته، بدءا من تلفيق التهم مرورا بالأوضاع السيئة والتعرض للتعذيب داخل الحجز وانتهاء بمعاقبتهم بفترات طويلة من الحبس الاحتياطى دون وجه حق أو محاكمتهم بموجب قانون التظاهر غير الدستورى. الجديد الآن أن ينضم لهم مضربون ممن هم خارج السجون ولم يقع عليهم هذا الظلم بشكل مباشر.

•••

هؤلاء قرروا كما قرر غاندى من قبلهم فى الهند أنه بعد مصادرة كل وسائل النضال السلمى من المجتمع سواء كان الحق فى التظاهر أو الاحتجاج على قانون أو نظام حكم، وبعد أن أصبحت أحكام الإعدام أسهل وأسرع فى إصدارها من استخراج بطاقة الرقم القومى وبعد أن أصبح الإعلام يجرم أى مختلف على أنه خائن أو عميل، قرروا أن المساحة الوحيدة التى مازالوا يملكونها بشكل نسبى هى أجسادهم. وضع حزين أن يصبح من هو داخل السجن كما من خارجه فى انحسار القدرة على الفعل والتعبير حتى لا يبقى لهم إلا استخدام أجسادهم ولكنه أيضا وضع خطير لأن فى مقابل من سيستخدم جسده بشكل سلمى عن طريق الإضراب عن الطعام هناك آخرون سيدفعهم انسداد الأفق السياسى لاستخدام أجسادهم كقنابل موقوتة بالمعنى الحرفى.

لا أعلم إذا كان النظام أو حتى قطاع كبير من المجتمع سيدرك فداحة وخطورة الوضع ويرى هذه النذر أنه علامات لوضع مترد وخطير أم أن موجة الفاشية الزائفة الفرحة بقتل قطاعات من المصريين والمصرة على أنه لا سبيل «للتقدم» وبناء الوطن إلا على أجساد جزء من أبنائه ستظل سائدة حتى تبلغ بنا نقطة النهاية. ولكن ما علمنا إياه التاريخ أن باستثناء حالات قليلة لم يكن هناك نضال أو قضية وصل بمدافعيها أن يتبنوا الإضراب عن الطعام إلا وانتصرت قضيتهم فى النهاية، حدث هذا فى الهند وإيرلندا فى نضالهما ضد الاحتلال البريطانى وفى أمريكا وبريطانيا فى نضال النساء للحصول على حقهم فى التصويت. كان الثمن فادحا فى بعض الحالات وفقد البعض حياتهم فى هذا النضال ولكنهم انتصروا فى النهاية.

•••

ما أعلمه كذلك أن الجزء الأكبر من الإعلام لن يهتم بحياة هؤلاء مثلما أهتم بمن طلب التبرع بأعضاء جسده لصندوق تحيا مصر أو لمصر شخصيا (لا أعرف ما هو المنطقى أو المفيد أو حتى معنى أن يطلب أحدهم التبرع بأعضائه لمصر)، وربما حتى يرى البعض أن هذا المتبرع هو الوطنى والمضربين عملاء وخونة أو حتى مضحوك عليهم لأن النظام على مر سنين طوال نجح فى تصدير أكذوبة أن هناك كيانا منفصلا اسمه مصر أو الوطن مفصول عن أحوال مواطنيه وظروفهم والظلم الواقع عليهم. هؤلاء المضربون اختاروا ألا يصدقوا الأكذوبة وأن يروا أن مصر هى المصريون فإن وقع ظلم على مواطنين مصريين حتى وإن لم يعرفوهم تصبح نصرتهم هى السبيل الوحيد لنصرة الوطن. فتحية لأكثر من ستين مضربا داخل السجون كلهم محبوسون على خلفية قضايا سياسية وتحية لكل من تضامن معهم ولم يعرفهم ولكنه آمن بعدالة قضيتهم وحقوقهم فصام عن الطعام مثل أى عابد. وللقطاع الأكبر الذى أصبح يعتقد أن كل من لا يطبل للحاكم هم نشطاء «سبوبة» أو عملاء وأن ما بدأ فى ثورة يناير لا يعدو كونه مؤامرة، أدعوكم لمعرفة قصص المضربين أدعوكم للتعرف على معركة الأمعاء الخاوية ونموت لنحيا وقصص بشر غيبتهم السجون لأنهم آمنوا بمسئوليتهم عن بناء وطن أفضل. أخيرا، أقول كما قالوا وسموا حملتهم «الحرية للجدعان».

التعليقات