ليبيا وسلام الفرقاء الصعب - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 9:23 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ليبيا وسلام الفرقاء الصعب

نشر فى : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م

لقد ساد جو من التفاؤل الحذر خلال انعقاد مؤتمر برلين بشأن الأزمة الليبية وأسفر المؤتمر عن بيان يضع الخطوط العريضة لخارطة طريق للعمل على التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة الليبية، حيث أجمع المشاركون فى المؤتمر على أنه لا حل عسكريا للأزمة ومن ثم لابد من تحقيق وقف دائم ومستقر لإطلاق النار، والالتزام بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا وفقا لقرار مجلس الأمن، والتوقف عن نقل المرتزقة المقاتلين وأعضاء من الجماعات الإرهابية إلى ليبيا. وكان أهم ما تضمنه البيان تحديد ثلاث مسارات لحل الأزمة الليبية.

وتتمثل هذه المسارات فى المسار الأمنى ــ أو اللجنة العسكرية، وتتكون من (5+ 5) أى خمسة عسكريين يمثلون حكومة الوفاق التى يرأسها فايز السراج، وخمسة عسكريين يمثلون الجيش الوطنى الذى يتولى قيادته خليفة حفتر. وقد تشكلت اللجنة بعد مماطلات لم تستمر طويلا إزاء الضغوط الدولية للإسراع بتشكيلها، وبدأت اجتماعاتها فى جنيف منذ أوائل فبراير 2020 وتبحث التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار والالتزام به من جميع الأطراف، ولكن واجهت المفاوضات بين الطرفين عدة صعوبات من أهمها وأكثرها تعقيدا خطوط وقف إطلاق النار بين مقاتلى الطرفين، حيث تطالب حكومة الوفاق بانسحاب قوات الجيش الوطنى إلى خطوط ما قبل 4 أبريل 2019 عندما بدأ المشير خليفة حفتر تقدمه نحو العاصمة طرابلس، وأن يتم إخلاء كل المناطق المحيطة بطرابلس من قوات الجيش الوطنى. ويرفض الوفد الممثل للجيش الوطنى هذا المطلب ويتمسك بالخطوط التى تقف عندها قواته فى المرحلة الحالية. وقد أدى إطالة أمد المفاوضات بشأن شروط وقف إطلاق النار إلى استمرار تدفق الأسلحة والعناصر المقاتلة إلى ليبيا بدفع من عدة أطراف، وتبادلت كل من تركيا وروسيا الاتهامات بهذا الشأن.. وأشارت روسيا إلى استمرار تركيا فى نقل مقاتلين من سوريا إلى ليبيا مع كميات كبيرة ومتنوعة من الأسلحة. واتهمت تركيا روسيا بأنها تجند مقاتلين سوريين وتنقلهم إلى ليبيا لمساعدة خليفة حفتر إلى جانب مقاتلى شركة فاجنر الروسية. كما استمر خرق وقف إطلاق النار المؤقت فى ليبيا أكثر من 150 مرة فى الفترة الأخيرة حسب ما رصدته لجنة الأمم المتحدة فى ليبيا.

هذا، وقد عقدت اللجنة الدولية للمتابعة الخاصة بليبيا والمكونة من 12 دولة اجتماعا يوم 16 /2 /2020 على هامش مؤتمر الأمن بميونيخ وأعلنت اللجنة عن القلق من كثرة انتهاكات وقف إطلاق النار وحظر السلاح، واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والسكانية خاصة بعد الحصار المفروض على المنشآت النفطية. وقال وزير خارجية ألمانيا أن الأسلحة مازالت تصل إلى ليبيا برا وجوا وبحرا، وأنه يتعين مراقبة كل هذه المنافذ للتأكد من أن المراقبة تشمل جميع الأطراف. وستجتمع اللجنة الدولية للمتابعة دوريا فى روما وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبى. كما يتولى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى بحث تفعيل مراقبة حظر السلاح إلى ليبيا وقرروا تفعيل المراقبة البحرية والجوية على الموانئ والمطارات الليبية.

وقد أوضح وزير خارجية مصر سامح شكرى أمام اللجنة أنه من الضرورى تفكيك الميليشيات العسكرية فى ليبيا، وإعادة تشكيل المجلس الرئاسى الليبى ليكون مُعبِرا عن الشعب الليبى بكل فئاته، والتصدى لعمليات نقل الإرهابيين الأجانب إلى ليبيا ووقف استنزاف ثروات الشعب الليبى.

***
وعقدت لجنة اقتصادية ليبية مكونة من 28 خبيرا اقتصاديا وماليا يمثلون المناطق الجغرافية المختلفة فى ليبيا اجتماعا فى القاهرة يومى 9 و10 فبراير 2020 وبحثوا الأزمة الاقتصادية المتفاقمة فى ليبيا وخاصة بعد توقف النسبة الكبرى من الصادرات النفطية نتيجة الحصار المفروض على المنشآت النفطية، وكيفية تنمية وتعزيز الموارد، وتحسين إعادة توزيعها بالعدالة والشفافية واللامركزية، ومعالجة الأزمة المصرفية فى ليبيا، وبحث فرص إعادة الإعمار والتنمية. هذا ومن المقرر أن تعقد اللجنة الاقتصادية اجتماعا فى تونس لمزيد من البحث لنفس الموضوعات وخاصة رفع الحصار عن المنشآت البترولية واستئناف تصدير البترول، وهو ما تطالب به بعثة الأمم المتحدة واللجنة الدولية لمتابعة الأزمة الليبية.

وتحدد يوم 26 فبراير 2020 لعقد أول اجتماع للجنة السياسية فى جنيف والتى سيختار كل طرف ثلث أعضائها، ليمثلوا المنطقة الشرقية من ليبيا، والمنطقة الغربية منها، والثلث الأخير يختاره المبعوث الأممى غسان سلامة.

وقد اُتفق سواء فى مؤتمر برلين بشأن ليبيا، أو عند بحث الأزمة الليبية فى القمة الأفريقية يومى 9 و10 فبراير على أن يكون الحل السياسى للأزمة الليبية على أساس الاتفاق الليبى السابق، أى اتفاق الصخيرات، وذلك لعدم التضحية بهذا الاتفاق الذى تم التوصل إليه بعد مباحثات مطولة بين الفرقاء الليبيين.

وقد وجهت الهيئة الدستورية الليبية المكونة من 60 عضوا والتى توصلت إلى مشروع دستور قدمته للبرلمان الليبى فى بنغازى، عن طريق 30 عضوا من أعضائها إلى بعثة الأمم المتحدة فى ليبيا تؤكد فيها أن الدستور شأن ليبى وأنه ليس من اختصاص أى جهة أخرى، بما فيها اللجنة السياسية الخاصة بليبيا، بحثه أو التدخل فيه. وقد جاء ذلك ردا على ما ذكره المبعوث الأممى غسان سلامة من أن اللجنة السياسية التى ستعقد فى جنيف ستتناول موضوع الدستور الليبى. وطمأنت البعثة الأممية الهيئة الدستورية الليبية بأنه لن يفرض شىء على الليبيين.

***
وكانت الجزائر قد أعربت عن استعدادها لتبنى مبادرة أفريقية بشأن الأزمة الليبية تهدف إلى أن يكون التوصل إلى تسوية سياسية عن طريق دول أفريقية بدلا من الاعتماد على دول أخرى غير أفريقية بعضها أطراف فى الأزمة ذاتها، وعرضت استضافة مؤتمر للفرقاء الليبيين يعقد فى الجزائر للتفاوض من أجل حل سياسى. ولكن من الواضح أنه قد رؤى إرجاء هذه المبادرة حتى لا تتداخل مع نتائج مؤتمر برلين وينتهى الأمر إلى حالة من السيولة دون التوصل إلى حل سياسى.

من ناحية أخرى عقد مجلس الأمن عدة اجتماعات لتبنى قرار يتضمن العناصر الأساسية لمخرجات مؤتمر برلين، وقد أصدر المجلس القرار رقم 2510 فى 13 /2/ 2020 والذى يدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار فى ليبيا، والالتزام بقرار حظر الأسلحة إلى ليبيا، والإعراب عن القلق من تدخل المرتزقة المتزايد فى ليبيا، والالتزام باحترام سيادة ليبيا واستقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها، والدعم القوى للمبعوث الأممى غسان سلامة، وتكليف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير حول نشر مراقبين دوليين فى ليبيا، وتقرير فى شأن التقدم المحرز فى عمل لجنة المتابعة الدولية للأزمة الليبية.

وقد امتنعت روسيا عن التصويت على القرار لتحفظها على تعبير «المرتزقة» وكانت تفضل استبدالها بتعبير «المقاتلين الإرهابيين الأجانب» ولكن رفض طلبها.

***
ويتضح من كل ما سبق أن الأزمة الليبية تتخذ مسارين، أحدهما مسار دبلوماسى سياسى يتمثل فى المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات المختلفة والمتعددة على المستويات الجماعية والثنائية ويؤكد على الحل السياسى.

ومسار آخر عملى على أرض الواقع فى ليبيا وتحكمه عدة اعتبارات من أهمها الاتهامات المتبادلة بين الطرفين الرئيسيين المتصارعين، حيث يتهم الجيش الوطنى بقيادة حفتر حكومة الوفاق بأنها غير شرعية ومنتهية الصلاحية ولم يعتمدها البرلمان المنتخب كما تقضى بذلك اتفاقية الصخيرات بل أكثر من ذلك يعتبرون أن اتفاقية الصخيرات قد انتهت، وأن حكومة الوفاق تعتمد على المليشيات والتنظيمات الإرهابية المسلحة وتركيا وقطر وأنها لم تعد تمثل الشعب الليبى.

أما حكومة الوفاق فتستند إلى أنها الحكومة المعترف بها دوليا من نحو 104 دولة وتمثل ليبيا فى كل المحافل الإقليمية والدولية، وتتهم المشير حفتر بأنه جنرال متقاعد ومتمرد ويشن عدوانا ضد العاصمة طرابلس وضد أغلبية الشعب الليبى المتمركزة فى الجزء الغربى من ليبيا، وأنه والميليشيات التى يقودها يتلقى دعما خارجيا من عدة أطراف ويعتدى على السكان الليبيين المدنيين.

ويغلف ذلك كله على الجانبين حاجز كثيف من عدم الثقة يزيد الفجوة ويجعل كل طرف يعلن التزامه بأشياء ويعمل عكسها تماما.

وهذا يوضح مدى صعوبة المهمة الملقاة على عاتق الأمم المتحدة واللجنة الدولية لمتابعة الأزمة الليبية والتى عليها أن تعمل على مستويين متوازنين أولهما إعادة بناء حد معقول من الثقة بين الفرقاء الليبيين، وثانيهما اقناع الأطراف الإقليمية والدولية بأهمية وضرورة الالتزام العملى بمخرجات مؤتمر برلين وقرارات مجلس الأمن حتى يمكن التوصل إلى حل سياسى للأزمة الليبية.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات