ضميرهم الذى مات - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 8:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

ضميرهم الذى مات

نشر فى : الإثنين 21 ديسمبر 2009 - 9:32 ص | آخر تحديث : الإثنين 21 ديسمبر 2009 - 9:32 ص

 طوال الشهر الماضى ظلت الصحف الغربية تتابع قصة الناشطة الصحراوية أميناتو «أمينة» حيدر، التى كانت مضربة عن الطعام فى جزر الكنارى، وكانت السيدة أمينة (42 سنة) قد عادت من الولايات المتحدة الأمريكية فى منتصف نوفمبر الماضى، بعدما تسلمت هناك جائزة للدفاع عن حقوق الإنسان.

وفى مطار الرباط رفضت الاعتراف بجنسيتها المغربية وجواز سفرها، معبرة بذلك عن تضامنها مع جبهة «البوليساريو» الداعية إلى الانفصال عن المغرب وإقامة الجمهورية الصحراوية، فى المنطقة بين المغرب والجزائر. رفضت سلطات مطار الرباط إدخالها وقامت بترحيلها إلى جزر الكنارى. وهناك أضربت عن الطعام احتجاجا على منعها من الدخول إلى المغرب والوصول إلى بلدتها «العيون» أكبر المدن الصحراوية.

ذاع الخبر فى الصحافة الغربية، التى ظلت تتابع حالتها الصحية خصوصا بعد تدهورها ونقلها إلى أحد المستشفيات لعلاجها. وبين الحين والآخر كانت الصحف تنقل تصريحات لمتحدثة باسمها «ايدى ايسكوبار» حول حقها فى العودة إلى المنطقة الصحراوية، التى نشأت فيها. إضافة إلى تصريحات الأطباء، الذين ظلوا يتابعون حالتها الصحية.

من تلك التقارير عرفنا أن عمرها ٤٢ سنة، ولديها ولدان أكبرهما اسمه محمد وعمره 13 سنة، وأن شقيقتها ليلى حيدر وصلت إلى جزر الكنارى لتكون إلى جوارها. وأن لجنة لدعم حقها فى العودة إلى بيتها شكلت فى إسبانيا. وهذه اللجنة ما برحت تزود وسائل الإعلام الإسبانى بتطور حالتها، من خلال متحدث باسمها هو فرناندو بيرايشا.. ومن هذه التقارير عرفنا أنها بعد منتصف ليلة الأربعاء الماضى أصيبت بغثيان وإعياء شديدين، وأنها نقلت إلى قسم العناية المركزة فى المستشفى، وأن الأطباء أعطوها مهدئات لتخفيف الأوجاع الشديدة التى عانت منها.

هذه المتابعة الدقيقة لأوضاعها الصحية ظلت تتم بصورة شبه يومية على نحو شغل الرأى العام الغربى بقضيتها. وفى الوقت ذاته كانت بعض العواصم الغربية تجرى اتصالاتها مع الحكومة المغربية للسماح للسيدة أمينة بالعودة إلى بيتها وأسرتها فى مدينة العيون.

بوجه أخص فإن فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة ظلت مشغولة بالموضوع، كما أجرت السيدة هيلارى كلينتون ووزير الخارجية الإسبانى ميجيل موراينتوس اتصالات أخرى مع الرباط. فى الوقت ذاته فإن مسئولى الاتحاد الأوروبى والأمين العام للأمم المتحدة كانوا يتابعون ملف العودة المأمولة.

هذه الجهود الإعلامية والدبلوماسية تكللت بالنجاح أخيرا. فأعلن قصر الإليزيه مساء الأربعاء الماضى (16/11) بيانا قال فيه إن الرئيس الفرنسى طلب شخصيا من السلطات المغربية فى 15 من الشهر الحالى بتسليم السيدة حيدر جواز سفر لدى عودتها إلى «الأراضى المغربية». وأضاف البيان أن العاهل المغربى أبلغ الرئيس الفرنسى بعد يومين من استقباله لوزير الخارجية المغربى قبول الدولة المغربية لطلبه ــ وأسدل الستار على القصة حين عادت السيدة أمينة إلى «العيون» على متن طائرة طبية خاصة قادمة من جزر الكنارى، حيث لقيت استقبالا حافلا لدى عودتها إلى أسرتها ومدينتها الصحراوية.

لا يستطيع المرء أن يخفى دهشته وشعوره بالغبن والاشمئزاز حين يقع على شواهد ذلك الاهتمام الكبير من جانب صحافة الغرب وساسته بإعادة السيدة الصحراوية إلى بيتها ومدينتها، ثم يقلب الصفحات فى الجرائد ذاتها لتقع عيناه على صور الفلسطينيين فى القدس وهم يطردون من بيوتهم بالقوة لكى يستولى عليها المستوطنون. ومنهم من هدمت بيوتهم فافترشوا الأرصفة وراحت نساؤهم يصرخن أمام المصورين. ذلك بخلاف الألوف الذين هدمت بيوتهم فى العدوان على غزة وأصبحوا بلا مأوى منذ بداية العام.

حين تجرى المقارنة بين لا مبالاة الدول الغربية بطرد الفلسطينيين من بيوتهم أو هدم تلك البيوت فوق رءوس أصحابها، وبين الضجة التى حدثت لإعادة الناشطة الصحراوية إلى بيتها، فلا يسعنا إلا أن نقول بأن الضمير الغربى مات فى الدوائر السياسية الغربية إزاء الموضوع الفلسطينى، وأخشى أن يكون الضمير العربى ماضيا فى ذات الاتجاه.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.