أعمال الرعاية المنزلية فى الأزمات: هل حُسِم الأمر ضد المرأة؟ - المواقع العربيه - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2020 11:00 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أعمال الرعاية المنزلية فى الأزمات: هل حُسِم الأمر ضد المرأة؟

نشر فى : الإثنين 22 يونيو 2020 - 8:50 م | آخر تحديث : الإثنين 22 يونيو 2020 - 8:50 م

نشر موقع درج مقالا للكاتبتين «يارا طرابلسى ولينا أبو حبيب» الباحثتين فى شئون الجندر... جاء فيه ما يلى:

أطلق البنك الدولى وصف «مفارقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، أو عدم القدرة على تفسير الأسباب التى جعلت النساء فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عاجزات عن المشاركة فى السياسة والاقتصاد، على الرغم من التقدم الكبير الذى تحقق فى إمكان حصولهن على التعليم والتحصيل الدراسى، إضافة إلى الوصول إلى الخدمات الصحية. كان التذرع بالحجج المُعتادة، وهى على وجه التحديد «التقاليد» و«الثقافة» و«الدين»؛ وبدا أنها كافية لتبرير «مفارقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» التى لا يُمكن تفسيرها. تجلت مظاهر هذه المفارقة واضحة فى «معدَل مشاركة المرأة فى القوى العاملة» (FLFP)، الذى يضع المنطقة عند أدنى مستوى فى التصنيفات العالمية. والواقع أن هذا المعدل لا يتجاوز 24 فى المئة فى المنطقة، أى بالكاد قرابة نصف المتوسط العالمى.
وجَّهت نسويات فى مختلف أنحاء العالم انتقاداتٍ إلى «معدَل مشاركة المرأة فى القوى العاملة»، لأنه ببساطة لم يأخذ فى الاعتبار حجمَ عمل المرأة وتنوعَه وأهميتَه وقيمتَه.
الأدهى من ذلك أن بعض الخبراء الرجال المرموقين صرحوا فى مؤتمرات وندوات بأن «النساء فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يعملْن»، وأن هذه «ليست قضية سياسية»، وأن «لا شىء يسمَى أعمال الرعاية» وأن «التكاثُر الاجتماعى مجرَد قضية غيرِ ذاتِ شأن، وليست أكثر من مجرَد فقاعة ابتدعتها النسويات».
بيد أن النسويات على مدى العقد الماضى استطعن إحداثَ تحولات كبيرة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على الأقل على مستوى الوعى بأعمال الرعاية والتقسيم الجنسانى للعمل وتأثيره على فرص حياة المرأة وسُبُل عيشها. فكثيرا ما أعربت ربيعة الناصرى، الباحثة النسوية والناشطة المغربية، فى كتابتها عن أدوار الجنسين داخل الأسَر التقليدية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكيف تُشكِل قوانينُ الأسرة الذكورية وغيرها من المؤسسات الاجتماعية هذه الأدوارَ وتُحدِدها، الأمر الذى يحد من خيارات المرأة وقدرتها على المشاركة فى وظائف مستقلة مدفوعة الأجر. وصاغت ربيعة الدورَ الذى تؤدِيه أعمال الرعاية والتكاثُر الاجتماعى فى الحد من خيارات المرأة وفرصها، ما جعلها عُرضة ــ بشكلٍ خطير ــ لكلِ أنواع الصدمات وغيرَ قادرة على التعافى بشكل كامل.
إلا أن الدخول فى حوار سياسى حول عمل المرأة فى مجال الرعاية وأعباء التكاثُر الاجتماعى كان مهمة شاقة ومرهقة للغاية. فى الواقع كثيرا ما تُناقش الرعاية تحت أسماء مختلفة فى الدراسات والمؤلفات العلمية؛ ففى بعض الأوساط الأكاديمية يُشار إليها بوصفها «العمل العاطفى» أو تُوصف بأنها «عمل الأهل». ومع أن هذه المصطلحات تُشير أحيانا إلى نهج أيديولوجى أو تأديبى أو مفاهيمى بعينه، فثمَة قدر كبير من التداخُل بين المواضيع التى تتطرَق إليها. إذ تتألف «أعمال الرعاية» عموما من طيف واسع من الأنشطة التى تنطوى على تقديم الرعاية والعناية لكل من الأشخاص والأشياء معا، وغالبا ما تكون فى «محيط الأسرة». وقد يتسع التعريف ليشمل أشكالَ العمل التى تحدث فى أماكن أخرى، مثل رعاية المسنين أو حضانة الأطفال، والأعمال المنزلية مدفوعة الأجر أيضا.
***
خلال عملنا فى مناصرة الحركة النسوية، سعَينا جاهدين إلى إظهار حقيقة أن أعمال الرعاية هى قضية ذات طابع جنسانى؛ لأنها تُعتَبر فى كثير من الأحيان عملا مُقتصرا على المرأة، وفقا للتقسيمات التقليدية والذكورية للعمل، وهى التقسيمات التى تقصُر عملَ المرأة على المحيط المنزلى الخاص، بينما عمل الرجل فى الميدان العام. ترى هذه الآراء أن المرأة يجب أنْ تهتم بالشئون المنزلية الداخلية بلا أجر، والتى تنطوى على تنشئة الأطفال، ورعاية المسنين، والاعتناء بالأسرة والمنزل والطهى وإعداد الطعام. أما الرجال فيعملون خارج المنزل مقابل أجر، ويوفرون المال اللازم لإعانة الأسرة. لا تزال بعض هذه التصورات قائمة، حتى عندما يُنظَر إلى هذه المهَن باعتبارها خدمة تُقدَم بمقابل مادى، مثل العمل المنزلى المدفوع الأجر ورعاية الأطفال، وهى مهَن تُعتبر ــ على نطاق واسع ــ مُقتصرة على المرأة.
وقد عكست السياسات العامة فى لبنان هذه الافتراضات فى ظل غياب القوانين واللوائح التى من شأنها أنْ تُخفف عبء الرعاية الذى يقع على كاهل المرأة، وذلك مثلا من خلال توفير وسائل مُيسَرة وبتكاليف معقولة ومدعومة لرعاية الأطفال، أو من خلال التدخل «الجذرى» الذى يهدف إلى تغيير العقليات بشأن ضرورة إعادة توزيع أعمال الرعاية.
فى لبنان، حيث لا تتوافر سوى قلة قليلة من الخدمات الاجتماعية التى يُمكن الاعتماد عليها وتحمُل تكاليفها، وحيث تسود المعايير الجنسانية الذكورية، بات عبءُ أعمال الرعاية ــ الذى يقع على عاتق المرأة ــ أكثرَ أهمية من أى وقتٍ مضى بالنسبة إلى الأداء الاقتصادي. وفى ظل غياب المساعدة فى رعاية الأطفال وخطط التقاعد المناسبة، فإن هذه المهمات ــ على الأرجح ــ ستقع على كاهل النساء، حتى عندما تدفعهن الضغوط المالية إلى القيام بعمل مدفوع الأجر فى الوقت نفسه. وبَينما يُشير التقليل من قدر هذا العمل إلى أنه لا يُنظَر إليه باعتباره عملا من الأساس، ومن ثم لا تتلقى النساء تعويضاتٍ مقابلَ هذا العمل، ولا يُعترف به بوصفه جهدا مبذولا يستهلك الوقت ويُسبب الإرهاق، فإنه لا يزال يُعتبر أولوية لا غِنَى عنها. وهكذا، يُنظَر إلى «عمل المرأة» باعتباره نشاطا أقلَ أهمية، لا يَرقى إلى أشكال العمل الأخرى مدفوعة الأجر، ويُبرَر باعتباره نزعة فطرية أو بيولوجية للمرأة. وكثيرا ما تؤدِى مثل هذه المناقشات إلى تصريحات تزعم أن هذا النوع من العمل لا يجب أنْ يتعرَض للإفساد أو التشويش بسبب السعى إلى التقدير والتعويض.
تعمل معظم قوى العمل اللبنانية فى الاقتصاد غير الرسمي، وتشكل النساء جزءا كبيرا من هؤلاء العاملين. وتعنى هذه الصفة غير الرسمية مزيدا من الاستغلال والعنف، وشفافية ومساءلة أقل؛ الأمر الذى يعنى إمكان إجبار النساء على العمل مجانا، وإلا فمن الراجح أنْ يفقِدْن مصدر دخلهن نتيجة الأزمة التى تأثر بها الاقتصاد غير الرسمى وقطاع الأعمال منخفضة المهارات والقطاع الخدمى خصوصا، وجميع هذه القطاعات تشغل فيها المرأة مكانة بارزة.
***
لا بدَ أن عواقب الأزمة الاقتصادية الحالية الحادة للغاية ذات طابع جنسانى، نظرا للأنواع المتعددة من الضغوط والخسائر التى قد تواجهها النساء تحديدا نتيجةَ ذلك. ونظرا لعمليات الاستغلال المنتشرة فى قطاع الاقتصاد غير الرسمى وقطاع الخدمات، فإن النساء اللواتى يحصلْن بالفعل على أجور ضئيلة مقابل عملهن، أصبحن أكثر عرضة لأنْ يُحرمْن أجورَهن ويتوقع منهن أنْ يعملْن مجانا، إنْ لم يتم تسريحهن على الفور.
إضافة إلى الانعدام المنهجى للأمان الوظيفى والأجور المتدنية التى ترسخت عبر إطارٍ قانونى استغلالى وجائر، فإن المعايير الاجتماعية المتعلقة بالنساء والعمل والاحترام، تجعلَ من تجربة العمل فى إطار الاقتصاد اللبنانى تجربة مزعِجة ومربِكة. وينطبق هذا خصوصا على النساء الفقيرات اللواتى هن أكثر عرضة لسرقة أجورهن واستغلالهن جنسيا، مع افتقارهن إلى الوسائل الضرورية لمكافحة هذا الوضع ومساءلة أصحاب العمل، أو ترك العمل والبحث عن خيارات أفضل بدلا من ذلك. وبالنظر إلى أن أشكال الاستغلال عادة ما تصحبها أحكام مخجِلة على الضحايا لا على الجُناة، فإن ذلك يمكن أنْ تترتب عليه عواقب وخيمة على النساء اللواتى يتم استغلالهن فى أماكن العمل، ويفقدْن الروابط الأسرية وغيرها من الروابط الاجتماعية، وبالتالى يفقدْن مصدرا آخر للدعم والمساعدة فى أنشطة الرعاية.
ثمة أدلة متزايدة على أن جائحة كوفيدــ19 فاقَمت من وتيرة تلك التحديات. ففيما تناشد إجراءات الصحة العامة بتطبيق الحجْر الصحى والعزلة الذاتية، ما زال يُتوقع من النساء اللواتى لديهن فرصة العمل من المنزل القيامُ بأعمال الرعاية، إضافة إلى التعليم المنزلى لأطفالهن أو العناية بالمنزل وإعداد الطعام لمَن صاروا الآن يشغلونه بشكل دائم. ونظرا لأن النساء ــ بفضل أنظمة المناعة الأقوى لديهن ــ يُوصَفن بأنهن يتمتعن بمقاومة أفضل من كبار السن والأشخاص الذين يُعانون من تثبيط المناعة، والذين هم أكثر عرضة للإصابة بفايروس «كورونا»، تصبح العناية بهؤلاء مسئوليتهن. وعلى ذلك تجد هؤلاء النساء أنفسَهن مضطرات إلى قبول القيام بأنشطة خطيرة جدا على الفئات الضعيفة، كالحصول على البقالة والأدوية.
يزداد الأمر تعقيدا برغبة أصحاب العمل فى ألا يقع سوى الحد الأدنى من التعطيل لعملياتهم، وذلك باعتبارِهم أن الحجْر الصحى وأزمة الصحة العامة «فرصة»، من دون مراعاة أن أماكن العمل ومرافقه ضرورية للكثيرين من أجل القيام بأعمالهم بفاعلية، ومن دون مراعاة أن أوقات الأزمات تمثل عائقا أمام تدفق الحياة اليومية. الآن على العاملات فى المنازل أيضا ــ اللواتى وُثقَت جيدا محنتهن ووقوعهن تحت رحمة نظام الكفالة الاستغلالى وأصحاب العمل المسيئين ــ أنْ يتعامَلنْ مع مشكلة إضافية تتمثل فى الوجود الدائم لأصحاب العمل. ويرجح أنْ يُفاقِم الحجر الصحى المأساة بالنسبة إلى اللواتى يواجهن الاستغلال وإساءة المعاملة فى المنازل. ففى حالات الأوبئة السابقة، كان من المتوقع أنْ تكون الممرِضات هن الأكثر تضحية، من أجل التعامل مع انتشار المرض، مع استمرار وصمْهن بأنهن ناقلاتٍ للمرض.
غير أنه فى مواجهة تلك التحديات تتضاعَف أفعال المقاومة وحركاتها، من أجل النضال ضد الاستهانة المتواصلة بأعمال الرعاية. فقد شهدت الظروف العصيبة، كأوقات الأزمات الاقتصادية، ظهور أشكالٍ من التضامن المجتمعى من قَبيل إنشاء تعاونيات نسائية غير رسمية، ومجموعات تضامُنية بين الجيران، وشبكات غير رسمية للدعم فى مسألة الرعاية بالأطفال، ومطابخَ جماعية، وغيرها من أشكال الدعم المتبادَل الذى تواصل النساء وضعه والعناية به، وذلك مع استمرارهن فى التعويض عن فشل الدولة فى الاعتراف بدور أعمال الرعاية التى تقوم بها النساء وبالأهمية الحيوية للتكاثُر الاجتماعى فى الحفاظ على استمرارية المجتمعات والاقتصادات.
الآن باتت واضحة أكثر من أى وقت مضى الحاجة إلى شبكات الأمان الاجتماعى التى تدعم أنشطة تقع فى إطار أعمال الرعاية، لتخفيف الضغوط المالية والعاطفية والمادية التى تنشأ مع الاضطرار إلى تحمل كل تلك المسئوليات. تكمُن الفرصة السانحة التى أتاحتها الأزمة المالية المصاحبة لجائحة «كوفيدــ19»، فى أنها تسلط الضوء على أعمال الرعاية والتكاثُر الاجتماعى بصفتهما قضايا سياسية تتطلب اهتماما سياسيا، وفى أنها نقلة يتم خلالها وضع تصور للسياسات العامة وإعادة بنائها.
النص الأصلى: https://bit.ly/3hMfjcI

التعليقات