سياسة تركيا ما بين التصعيد والأبواب المفتوحة - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أبريل 2021 3:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل تنجح الدولة في القضاء على «التوك توك» بعد حملتها لاستبداله بسيارة «ميني فان» ؟

سياسة تركيا ما بين التصعيد والأبواب المفتوحة

نشر فى : الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 8:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 8:25 م
لقد درجت تركيا طوال العقد الأخير فى القرن الواحد والعشرين على اتباع سياسة تسير على خطين متوازيين، أولهما يتسم باتباع أسلوب التصعيد فى المواقف والتشدد فى بعض القضايا، وذلك بهدف إما المساومة مع أطراف إقليمية أو دولية بشأن قضايا مشتركة تحظى باهتمام تركى خاص، أو لتحقيق توازن معين فى إطار مصالح ومنافع متبادلة، وإما بهدف التغطية على بعض الأوضاع الداخلية فى تركيا سواء الأوضاع الاقتصادية التى شهدت تراجعا كبيرا وأثارت استياءً واسعا بين الشعب التركى وتواكبها مع أزمة جائحة كورونا، أو الصراعات السياسية بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة، أو للتغطية على الانتقادات الأمريكية والأوروبية لانتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة فى تركيا.

ويمكن تناول بعض مواقف تركيا وتطبيقاتها لهذه السياسة على المستويين الإقليمى والدولى، والمراوحة بين التصعيد وطرق الأبواب المفتوحة.

لقد حدث خلاف بين تركيا وإدارة أوباما بشأن رغبة أنقرة فى الحصول على صواريخ أمريكية متقدمة وذات كفاءة عالية بدعوى استخدامها فى الدفاع عن أمنها القومى، بينما رأت واشنطن أن تركيا ليست فى حاجة إلى هذه المنظومة من الصواريخ وأن لديها تغطية كافية من حلف شمال الأطلنطى. ولجأت تركيا فى تحد واضح للإدارة الأمريكية إلى التعاقد مع روسيا على منظومة صواريخ Sــ400 واستكملت إجراءاتها فى عهد إدارة ترامب، وغضب الكونجرس وأصر على توقيع عقوبات على تركيا سواء بحرمانها من المشاركة فى صناعة الطائرة الحربية Fــ35 أو غيرها من العقوبات الاقتصادية. وتمسكت أنقرة بموقفها وأصرت على إكمال الصفقة مع روسيا.

وجاءت إدارة ديمقراطية برئاسة بايدن وأوضحت منذ البداية أنها ستتخذ مواقف قوية من تركيا خاصة بشأن موضوعين أساسيين، أولهما صفقة الصواريخ الروسية والتى تخل بمنظومة الصواريخ فى حلف شمال الأطلنطى وتركيا عضو فيه وعليها أن تلتزم بقواعد وأسس عمله، وثانيهما انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة فى تركيا واعتقالات المعارضين السياسيين والأساتذة والصحفيين.

وقد أوضحت تركيا على لسان المتحدث باسم رئاسة الجمهورية أنها ترفض المساومة على امتلاكها منظومة الصواريخ الروسية بالرغم من الانتقادات الأمريكية، إلا أنها عازمة على مواصلة حيازتها بغض النظر عن العقوبات الأمريكية التى فرضتها عليها، وأن أنقرة ستبذل مساعيها للتواصل مع الولايات المتحدة لإنهاء التوترات فى العلاقات بين البلدين، وأنها على ثقة بأن هذه العلاقات ستكون جيدة فى ظل إدارة بايدن طالما أنها تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة واحترام السيادة وعدم التدخل.

وأوضحت أنقرة أن أقصى ما يمكن أن تقوم به هو السماح بتفعيل متدرج لمنظومة الصواريخ الروسية، أو التعامل معها على غرار منظومة صواريخ Sــ300 التى تمتلكها اليونان والتى لم يتم تفعيلها منذ عام 2013. وقد انتقدت المعارضة التركية هذا الموقف وأوضحت أنه إذا فعلت الحكومة التركية ذلك فسيكون لديها منظومة خردة صواريخ روسية وستكون أغلى خردة فى العالم.

ورغم تأكيد الخارجية الأمريكية عدم تغير الموقف الأمريكى بعد ما صدر عن أنقرة بشأن إمكانية عدم تشغيل منظومة الصواريخ الروسية، فإنه بحكم العلاقات المتشعبة بين واشنطن وتركيا وأهمية دور الأخيرة فى نطاق حلف الناتو، فمن المتوقع التوصل عن طريق المفاوضات إلى حل يرضى الطرفين.

وقد وجه 54 عضوا من الكونجرس الأمريكى إلى الرئيس بايدن رسالة لممارسة الضغوط على تركيا من أجل حماية حقوق الإنسان، متهمين الرئيس أردوغان بتهميش المعارضة، وإسكات وسائل الإعلام التى تنتقد نظام حكمه، وسجن الصحفيين، وشن حملة تطهير فى صفوف القضاة المستقلين.

واتهمت أنقرة أعضاء الكونجرس الذين بعثوا بهذه الرسالة إلى الرئيس بايدن بأنهم يريدون التصعيد من مستوى التوتر فى العلاقات التركية الأمريكية، وأنها رسالة لا تعكس الحقيقة وهى مليئة بالمعلومات المنقوصة والمنحازة.

***

وتتخذ تركيا مواقف متشددة تجاه قضايا شرق البحر المتوسط، حيث تتمسك بوجهة نظرها بأن الحل الوحيد والعملى والمقبول للقضية القبرصية هو حل الدولتين، دولة للقبارصة اليونانيين، ودولة للقبارصة الأتراك التى نشأت فى ظل وجود قوات تركية منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين، ولم تعترف بها أى دولة سوى تركيا. والموقف التركى مخالف للموقف الدولى المستند إلى قرارات الأمم المتحدة بحل القضية القبرصية بالمفاوضات وحق تقرير المصير الذى يقرره القبارصة أنفسهم وبدون تأثيرات أى تدخل خارجى.

وترى تركيا أنها ضامنة لحقوق القبارصة الأتراك، خاصة فيما يتعلق بعمليات التنقيب واستخراج الغاز الطبيعى من المنطقة الاقتصادية المجاورة لكل الجزيرة القبرصية بشقيها اليونانى والتركى، وهو ما ترفضه كل من قبرص واليونان.

وتجرى بين الحين والآخر محادثات استكشافية بين اليونان وتركيا تتناول القضية القبرصية ومشكلات ترسيم الحدود البحرية بين تركيا واليونان فى بحر إيجة. وقد توقفت هذه المباحثات خلال السنوات الخمس الأخيرة واستؤنفت فى يناير 2021، ومن المقرر عقد الجولة الثانية فى مارس 2021، ولكن الرئيس أردوغان هدد بعدم عقد الاجتماع القادم بسبب موقف اليونان من الأزمة القبرصية، مؤكدا أنه لا حل لأزمة قبرص سوى إقامة دولتين، وحذر من استمرار ما أسماه تحدى رئيس وزراء اليونان لتركيا.

والجدير بالذكر أن تركيا لا تعترف باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التى بدأ سريانها منذ عام 1983 والتى تضع قواعد تحديد الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية المجاورة، وتتمسك تركيا بالقانون الدولى للبحار القديم والذى لم يعد مطبقا فى العالم الآن، ومن ثم لا تعترف بالمناطق الاقتصادية البحرية المجاورة لكل من قبرص واليونان، وترسل بين الحين والآخر سفينة استكشاف آبار الغاز الطبيعى فى مناطق واقعة بين الجزر اليونانية الصغيرة فى بحر إيجة والتى لا تترك مجالا لمنطقة اقتصادية بحرية مجاورة لتركيا. وهو ما يدعو دول الاتحاد الأوروبى إلى التدخل بين الحين والآخر لردع تركيا وتحذيرها من أنه فى حال حدوث أى تطورات باستخدام القوة فإنها ستكون إلى جانب اليونان وقبرص، مما يؤدى إلى تراجع أنقرة مؤقتا، ثم عودتها مرة أخرى إلى القيام بعمليات استفزازية.

***

وتتخذ تركيا موقفا ضد التيار العام السائد بالنسبة للأزمة الليبية، فقد طالب مجلس الأمن الدولى بالإجماع بسحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا وسبق أن حدد يوم 23 يناير 2021 حدا أقصى لإتمام هذا الانسحاب، ولم يتحقق الانسحاب، وجدد المجلس نفس الطلب فى 13 فبراير 2021، وطالب نائب المندوب الأمريكى أمام مجلس الأمن بأن تسحب كل من تركيا وروسيا ودول أخرى قواتها والمرتزقة فى ليبيا. وهذا هو مطلب القيادات الجديدة التى اختارها المنتدى السياسى الليبى لرئاسة مجلس الدولة، ورئاسة حكومة ليبية جديدة، وهو ما لم تُبدِ تركيا ترحيبا به. واتخذت أنقرة قرارا بمد بقاء قواتها فى ليبيا لمدة عام ونصف العام، وأكد المتحدث باسم الرئاسة التركية بأن العسكريين الأتراك سيبقون فى ليبيا ما دام الاتفاق العسكرى قائما بين أنقرة وطرابلس، وما دامت الحكومة الليبية تطلب ذلك، وهو يشير إلى مذكرة التفاهم للتعاون الأمنى والعسكرى التى وقعها رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج مع الرئيس أردوغان فى إسطنبول فى 27 نوفمبر 2019 ولم يعتمدها البرلمان الليبى المنتخب. ويلاحظ أن الرئيس أردوغان صرح بأن تركيا ستسحب قواتها من ليبيا إذا سحبت روسيا والدول الأخرى قواتها والمرتزقة. وهو بتصريحه هذا يفتح بابا للحوار والمساومة مع روسيا ويمكن التوصل معها إلى توافق بشأن أوضاع الأكراد السوريين والوضع فى شمال سوريا بصفة عامة وذلك على المستوى الثنائى، أو فى إطار مسار أستانة. ولكن يبقى ما سيكون عليه موقف الحكومة الانتقالية الليبية الجديدة التى من المقرر أن تتولى المرحلة الانتقالية إلى أن تجرى الانتخابات الليبية فى ديسمبر 2021، من مذكرتى التفاهم بين حكومة الوفاق وتركيا بشأن التعاون الأمنى والعسكرى، وما سمى بترسيم الحدود البحرية، وكذلك الدور الأمريكى وما يمكن أن يمارسه من ضغوط على تركيا.

وقد أكدت تركيا أنه لا يمكن التوصل إلى حل فى ليبيا بدونها، وأنها تدعم حكومة الوفاق والحكومة الانتقالية فى مهامها حتى إجراء الانتخابات فى ديسمبر القادم، وأن الشركات التركية ستضطلع بدور نشط فى جهود إعادة الإعمار فى ليبيا وهو بلد غنى بثرواته فى باطن أراضيه وسواحله الشاسعة، إلا أن الشعب الليبى لا يستفيد من هذه الثروات، وفى حال إدارة هذه الموارد بشكل جديد وجيد سيتمكن الشعب الليبى من تحقيق الرفاهية خلال فترة قصيرة. وهذه التصريحات الواضحة تكشف عن أهداف تركيا من التمسك بالوجود فى ليبيا وتستخدم ورقة التنظيمات المتطرفة والمرتزقة الذين جلبتهم إلى ليبيا لممارسة الضغوط فى المرحلة القادمة على الأطراف الليبية والإقليمية والدولية للحصول على أقصى ما يمكنها الحصول عليه فى أى تسوية للأزمة الليبية.

إن تركيا يمكنها أن تحقق الكثير من أهدافها بطرق الأبواب المفتوحة والانخراط فى مفاوضات إيجابية وبناءة مع كثير من الأطراف الإقليمية والدولية، والعودة إلى سياسة «صفر مشاكل مع الجيران»، ولكن يبدو أن حكم حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان يفضلون سياسة التصعيد وإظهار القوة، مع ترك الباب مفتوحا للتراجع كما حدث من قبل فى مواقف مع كل من إسرائيل وروسيا.
رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات