لقد كان يوم الأربعاء الماضى من الأيام التى جعلتنا نتذكر فى أى عالم نعيش. ففى صباح ذلك اليوم طرحت كتلة «إسرائيل بيتنا» قانون فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الجميع، الذى رفضه الكنيست بأغلبية كبيرة. لكن فى المساء، ومع وصول الأنباء عن هجوم بورجاس، تحول النقاش بشأن «قانون طال» إلى موضوع ثانوى، كذلك الأمر بالنسبة إلى الهجوم الذى شهدته دمشق، والذى قد يغير صورة دولة مجاورة لنا. ويشير هذا التبدل الجذرى الذى طرأ على جدول الأعمال الإسرائيلى إلى التغييرات التى تحدث فى محيطنا، وإلى الصعوبات التى نواجهها للتأقلم مع وتيرة هذه التغييرات على المستويات السياسية والأمنية والإعلامية والعامة.
عندما بدأ نظام الأسد يتزعزع ضمن الموجة الكبيرة التى جرفت العالم العربى، كان من الصعب على عدد من كبار المسئولين السياسيين والعسكريين فى إسرائيل إخفاء قلقهم. فعلى الرغم من كل ما قيل عن الأسد خلال الأعوام الاثنى عشر التى أمضاها فى الحكم من أنه لا خبرة لديه وأنه واقع تحت تأثير سحر نصر الله وأنه أسير إيران، فقد كان يعتبر دائما أفضل ممن قد يأتى بعده.
طوال 30 عاما سيطر الهدوء على الحدود السورية، وصمد الردع الإسرائيلى فى مواجهة الأسد بصورة كبيرة فى سنتى 2006 و2007. ولقد كانت إسرائيل تفضل على الدوام طاغية عربيا ضعيفا مثل بشار على الغموض وعدم اليقين.
والسؤال الذى يطرح نفسه اليوم هو: ماذا سيحدث فى حال رحيل الأسد؟ من الصعب إيجاد جواب عن ذلك، فهناك أطراف كثيرة تتدخل فيما يجرى. فعلى سبيل المثال، فرنسا هى التى أنقذت مناف طلاس، ابن وزير الدفاع السابق (المقيم بباريس)، وأحد أكثر المقربين من الأسد، وهناك أيضا روسيا وإيران والسعودية، إذ تملك كل واحدة من هذه الدول قوة كبيرة ولديها مصلحة واضحة فيما يجرى فى دمشق.
يختلف الوضع فى سورية عنه فى مصر، حيث بقى الجيش متماسكا وموحدا، وهو الذى سمح إلى حد بعيد بإجراء الانتخابات وتخلى عن جزء من صلاحياته، أمّا فى سورية فمن المنتظر أن تكون قمة القيادة العسكرية العليا موضع نزاع وتنافس بين عدد من مراكز القوة.
لقد أكدت إسرائيل هذا الأسبوع مخاوفها إزاء مصير ترسانة السلاح الكيماوى الضخمة التى تملكها سوريا، والتى ستشكل جزءا من العالم الجديد الذى ستجد إسرائيل نفسها فى مواجهته. أمّا الجزء الآخر من هذا العالم فقد برز من خلال الهجوم على بورجاس، والذى تعاملت معه إسرائيل بصفته جزءا لا يتجزأ من الحرب الدائرة بينها وبين إيران.
إن الأجهزة الأمنية فى دولة إسرائيل، وبصورة خاصة الجيش، تجد بحكم طبيعتها صعوبة فى مواجهة الفوضى، فهى تفضل مواجهة عدو منظم يتمتع
بمنطق سياسى أو بهوية سياسية، ويشبه قدر المستطاع العدو الذى تعلمنا كيفية مواجهته.
من هنا فإن السؤال الأساسى الذى يطرح نفسه الآن هو ليس تفسير ما يحدث، وإنما كيفية مواجهته. فمنذ اليوم، وبالتأكيد ما بعد سقوط الأسد، لم يعد احتمال نشوب مواجهة تقليدية بين وحدات عسكرية نظامية إسرائيلية وسورية مطروحا حتى على الصعيد النظرى، وهو لم يعد، منذ زمن طويل، مطروحا على الصعيد العملى. ومن المنتظر أن تتحول حدود سوريا، مثلما تحولت الحدود مع مصر، إلى مركز للتسلل والإرهاب، لا إلى مركز لهجوم برى. كما أن احتلالنا البرى لأراضى الطرف الآخر لم يعد يملك تأثيرا حاسما فى المعركة.
نحن نملك وسائل كثيرة متطورة فى مواجهة الإرهاب الدولى، سواء ذاك الذى تعرضنا له فى بورجاس، أو الذى استطعنا كبحه فى حالات أخرى خلال العام الماضى فى أذربيجان وتايلند وكينيا وقبرص، إلا إن هذه الوسائل تختلف بصورة جوهرية عن تلك التى استخدمناها طوال عشرات الأعوام فى المواجهات الحدودية. لقد بات استخدام القوة فى هذا العالم الجديد يختلف بصورة جذرية عما كان عليه فى السابق.
فى الأسابيع الماضية قيل الكثير عن مشكلة الخدمة الإلزامية فى الجيش الإسرائيلى، ولم يُقل شىء عن مسألة لا تقل أهمية عنها وهى: ما هو الجيش الذى نحن بحاجة إليه؟ والأكيد أن الإجابة عن هذا السؤال بعد سقوط الأسد، لن تشبه الإجابة التى كانت موجودة عندما كانت سورية دولة موحدة خاضعة لحكم ديكتاتورى ولديها جيش موحد.