النفسية.. مع د. محمد طه | حضن الأب - محمد طه - بوابة الشروق
الجمعة 27 نوفمبر 2020 1:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

النفسية.. مع د. محمد طه | حضن الأب

نشر فى : السبت 24 أكتوبر 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2020 - 8:15 م

فى هذا الباب الأسبوعى الذى يظهر كل يوم احد، يتواصل د. محمد طه أستاذ م. الطب النفسى، معكم، للإجابة على أسئلتكم واستفساراتكم فى كل ما يخص أحوال النفس، والطب النفسى، والعلاقات الإنسانية.

راسلونا على: http://m.me/mohamedtaha.net

●● كل الرسائل تخضع للسرية والخصوصية التامة، والإجابات عليها تكون بطلب المُرسل وبدون ذكر أية معلومات شخصية.


ــ صباح الخير يا دكتور.. أنا بكتب لحضرتك الكلام ده وأنا بعيط ومنهارة، بس يا ريت حضرتك تجاوبنى..
أنا عندى ٢١ سنة، فى كلية من الكليات اللى بيقولوا إنها قمة. بابا فى الأربعينيات من عمره وعلاقتى بيه تكمن فى أول ٥ سنين من حياتى فقط. كان دايما بيحضنى وأنا صغيرة لحد ٥ سنين، بس بعد كده بعد عنى، وكأنه بيخجل من كده، أو مش بيحب حتى يقرب منى.
واجهته مرة واحدة، كنت فى إعدادى، قولتله وأنا وشى مليان دموع ومنهارة: هو انت ليه مش بتحضنى؟! ساعتها حاول يحضنى وقتها بس، وكان فى منتهى الجفاف، ومن ساعتها مطلبتهاش منه تانى.
الموضوع ده عامل فيا ألم رهيب، وجرح بحاول أدفنه وأتعامل إنه مش موجود، بس كل ما أشوف أب حنين بتعب أوى، والجرح اللى فيا بيظهر تانى وانهار مع نفسى.. كان نفسى فى أب يكون أب وصديق وابقى متعلقة بيه لدرجة إنى أتمنى شريك حياة زيه.
أنا تعبانة جدا بسبب الجفاف اللى فى البيت، وماما برضه تعبانة جدا، وتقريبا شبه منفصلة معاه.. أنا تعبت لدرجة إن معدتى أخدت كل الأدوية وأشدها عشان الألم اللى بيكون فيها من غير سبب، ومش بنام غير لما آخد دواء اكتئاب منوم.
هل فعلا عشان بابا ماخدش الحنية من أهله يبقى جاف بالشكل ده؟! هل فعلا فاقد الشىء لا يعطيه، واللا دى حجة بنبرر بيها فشلنا!!
وطبعا أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاى على الكتب اللى حضرتك بتكتبها، ومش عارفة من غيرها كان زمانى كنت فين دلوقتى. آسفة على الإطالة. أرجو من حضرتك الرد.


ــ عزيزتى..
رسالتك رغم قصرها.. لكنها مؤلمة للغاية.
كتير من الآباء بيمتنع فعلا عن إنه يحضن بناته.. وبيكون ورا ده ــ للأسف ــ أسباب ومبررات ومخاوف كتير.. منها تصور خاطئ إن ده شىء مش مهم، أو إنه ما يصحش، أو إنه دلع زيادة.. وحاجات تانية طبعا.
أنا عاوز أقولك كلمتين.. وعاوز أقول لوالدك كلام كتير.
عاوز أقولك إن حرمان والدك من ده فى طفولته ممكن يكون أحد أسباب عدم قدرته على إعطائه لك الآن.. لكن يا صديقتى فاقد الشىء ممكن يعطيه لو قبل فقده، ووعى بأسبابه، وحاول علاجها..
عاوز أقولك كمان ماتزهقيش.. وما تيأسيش.. اطلبى تانى وتالت.. ألحى فى الطلب.. قوليله «يا بابا أنا بنتك»، «أنا محتاجة إنك تحضنى».. وخليكى عارفة إن ده حقك عليه، ومسئوليته ناحيتك، وتأكدى إنك بتخاطبى فطرته وطبيعته الإنسانية.. اللى مهما أصابها من تشويه، ماينفعش نفقد فيها الأمل..
عاوز بقى أقول لوالدك.. واللى إحساسى بيقوللى إنه مستعد يسمع، ويفهم، ويعيد النظر.. وأنصحك تخليه يقرأ كلامى الجاى عن حضن الأب باهتمام وتأنٍ:
الاحتياج لحضن الأب (والأم طبعا) هو واحد من أهم الاحتياجات الإنسانية وأقدمها أصولا وأقواها أثرا على الإطلاق.. وهو احتياج زيه زى كل احتياجاتنا الإنسانية.. بنتولد بيه ونعيش بيه وما نقدرش نكمل حياتنا بشكل صحى وسليم من غيره.. ونقصه أو عدم إشباعه ممكن يؤدى لكثير جدا من الأمراض أو الأعراض المرضية..
أول علاقتنا بالحضن كانت فى اللحظة الأولى لاحتضان الأم لينا واحنا عمرنا ساعات معدودة.. والحضن ده بالذات ليه وظايف مهمة جدا.. أبسطها إنه كان بيحسسنا بوجودنا.. بيحسسك إنك موجود.. مختلف.. متفرد.. ويأتى حضن الأب بعدها علشان يرسخ هذا الوجود، ويحيطه بالثبات والاستقرار والأمان.. حضن الأم يخليك موجود.. وحضن الأم يرسم حدود هذا الوجود.
يا أيها الأب الغالى:
احتياج بنتك لحضنك مش بيقف عند سن معين.. ده بيستمر ويدوم ويعيش معانا طول العمر.. زيه زى الاحتياج للأكل والشرب.. وزيه زى الاحتياج للحب والاحتياج للقبول والاحتياج للاهتمام..
أنا مش عاوز أقلب الكلام لمحاضرة علمية أكاديمية وأقول إن حضنَك لبنتك (أو حضنِك لبنتك أو لابنِك) بيحفز إفراز هرمونات السعادة.. وإنه بيقوى المناعة ويساعد على ارتخاء العضلات.. ويساعد على توازن الجهاز العصبى وإنه بيخفف التوتر.. لا.. مش كده بس.. أنا عاوز أقول اللى أعمق من كده..
حضنكم لأولادكم دفا.. دفا جسدى.. ودفا نفسى.. وكأنكم بتحطوا كمادات مياه دافئة على جراح حياتهم.. وإصابات أيامهم.. وكدمات علاقاتهم..
حضنكم لأولادكم علاقة فى حد ذاته.. فيها أخذ وفيها عطاء.. فيها رسايل رايحة جاية.. فيها قبول واحترام واحتواء..
حضنكم لأولادكم وجبة غذائية نفسية متكاملة.. فيها كل أنواع المقويات والفيتامينات والبروتينات (النفسية)..
حضنكم لأولادكم.. هو البديل اليومى المتاح للعودة داخل الرحم مرة أخرى (ودى رغبة موجودة عندنا كلنا).. لما كان الأمان والدفا والاحتواء والشبع موجودين بكل بساطة وبدون عناء ولا مشقة ولا تعب.. وجود دائم لا ينقطع..
حضن الأب أمان.. درع حماية.. سترة واقية من رصاص الألم.. وصقيع الحياة..
حضن الأم فرحة.. وبهجة.. وطاقة متجددة فى أوردة النفس وشرايين الروح..
حضنهم.. أمل.. وعزاء.. وطبطبة.. وترياق ناجع لهموم الليالى.. وسموم الأيام..
حضنهم تقدير.. واهتمام.. وحب.. وسماح.. ورضا..
يا سيدى الفاضل..
حضنك لبنتك قد يكون هو حائط الصد الأخير ضد الاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية..
هو اللى هايحميها من إنها تتعرض للاستغلال، أو تدخل فى علاقات مشوهة ومختزلة، أو تيجى فى يوم وتبيع نفسها..
ده ساعات اللى بيدمن.. مش بيدور فى مادته المخدرة إلا على اللى ما لقيهوش فى حضن أبوه وأمه (الشبع والرضا).. ولاقاه فى مادة صماء بكماء.. من كتر ما هو محتاج..
يا كل أب (وأم)..
اقروا احتياجات أولادكم..
ما تحرموش أبناءكم وبناتكم من حضنكم..
لو مش قادرين.. لو فيه صعوبة.. انصحكم بالعلاج والاجتهاد للتغيير..
علشان ما تدفعوش ــأنتم وهمــ التمن غالى جدا فى هذه الأيام الصعبة..
ربنا ينور بصيرتنا جميعا

محمد طه أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب المنيا
التعليقات