أسئلة ما بعد يناير - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 29 مارس 2020 8:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أسئلة ما بعد يناير

نشر فى : الأحد 25 يناير 2015 - 8:20 ص | آخر تحديث : الأحد 25 يناير 2015 - 8:20 ص

يعلمنا التاريخ أن كل أيام الفرح أو الحزن لابد لها من نهاية، وأن يوما جديدا يولد حتما، صحيح للأيام التاريخية بأفراحها وأتراحها آثار عميقة على أحداث الأيام التالية لها، لكن لا يقف التاريخ كثيرا عند أى لحظة مهما بدت محورية أو غير مسبوقة. سواء كنت من هؤلاء الذين يحتفلون اليوم بعيد الشرطة نكاية فى الثورة التى تعتبرها مؤامرة لإسقاط الوطن لحساب آخرين، أو كنت من هؤلاء الذين يحتفلون بذكرى الثورة الرابعة متذكرا شهداء ومصابين دفعوا حياتهم وأطرافهم وحواسهم ثمنا للحرية والديموقراطية والعيش والكرامة، أو حتى لو كنت من هؤلاء الذين ملّوا من السياسة ولا تريد لهذا اليوم سوى أن يمر بسلام بحثا عن الاستقرار ودفع العجلة التى لا يعرف أحد لماذا لا تدور منذ أربع سنوات رغم وقف كل أشكال الحراك؟ فإن معايير الرشادة والعقل والمنطق يجب أن تدفع الجميع للتفكير فيما بعد يناير.

•••

السطور المقبلة تطرح عشرة أسئلة أتصورها ضرورية للقوى المؤمنة بضرورة التغيير (ثورية أو إصلاحية) وتحتاج إلى إجابات محددة لتحسس ملامح مستقبلها:

السؤال الأول: هل سنظل أسرى ليناير؟ ليس المقصود هنا المزايدة على يناير، لكن المقصود التفكير فى إمكانية الخروج من شرنقة يناير باعتبارها لحظة يوتوبية مثالية، والتحرر من قدسيتها نحو آفاق أرحب من العمل السياسى والنضالى بشكل عملى واقعى يشتبك مع الأرض بكل قبحها ومساوئها بحثا عن تحقيق أهداف الثورة وشعارتها (العيش، الحرية، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية). هذا يعنى ضرورة الاختيار بين العيش أسرى للحظة بأشجانها وذكرياتها وبين ضرورة النهوض لتجاوزها بحثا عن إجابات عملية للأسئلة الأصعب عن ماذا بعد تعطل يناير؟

السؤال الثانى: هل سنحول يناير إلى مظلومية؟ المظلوميات والبكائيات تصنع هالات مقدسة على أصحابها تلفت الأنظار عن أخطائهم نحو مآسيهم باعتبارهم الفئة المختارة المظلومة تاريخيا. المظلومية هى حيلة تاريخية لصنع كهنوت مقدس جديد تتناقله الأجيال للتباكى على أسطورة الآباء والأجداد دون البحث عن إجابات أكثر تعقيدا عن ماذا بعد البكاء والندب والشجب والاستنكار؟ نعم أزعم أن كل من آمن بالثورة يشعر الآن بالمرارة لكل هذه الدماء وكل هذه الأرواح التى فقدت دون الوصول إلى النتيجة المرجوة، ولكن يبقى السؤال وماذا بعد؟

السؤال الثالث: متى نقيّم أخطاء يناير؟ من أكبر مغالطات العمل العام، الانطلاق من تصور عن رقى بعض الفاعلين السياسيين أخلاقيا عن غيرهم من المختلفين معهم! لم يكن كل من عبر عن يناير «نقيا»، ولا كل من عارضها أو تحفظ عليها «متلونا»، هى السياسة كالعادة بمساحتها الرمادية، فمتى نخرج عن خانتى الأبيض والأسود لنقيم أخطاءنا فى هذه المساحة الرمادية ونكف عن هذا الادعاء بالرقى الأخلاقى والتفوق المعرفى على الآخرين؟ متى يتوقف بعض «نجوم» يناير عن ممارسة التنظير واحتكار الحديث باسم الثورة ويعترف بأخطائه الفادحة على مستوى الحسابات والحركة على مدى السنوات الماضية، ويترك لآخرين المساحة كجزء من عملية التسليم والتسلم الضرورية لإنجاح أى برنامج أو أفكار سياسية؟

السؤال الرابع: هل نسحب يناير من مساحة النخبوية إلى مساحة الشعبوية؟ وكيف الطريق إلى ذلك؟ متى نتوقف عن طرح يناير باعتبارها مبادرة نخبوية لتصحيح أوضاع العامة الجاهلة من «عبيدى البيادة» وعشاق الدونية كما يردد البعض؟ متى نسكت قليلا ونكف عن الحديث باسم الناس ونترك الشعب ليقيم مسار اختياراته وانحيازاته بنفسه حتى يقرر (أو لا) إن كانت بالفعل يناير هى خياره؟ متى ننزل للناس لنحدثهم بلغتهم لا بلغتنا؟ متى نفهم دوافعهم واحتياجاتهم ومحددات حركتهم بدلا من التنظير غير المرتبط بواقعهم؟

السؤال الخامس: هل نتصرف بذكاء وحنكة؟ ليس من الذكاء والحنكة بالقطع أن نغير مبادئنا، أو أن ننقلب على ثورة آمنا بها، أو أن ننافق حكاما أو صناع قرار لطالما خاصمناهم وقلنا فيهم ما لم يقله مالك فى الخمر كما يقولون! لكنه ليس من العقل فى شىء أيضا أن نتحدى الناس فى مقدساتها دون أن نشرح لهم لماذا نفعل ذلك؟ ليس من الحنكة أن نهاجم مؤسسات يرونها تدافع عنهم وعن حياتهم دون أن نفصل ما هو شخصى عن ما هو سياسى عما هو مؤسسى! من ذهبوا فى وطيس المعركة الحامية فى التعليق على وفاة ملك السعودية وسعوا لأن تكون تعليقاتهم العنوان الرئيسى لحركتهم أمام الجماهير هل يعرفون كم مصريا يعمل بالسعودية؟ كم عائلة يتم إعالتها بواسطة هؤلاء؟ ما تأثيرات الرحيل والخلافة على الأوضاع الإقليمية والمصرية؟

السؤال السادس: هل من الضرورى أن نخوض كل المعارك الأخلاقية منها والسياسية؟ هل مفروض علينا أن نسجل موقفا من كل صغيرة وكبيرة فى البلاد؟ ما هى أولويات معاركنا؟ متى نتعلم اللحظات المثلى للسكوت وتلك المناسبة للتعليق؟ لماذا لا نترك الجماهير والخصوم للتفاعل وننتظر حصاد المعادلة لنخوض بها واحدة جديدة وهكذا، بدلا من دس الأنف واللسان فى كل موقف وكل قرار وكل سياسة حتى يَئِسَ منّا العامة؟

السؤال السابع: متى نكسب حلفاء جددا؟ وكيف؟ هل من سبيل لتغيّر تلك الخطب البائسة التى تدعى امتلاك الحكمة والحقائق المطلقة والاستعلاء على الآخر؟ متى نتعلم أن النفس البشرية ضعيفة وكذلك كل نفوس اللاعبين السياسين؟ متى نتوقف عن خسارة الحلفاء المحتملين بدعوى أن أى تواصل مع النظام الحالى هو خيانة للثورة ومبادئها؟ هل كل الحركات السياسية يتم خوضها لتحقيق مكاسب كبيرة أم أن بعضها قد يُخاض فقط لتحقيق الحد الأدنى من تقليل مساحة البطش والتنكيل؟

السؤال الثامن: ماذ نعلم عن الدولة؟ ماذا نعلم عن طريقة إدارة وعناصر قوة الحكم المحلى؟ ماذا نعلم عن الثقافة السياسية لملايين الموظفين المصريين وعن العلاقة بين دواوين الوزارات والمصالح الحكومية فى القاهرة وبين مديرياتها فى المحافظات؟ ما هى سبل التوصل إلى استراتيجيات جديدة للإصلاح والتغيير المؤسسى وما الأثر المجتمعى قبل أن يكون الأثر السياسى لذلك؟

السؤال التاسع: ما تصوراتنا عن الإسلام السياسى ولاعبيه؟ هل مازالوا جزءا من حركة أكبر قادمة؟ أم أنهم خصوم؟ هل من المقبول إعادة التحالف معهم تمهيدا للحظة تغير قادمة أم يجب اعتبارهم منافسين والتعامل معهم الآن ومستقبلا على هذا الأساس؟ هل هناك احتمالية لوجود فاعلين إسلاميين ديمقراطيين؟ من هم؟ وكيف ندعمهم؟ وهل نحن أصلا بالضرورة ديمقراطيون؟

السؤال العاشر: ماذا ننتظر؟ هل نشتبك مع الواقع الحالى على علاته؟ أم ننسحب بشكل تكتيكى لإعادة الهيكلة والعودة حينما تحين اللحظة؟ أم نتفرغ لكتابة مذكراتنا ونعتزل السياسة؟ وما هى تلك اللحظة المنتظرة للانسحاب أو الاشتباك مع الواقع؟ ثورة جديدة؟ بأى معيار؟ وما احتمالية حدوثها؟ وماذا بعد حدوثها من حيث ترتيبات المشهد إقليميا ومحليا ودوليا؟ هل هى لحظة خروج السيسى من السلطة بشكل مفاجئ أو غير متوقع؟ ماذا سنفعل فى هذه الحالة؟ وهل هذا يعنى سقوط النظام الحالى؟ كيف سيصبح شكل التوازنات السياسية داخل وخارج مصر وقتها؟ وهل لدينا آليات للتعامل مع هذا الواقع إذا ما حدث؟ أم أن المسألة هى مجرد «ثأر» نريد أخذه حتى تغمض جفوننا مرتاحة؟

•••

كاتب هذه السطور لم يتعرض لأى أذى من الثورة! لم يمت.. لم يسجن.. لم يصب. لم يفقد حاسة من حواسه أو طرفا من أطرافه جرّاء مواجهة هنا أو هناك. على العكس، الثورة صنعت منى ومن غيرى شخصيات عامة لديها مساحات للتأثير حتى لو كانت محدودة، ومن هنا فواجبى وواجب غيرى ليس فى مغازلة المشاعر أو البحث عن عبارات سجعية تتنزع الآهات «اللايكات» من هنا أو من هناك، واجبنا طرح الأسئلة الصعبة والبحث عن إجابات لها ولو بعد حين.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر