السوريون فى مصر - حازم خيرت - بوابة الشروق
الجمعة 20 سبتمبر 2019 1:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

السوريون فى مصر

نشر فى : الأحد 25 أغسطس 2019 - 10:45 م | آخر تحديث : الأحد 25 أغسطس 2019 - 10:45 م

انشغل الرأى العام مؤخرا بحالة من الجدل بشأن واقعة فردية لمطعم يمتلكه أحد الإخوة السوريين بمدينة الإسكندرية الذى تم إغلاقه بسبب شكوى إحدى السيدات من قاطنى ذات الشارع إثر بعض المخالفات التى رصدتها جهات الحى آنذاك. ولا شك أن تلك الواقعة الفردية أثارت آراء أغلبها عبر عن حالة من التعاطف الشعبى مع الإخوة السوريين الذين وفدوا إلى بلدهم الثانى فى مصر خلال السنوات الأخيرة بسبب ظروف الحرب الدائرة هناك والتى خلفت حتى الآن حوالى أكثر من 400 ألف قتيل و5 ملايين لاجئ و6 ملايين نازح و13 مليونا فى حاجة إلى مساعدات، وتدمير للبنية التحتية. ولا شك أن هذا التعاطف الشعبى المصرى يؤكد الوعى الجماعى للشعب، وقدرته على الإدراك السليم بالحس الحضارى المتوارث عبر الأجيال.

والحق، فلقد أثلج هذا التعاطف صدرى كسفير سابق لمصر فى سوريا، فعلى الرغم من أن هذا التعاطف يستند ــ مثلما لاحظت فى معظمه ــ لأسباب عاطفية ناجمة عن المعاشرة الحسنة حديثة العهد لجموع المصريين مع الأشقاء السوريين، وبسبب ما أضافوه من جهد وعمل وأمانة وكرامة، بل وضخ المليارات فى شرايين الاقتصاد القومى، وهى أسباب مقدره ومفهومة، ولكنها فى تقديرى ــ كسفير سابق بل مواطن عربي ــ لا ترقى لأسباب الألفة المتبادلة بين الشعبين، فعذرا عندما يأتى الحديث عن سوريا لا يصح أبدا أن نقول إن علينا مودتهم بسبب استثماراتهم. ولا يستقيم الأمر هكذا، فمصر وسوريا قلبا العروبة ومهدها لا يقيمان الأمور بتلك النظرة التى قد تصلح مع دول وكيانات أخرى.
فما بين الدولتين والشعبين التاريخ ووشائجه وكيف قدما أول تجارب الوحدة العربية وإن كانت قد انتهت لأسباب ليس هذا محل الحديث عنها، ولكنها تظل دائما ماثلة فى الذهن والوجدان، فسوريا كانت الشريك الرئيسى لمصر فى حرب أكتوبر المجيدة، امتزجت فيها الدماء دفاعا عن شرف الأرض وعرض الأمة العربية كلها. وكانت سوريا أولى الدول التى وقفت مع مصر إثر العدوان الثلاثى عام 1956، واستضافت إذاعتها لتقول آنذاك «هنا القاهرة من دمشق». ودفعت مصر ثمنا باهظا فى ٦٧ إثر استنفارها السريع لنجدة سوريا بعد أن أفادت التقارير بوجود حشود إسرائيلية حيال الجولان. ولقد مرت عواصف السياسة إثر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية على البلدين وأحدثت ما أحدثت من ضرر ولكنها أبدا لم تؤثر على المشاعر بين الشعبين.
سوريا ولبنان شهدتا مولد أفكار القومية العربية ومنها انتقلت إلى مصر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى حتى تمكنت من احتضان الفكرة الأم ورعايتها وإنضاجها بالثقل الحضارى والتاريخى والبشرى عبر تجربة ناجحة بمقاييس البعض وفاشلة بمقاييس البعض الآخر. ولكنها تظل دائما تفكيرا أحدث تحولا تاريخيا بمصر والعالم العربى بل ودول العالم الثالث والعالم بأسره وحتى صارت العروبة منهجا ونبراسا وأيديولوجية.
ولا ننسى أن سوريا كانت دائما معقلا ومضيافا للاجئين العرب عندما عانت دولهم من محن الحروب والغزو، واستضافت ملايين اللاجئين من فلسطين والعراق ولبنان، بل وتعد الدولة العربية الوحيدة التى تسمح لأى مواطن عربى دخول أراضيها دون تأشيرة. ولقد كنت شاهدا على لجوء آلاف المصريين الذين خرجوا من لبنان عام 2006 بسبب العدوان الإسرائيلى على لبنان ولم يكن لديهم أى منفذ للخروج إلا من سوريا، والتى فتحت لهم أبوابها واستقبلتهم واستضافتهم حتى ممن تركوا جواز سفرهم بسبب كثافة القصف على بيروت آنذاك واكتفوا فقط بمجرد الاطلاع على قائمة بأسماء المصريين التى كانت تقدمه لهم السفارة المصرية.
وفى النهاية، فما بين مصر وسوريا يسمو بكثير عن الاعتبارات الشعبوية الراهنة أو عن أى حادث فردى أو خطأ يقع هنا وهناك. وأثق من جانبى أن شعب مصر الكريم والمضياف، لا يمكن أن يتخلى عن أشقائه وسيقف معهم فى محنتهم وسيرحب بهم فى بلدهم الثانية طالما أنهم ليس لديهم أجندات خاصة أو ينتمون لتيارات سياسية، فما يجمعه التاريخ والمستقبل ووشائج الحاضر لا يفرقه شيء، فالإخوة السوريون الشرفاء هم فى بلدهم الثانية، ورعايتهم واجبة علينا جميعا.

مساعد وزير خارجية سابق

التعليقات