تاريخ ما أهمله التاريخ حول النظام العالمى - محمد عبدالشفيع عيسى - بوابة الشروق
الأربعاء 22 مارس 2023 11:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد التوسع في استيراد الدجاج البرازيلي لحل أزمة الدواجن؟

تاريخ ما أهمله التاريخ حول النظام العالمى

نشر فى : الخميس 25 أغسطس 2022 - 7:25 م | آخر تحديث : الخميس 25 أغسطس 2022 - 7:25 م

نستعين فى فهم «العلاقات الدولية» بتاريخ العلاقات الدولية، من الحاضر إلى الماضى، ومنها إلى المستقبل، أو العكس: من رؤية معينة للمستقبل إلى فهم معين للماضى ولامتداده الآنى، أى ما نسميه «الحاضر». فالحق أن رؤية الباحث الفلسفية فى العلم الاجتماعى، أو «العلوم الاجتماعية» تحدد نظرته الكلية إلى نوع ذلك العلم، وإلى الواقع الذى تدرسه.
أيا كان الأمر، فالثابت أن من الأحرى أن التاريخ سلسلة متصلة الحلقات، عبر لحظات الزمان، أو جريان الزمن. هكذا نظرت جمهرة من خبراء العلاقات الدولية إلى العصر الذى شهد سيادة الرومان، لعشرة قرون تقريبا بين السادس والسادس عشر، ومن ثم هيمنة «الإمبراطورية الرومانية» على «منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط» ــ «خاصرة العالم القديم» أو «العالم الشرقى»، بتعبير أدق. وهكذا وصفت تلك الجمهرة من الخبراء العصر المذكور، وصفا رمزيا بأنه عصر «السلام الرومانى» وباللغة اللاتينية Pax Romana.
قياسا على ذلك، أمكن القول إن العصر الحديث إجمالا، وخاصة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، هو عصر «السلام البريطانى ــ الفرنسى»، حيث أظلت الإمبراطوريتان المتنافستان فى ذلك الوقت، العالم كله، قديمه، وجديده أيضا أى الأمريكتان. ذلك مع الأخذ فى الاعتبار، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، هيمنة أسبانيا، وإلى حد ما «البرتغال»، على ما سُمى الشطر اللاتينى من ذلك (العالم الجديد ــ الأمريكتين) أى «أمريكا الجنوبية». وكذا محاولة تمددهما فى حوض البحر الأبيض المتوسط على شاطئه الجنوبى بمحاذاة المغرب العربى الكبير وقد تم ذلك بالتوازى مع (فتح إفريقيا) انطلاقا من سواحلها الشرقية والغربية بالحاميات العسكرية الصريحة، و(فتح آسيا) ــ اقتصاديا وكذا عسكريا ــ بواسطة «شركة الهند الشرقية الهولندية» و«شركة الهند الشرقية البريطانية»، والفرنسية أيضا، وفى رحاب المحيط الهندى عقب «اكتشاف رأس الرجاء الصالح» الذى أشر لأفول قوة «عصر المماليك» فى مصر والشام خاصة منذ مطالع القرن السادس عشر، مُذ قام البرتغاليون بهزم العرب المصريين و«الشوام» بقيادة السلاطين المماليك فى المحيط الهندى وعلى ساحل الهند، فى موقعة «ديو» البحرية عام 1506. ومن قبل عصر سيادة أسبانيا والبرتغال التجارية والحربية ــ البحرية، كانت هناك، فى فجر العصر الحديث، النهضة الإيطالية ــ الثقافية والتجارية، من خلال (المدن الإيطالية جنوة والبندقة وفلورنسا) وكذلك صقلية. كما كانت هناك هولندا، وإمبراطورية (النمسا ــ المجر).
كل محاولات الهيمنة الأوروبية تلك وقعت عقب الخروج من عصر «سيادة العالم الإسلامى» ــ فى زمنه الأول ــ حيث الحواضر الزاهرة: مكة والمدينة، دمشق، بغداد، قرطبة الأندلس، قاهرة الفاطميين، برغم التحديات الخارجية القصوى ممثلة خاصة فى «التتار ــ المغول» الذين بلغت ذروة قوتهم بدخول مركز العالم الإسلامى وتدمير عاصمته بغداد عام 1258. ونذكر غزوات الأوربيين، الفرنجة، أو من يسميهم مؤرخون كُثر بالصليبين فى غزوات متتابعة لفلسطين ومصر خلال القرون الثلاثة الأولى من الألفية الثانية.
بيْد أن عصرا للسيادة الإسلامية ــ فى طوْره الثانى ــ جاء متأخرا زمنيا، كمؤشر لصعود العالم الإسلامى العتيد عقب فتح الترك العثمانيين عام 1453 للقسطنطينية ــ عاصمة البيزنطيين ــ ومن ثم تحويلها ــ باسم اسطنبول ــ إلى عاصمة للعالم العثمانى الوسيع، الممتد من أوروبا الشرقية (حيث دق سلاطنة آل عثمان أبواب فيينا كما يقال عادة) والبلقان، إلى تخوم «المغرب الأقصى».
وعلى العموم، ظل الوجود السياسى، على الأقل، للعثمانيين، قائما (يقض مضاجع) الأوروبيين ــ (الغرب)ــ الداخلين إلى العصر الذى نسميه الآن بالاستعمار القديم لعالم «الشرق»، العالم الآسيوى والإفريقى، على امتداد أكثر من أربعة قرون، منذ أواسط الخامس عشر (تاريخ فتح القسطنطينية) حتى أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (الرجل المريض) ثم مطلع القرن العشرين (نهاية الحرب العالمية الأولى).
• • •
أما العالم الذى أسماه الأوروبيون المستعمرون بالعالم الجديد، فى (الأمريكتين) كما أسموهما، حيث الشعوب والأمم التى أسماها الأوروبيون أيضا (الهنود الحمر) فى شمال وجنوب القارة الأمريكية بالمفهوم الواسع ــ هذا العالم تعرض بدوره للعنف الاعتباطى الموسع، فى أشكال (مبتكرة) حقا. فقد حدثت فى الشمال الأمريكى أعمال الإبادة الجماعية ونحوها لشعوب وقبائل (الهنود الحمر) الذين أطلقوا عليها مسمى عنصريا أى (السكان الأصليين)، من قبل الأوروبيين الغازين البيض خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بل وما بعده. وقد حدث ذلك جنبا إلى جنب الاختطاف الجماعى للأفارقة من أوطانهم ونقلهم على سطوح «سفن الموت المؤكد» عبر المحيط الأطلنطى، ومن ثم تحويلهم إلى عبيد فى مزارع البيض من الأوروبيين اللاتين والأنجلو سكسون، فيما يسمى الآن بأمريكا الشمالية. وتلك (عملية الاستعباد التاريخية) من قبل المستعمرين المستوطنين القتلة، لمن أسموهم بالزنوج أو السود. أما شعوب من أسماهم الغربيون بالهنود الحمر فى القارة الأمريكية الجنوبية، أصحاب الحضارات الزاهرة («الدنكا» وغيرها) فقد تم ــ بواسطة الأسبان والبرتغاليين خاصة ــ نزع سيطرتهم على ملكية الأرض وتهميشهم عرقيا وقوميا، مما بقيت آثاره حية لم تزل.
وهكذا وعلى امتداد أربعة قرون أو قرابة خمسمائة عام، بقى العثمانيون ممثلين، ولو (شكليا) أو رسميا، إلى حد كبير، للعالم الإسلامى العريض. وتحت مثل هذا الظل، ولو الشبحى أحيانا، للعثمانيين وخاصة فى الحقبة المتأخرة للعصر الحديث، أطلق العالم الأوروبى على تركيا، فى تلك الحقبة، لاسيما خلال القرن التاسع عشر، تعبير (الرجل المريض) الذى أخذ يقض مضاجع الأوروبيين حتى خر صريعا بنهاية «الإمبراطورية العثمانية» فى غضون الحرب العالمية الأولى (1914ــ1919).
على الجانب الآخر، بقيت أوروبا لقرون، مركز العالم سياسيا، ومصنعه ومتجره الأساسى، اقتصاديا، انطلاقا من القوة القاهرة الاستعمارية، ومن التفوق الاقتصادى ــ التكنولوجى المرتكز إلى صيغة (تقسيم العمل الدولى الرأسمالى) المفروض بقوة البندقية على آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، التى عوملت كمزرعة ومنجم: حيث المواد الأولية، الزراعية كالقطن من مصر والهند، والمعادن بل والمعادن الثمينة من إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الجنوبية. وذلك مقابل استيراد المصنوعات من أوروبا الاستعمارية.
ومن حيث الشكل السياسى العام، ظلت أوروبا نفسها تلك، خلال القرن التاسع عشر وما بعده، منظومة دولية فريدة بحد ذاتها، حيث تشكلت صورتها، وصورة العالم من بعد، انطلاقا من مخرجات (مؤتمر فيينا 1815) المنعقد بزعامة وزير الخارجية النمساوى الداهية (متيرنخ)؛ اتباعا لمبادئ (معاهدة وستفاليا لعام 1648) التى أقرت استقلالية الدول الأوروبية القائمة حينئذ، مع الاعتراف المتبادل بحقها المتساوى فى السيادة، بعد انتهاء ما سُمى (حرب المائة عام)، وإبرام الصلح.
• • •
هكذا فإن العالم الأوروبى، كاختزال للعالم كله فى عصر الاستعمار، شهد ما يمكن تسميته بالعصر الذهبى لـ«توازن القوى» فى أوروبا Balance of Power حيث وُجدت عدة دول لا تتنازع حقوق السيادة، وإنما يسلم بها كل منها للآخر، وأهمها بريطانيا وفرنسا. ولكن بريطانيا بالذات كان لها قصب السبق، باعتراف ضمنى، أو صريح أحيانا، من الأخريات، ومن ثم أطلق عليها مؤرخو العلاقات الدولية لقب «الأولى بين المتساوين» First among equals، أو باللاتينية Primus inter Pares.
غير أنه قد وقع انفجار فى عقر دار سلسلة «العصر الذهبى للتوازن»، وذلك بظهور ألمانيا دولة كبرى موحدة عام 1870، بعد «الحرب السبعينية» ضد فرنسا، ولتقف على قدم المساواة مع الآخرين، وتنازعهم حق السيادة والنفوذ، بل حق «الهيمنة» فى ظل اتساع قاعدة الاستعمار الأوروبى لسائر العالم. وتمثل ذلك خاصة فى نتائج مؤتمر برلين عام 1884 حيث تم توزيع إفريقيا عامة بين البلدان الأوروبية الاستعمارية، وخاصة «إفريقيا جنوب الصحراء»، تحت شعار «التكالب على إفريقيا» Scramble for Africa.
ولقد كان انضمام ألمانيا لنادى الدول الاستعمارية، سيد العالم، بالمعنى المجازى، نذيرا بتفجير قاعدة «النظام الدولى القائم آنئذ ــ النظام «أوروبى التمركز»ــ وذلك على وقْع حربين عالميتين مدمرتين متعاقبتيْن (1914ــ1919) و(1939–1945)، وكانت ألمانيا بمثابة «صاعق التفجير» فى الحالتين.

محمد عبدالشفيع عيسى أستاذ باحث في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية
التعليقات