فى الذكرى الخامسة عشرة لرحيله.. «قلب أحمد عبدالله رزة... العامر بحب الوطن» - نبيل مرقس - بوابة الشروق
الأربعاء 22 سبتمبر 2021 12:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

فى الذكرى الخامسة عشرة لرحيله.. «قلب أحمد عبدالله رزة... العامر بحب الوطن»

نشر فى : الثلاثاء 29 يونيو 2021 - 7:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 يونيو 2021 - 7:45 م

”فتحت واقعة سقوط كريستيان إريكسين لاعب منتخب الدنمارك الأول لكرة القدم مغشيا عليه خلال مباراة فريقه الدنماركى أمام نظيره الفنلندى خلال منافسات بطولة كأس الأمم الأوروبية/ يورو 2020 الحالية، الحديث الواسع مجددا عن أسباب الموت المفاجئ لدى الأبطال الرياضيين فى كرة القدم وغيرها من الرياضات. لكن لم يتحدث أحدٌ فى مصر أو فى منطقتنا العربية عن أسباب الموت المفاجئ للمناضلين السياسيين... الذين سقطوا ويسقطون فجأة فى وسطنا دون مقدمات... وتتوقف قلوبهم العامرة بحب الوطن عن النبض... دون أن يندهش... أو يتساءل... أو يتوقف أحدٌ».
لمحته فجأة فى خريف عام 1978، فى أحد شوارع مدينة كامبريدج البريطانية. كان يقود دراجته فى نشاطٍ ملحوظ وبدا وجهه المصرى الصميم مميزا بنظراته الحادة ونظارته الطبية البيضاء. مَرَقَ مُسْرِعا إلى جوارى، كما مرقت حياته القصيرة أمامنا جميعا كشهابٍ مُسْرِعٍ يريد أن يلحق بحدثٍ كونى هام. تجسَدت فى ملامحه الوسيمة ونظرته الشامخة وقوامه الممشوق، توليفةٌ فريدة من وسامة أبطال الأساطير الإغريقية وعظمة فراعين مصر القدماء.
كنت قد رأيته للمرة الأولى من بعيدٍ، فى زخم الاعتصام الطلابى الشهير الذى أَقَضَّ مضاجع حكام مصر فى يناير 1972. كان يلتفع وقتها كوفيته الحمراء الشهيرة ويتصدر منصة الحدث الطلابى الأشهر الذى جذب اهتمام جميع أطياف الشعب المصرى. وجعل أمثالى من الضباط الاحتياط المجندين وقتها فى الجيش المصرى، والذين يُحَرَمْ عليهم تعاطى السياسة أو الانغماس فى المظاهرات والتجمعات الخطرة على الأمن العام، أن يغامروا بالحضور فى ملابسٍ مدنية.
كنت قد قرأت عددا من مقالاته الشديدة اللهجة المُعَلَّقَة على مجلات الحائط التى كان يصدرها مع زملائه من طلبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. رأيت فى كلماته وأفكاره تجسيدا واضحا لمعاناة جيل الشباب الذى أنتمى إليه (وقتها). ذلك الجيل الذى آمن بزعامة عبدالناصر وأسلم قياده له وصَدَقَ كل خطبه وحفظ كل كلماته. ثم فوجئ بأحداث يونيو 1967، تُمَرِغ كل أحلامه ومثالياته فى وحل الهزيمة. كان أحمد عبدالله رزة– ابن عين الصيرة ذا النشأة المتواضعة– واحدا من أفراد ذلك الجيل الذى أراد أن يصرخ غاضبا فى وجه الحكام والنخبة المثقفة والسياسيين المحترفين، لماذا خذلتم براءتنا وأفسدتم ثقتنا المطلقة فيكم... لماذا دمرتم بالتوائكم كل المثاليات والأحلام التى آمنا يوما بها وقررنا النضال من أجل تحقيقها... فاستيقظنا فجأة على لطمة الهزيمة... وتهاوت داخلنا كل الشعارات الجوفاء والكاذبة التى ابتلعناها وشكلت وعينا... وعندما تاهت أقدامنا فى وَعْثِ اللاحرب واللاسلم... لفظنا كلماتكم الممجوجة عن «عام الحسم» وعن «أستار الضباب» التى عطلت القرار...

•••

كان أحمد عبدالله رزة فى ذروة ألقه... وفى سفح انكساراته... كيانا إنسانيا مخلصا ورائعا. سعدت بتقاطع مسيرتينا على أرض الغربة فى بلاد الإنجليز، عبر طرقات وداخل قاعات جامعة كامبريدج البريطانية العريقة. تشاركنا حضور محاضرات أنتونى جيدينز (واحدٌ من أهم علماء الاجتماع السياسى فى بريطانيا والعالم)، وتصاعدت أصواتنا فى مناقشاتٍ طويلة مع زملائنا وزميلاتنا من تايلاند وباكستان والبرازيل والمكسيك وبيرو وإريتريا وسريلانكا الذين حملوا هموم عالمنا الثالث فوق ظهورهم وداخل قلوبهم. شاركنى الإقامة لفترات قصيرة فى غرفتى الصغيرة فى Wolfson College بكامبريدج، وهى الكلية المخصصة للدارسين من أبناء العالم الثالث. حيث كان يجد فيها ملاذا آمنا فى لحظات ضيقه، وفى أوقات أزماته الأسرية. كان أحمد يدرس على نفقته الخاصة ويعد أطروحة للدكتوراة فى العلوم السياسية أنفق فيها رحيق حياته. فخرجت أطروحته بعدها كتابا هاما بعنوان:
[The Student Movement And National Politics in Egypt: 1923ــ1973] .
وصدرت أكثر من طبعة عربية للكتاب بعنوان «الطلبة والسياسة فى مصر». بينما كنت وقتها مبعوثا من معهد التخطيط القومى بمصر فى منحةٍ ممولة من المجلس الثقافى البريطانى للحصول على دبلوم فى دراسات التنمية من جامعة كامبريدج.
وعندما دعت جامعة كامبريدج قداسة البابا شنودة الثالث لإلقاء محاضرة عن مصر، قام أحمد بحسه الوطنى الراقى بتنظيم استقبالٍ خاص لرأس الكنيسة الوطنية على باب القاعة التى سيلقى فيها محاضرته. فاصطف كل الدارسين المصريين فى جامعة كامبردج فى صفٍ طويل (كان من بينهم د. عبدالحليم نور الدين عالم الآثار الراحل وأول أمين عام للمجلس الأعلى للآثار). وقد جعلنى أحمد ــ لكونى المسيحى الوحيد فى مجموعة الدارسين ــ أقف فى نهاية الصف، ليفاجأ قداسة البابا بواحدٍ من أبنائه ورعيته ضمن مستقبليه.

•••

كان أحمد وطنيا مخلصا يقطُرُ حبا لمصر ولشعبها. وقد تلاقينا فى حوارٍ مخلص مع عددٍ من الأصدقاء من توجهاتٍ فكرية متعددة فى بداية التسعينيات، كان منهم جورج إسحق وجورج عجايبى وسمير مرقس وإيناس عوض الله ونادر غطاس وألفى شند وصلاح عبدالمتعال وأحمد الجمال ونبيل عبدالفتاح وأحمد بهاء الدين شعبان وعماد صيام وعبدالعليم محمد والأب يوحنا قلته والأب كريستيان فان نسبن والأب وليم سيدهم. كانت أحداث العنف الطائفى والصدام بين الدولة وبعض جماعات التشدد الدينى قد تصاعدت وباتت تهدد استقرار وسلامة المجتمع المصرى العريق. بادر أحمد بالتنسيق معنا إلى دعوة عددٍ من قيادات الشباب الإسلامى للجلوس على مائدةٍ واحدة مع شباب الأقباط وشباب اليسار يتنويعاته، للحوار الجاد والمخلص من أجل سلامة الوطن. جرى الإعداد للحوار تحت مظلة اللجنة المصرية للعدالة والسلام، فى أحد قاعات مدرسة القديس يوسف بمصر الجديدة التى تتبع لراهبات قلب يسوع المصريات (واحدة من رهبانيات بطريركية الأقباط الكاثوليك بمصر). تحاور الجميع بروحٍ وطنيةٍ وإنسانية راقية. ذابت الحواجز وتلاقت الأرواح والعقول خارج صناديق الأحكام والتصنيفات المسبقة. أكدَ لنا كل من شارك فى هذا الحوار الفريد من إخوتنا الإسلاميين (د. إبراهيم البيومى غانم، د. هبة رءوف عزت، د. أحمد محمد عبدالله، د. مجدى سعيد، بالإضافة إلى أستاذنا الجليل الراحل د. صلاح عبدالمتعال الذى كان واحدا من قيادات اللجنة المصرية للعدالة والسلام) أن «الحوار» كان بمثابة تجربة إنسانية حية ومثيرة قربته إنسانيا وفكريا من الآخر المغاير فى الدين والمختلف فى الأفكار. وبدا اللقاء على أرضيةٍ وطنيةٍ صلبة ممكنا بين الإسلامى والمسيحى والماركسى والناصرى والليبرالى، وتأكد للجميع أن الانتماء للوطن يعلو فوق أى انتماءٍ أيديولوجى أو دينى أو مذهبى. وصدر عن جلسات هذا الحوار فى 1994 (بعد عامٍ من وقائع الحوار) كتابٌ رائع بعنوان «الحوار الوطنى» تحرير أحمد عبدالله رزة وجورج عجايبى ومن إصدار اللجنة المصرية للعدالة والسلام.
رحل أحمد عبدالله رزة فجأة فى 6 يونيو عام 2006، بعد عُطْلٍ فى جهاز تنظيم ضربات القلب الذى فشل فى تنظيم انفعالات أحمد الإنسانية الحادة. لم يتح له القدر أن يشهد أحداث الحراك الثورى فى 25 يناير 2011 الذى أسقط سيناريو التوريث لنجل الرئيس (الذى عارضه أحمد بكل قوةٍ وجسارة). لكن كثيرون من رفاق وتلاميذ أحمد عبدالله رزة مازالوا يتطلعون إلى نموذج «المثقف العضوى» الذى جسده بحياته ونضاله فى رحلته الإنسانية القصيرة. ذلك المثقف الذى تخلى عن ثوبه الأكاديمى وبرجه العاجى، ليعيش وسط جماهير وأطفال حى عين الصيرة من الفقراء كخادمٍ لهم يسعى جاهدا من أجل بناء وعيهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم. ويقدم من خلال مركز الجيل للدراسات الشبابية والاجتماعية الذى أنشأه خصيصا من أجلهم، خدمة صحية وتعليمية متكاملة للأطفال العاملين فى المدابغ. لم يكن أحمد عبدالله رزة قديسا، لكنه استطاع فى جسارة أن يغادر حساباته الذاتية الضيقة ليلتحق بالجماهير العريضة على أرضية مصالحها وداخل سياق ثقافتها ونمط حياتها. استطاع أن يحلم بالغد بقلب المناضل العنيد والمتفائل، وأظنه أنه بوعيه المُحَدِق استطاع أن يرى بعينى الرائى ذا البصيرة أن جهده المتواضع فى خدمة الوطن والمجتمع المحلى وبخاصة الأطفال الفقراء والمهمشين فى عين الصيرة سوف يؤتى ثمره ــ ولو بعد حين ــ ثلاثين وستين ومائة.

نبيل مرقس باحث بمعهد التخطيط القومي (سابقاً)
التعليقات