مصر تستطيع بالصناعة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 7:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مصر تستطيع بالصناعة

نشر فى : الإثنين 30 مايو 2022 - 10:15 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مايو 2022 - 10:15 م
حديث متجدد لا يتوقف عن أهمية توطين الصناعة فى مصر، وما يرتبط به ذلك من تعميق المكون المحلى فى كثير من الصناعات ذات القيمة المضافة، والتى يمكن أن تساهم بشكل فعال فى التعامل مع مختلف الأزمات الاقتصادية التى تواجهها البلاد منذ عقود.
هناك حاجة ماسة إلى فهم طبيعة الصناعة كنشاط اقتصادى لا يؤسس على هدف تحقيق أعلى الأرباح فى أقصر وقت ممكن. كذلك تختص كل صناعة بخصائص محددة تجعلها رهنا بدورات متعاقبة للربح والخسارة تعود إلى طبيعة مدخلاتها وموسمية الطلب عليها وعلى مكوناتها والطاقة المستخدمة فى إنتاجها... وهذا التقلب يجعل من رجل الصناعة حالة خاصة من المستثمرين، يمكن أن تتحمل صدمات عدة دون أن توقف نشاطها أو تفر بأموالها كما يفعل أصحاب الأموال الساخنة ومحترفى أنشطة أخرى أسرع ربحية وأقل مكثا فى الأرض بما ينفع الناس ويخلق فرص العمل.
وإذا كان القطاع الصناعى فى مصر لا يساهم إلا بنسبة تصل بالكاد إلى 16% من الناتج المحلى الإجمالى، ولا يخلق فرص عمل إلا لنحو 15% من طاقة العمل، فإن تلك المساهمة الضعيفة تتحقق على الرغم من مختلف التحديات التى يتعرض لها القطاع فى العالم بصفة عامة وفى بلادنا بشكل خاص. أبسط تلك التحديات تتمثل فى منافسة غير عادلة أو متوازنة للنشاط الريعى (كالاستثمار العقارى) والاكتناز (كشراء الذهب) والاستثمار فى أدوات الدين وودائع وشهادات البنوك بعائدات سنوية مرتفعة للغاية (تصل إلى 18% حاليا) لا يمكن أن يحققها أى نشاط صناعى، الأمر الذى يتسبب فى مزاحمة تلك الأنشطة للقطاع الصناعى على مصادر التمويل الشحيحة، ومناط شحها فى مصر يرجع إلى تدنى معدل الادخار المحلى، وتراجع القدرة على جذب الاستثمار الأجنبى المباشر لصالح الاستثمار الأجنبى غير المباشر، الذى يستهدف منتجات الدخل الثابت أو بتعبير أكثر وضوحا أدوات الدين التى تصدرها الخزانة العامة.
• • •
هروب الأموال الساخنة واضطراب سلاسل التوريد على خلفية تفجر الأزمة الاقتصادية العالمية المركبة الراهنة، كان بمثابة ناقوس الخطر الذى أدى إلى نتيجتين: أولا ما يعرف بالتراجع عن مسار العولمة deــglobalization وهو ما يستدعى مزيدا من الاعتماد على المنتج المحلى لسد فجوة الاستهلاك، وتعميق المكون المحلى بمختلف مراحل إنتاجه فى دولة السوق المستهلكة لذلك المنتَج. وقد كان خطاب الرئيس الأمريكى «جو بايدن» فى مستهل فترة رئاسته للولايات المتحدة كاشفا عن اتجاه نحو «أمركة» سلاسل التوريد وتعميق المكون الصناعى فى الولايات المتحدة على نحو تناولناه حينها بشىء من التفصيل فى مقال بالشروق بعنوان «أمركة سلاسل الإمداد» نشر فى 2 مارس عام 2021 والذى جاء فيه «هذا التحرك الأمريكى على الرغم من كونه ليس جديدا، وأن خطوة مماثلة قد قام بها الكونجرس الأمريكى العام الماضى بتمرير تشريع يدعم توطين صناعة أشباه الموصلات تحديدا، يظل مؤشرا على وحدة الإدراك الأمريكى لتحديات عصر ما بعد كورونا. التشريع الذى صدر منذ عام تقريبا كان ينقصه الخطوات العملية لإنفاذه، وفى مقدمتها آليات تمويل المنح البحثية والحوافز الضريبية... وتبقى خطوة «بايدن» التى نحن بصددها من الخطوات النادرة التى أقر فيها توجها استراتيجيا لسابقه «ترامب»، كما أنها تأتى خلال المائة يوم الأولى لحكم «بايدن» ما يضعها ضمن أولويات إدارته الجديدة بشكل واضح».
الأمر الثانى الذى وقر فى رحم الأزمة الاقتصادية العالمية هو إدراك متسع بالدول الناشئة على أهمية الإنتاج بنوعيه الرئيسين الزراعى والصناعى بما يسهم فى نمو ثروات البلاد، ويحقق إضافة ملموسة فى الاقتصاد العينى الحقيقى وليس النقدى فقط. تلك الأهمية تستدعى أن تقدم الدول كل الدعم والمحفزات لجذب الاستثمارات والأيدى العاملة الماهرة المدربة إلى النشاط الإنتاجى، وإزالة العقبات المتعددة من طريقه وفى مقدمتها كل ما يتعلق بالتراخيص والموافقات الرسمية، وتوفير الأراضى المرفقة بسعر مناسب، وتسهيل الوصول إلى مصادر التمويل، وتوفير بيئة استثمار جاذبة، وسوق مال نشطة تتمتع بالسيولة المناسبة لزيادة رءوس الأموال والتخارج المرن... وذلك كله طبعا بعد توفير بنية أساسية جيدة لامتداد هذا النشاط الإنتاجى فى مختلف أرجاء الدولة.
وقد قامت مصر على مدى السنوات الماضية منذ عام 2014 بتوفير أساس قوى من مشروعات البنية الأساسية من طرق وكبارى وموانئ ومطارات وإنشاءات وترع مبطنة وأراضٍ ومدن صناعية مرفقة... بغرض تهيئة المناخ لجذب استثمارات أكثر استقرارا وأقل سخونة وارتباكا فى التعامل مع الأزمات. كانت أولوية الاستثمارات العامة فى الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية تتمتع بنوع من الحياد الإيجابى إذن، كونها تخدم على مختلف أوجه النشاط البشرى وليس الاقتصادى أو الإنتاجى فحسب. وتلك الطفرة يجب أن يتبعها عدد من الخطوات الجاذبة لتدفقات الاستثمار والمحققة لقدر مناسب من الاكتفاء الذاتى السلعى، وخاصة ما يرتبط بمتطلبات الأمن الغذائى بركائزه الأربع (توافر الغذاء، والوصول إلى الغذاء، والاستفادة من الغذاء، واستدامة واستقرار مصادره)، وما يرتبط أيضا بتوافر مختلف السلع الأساسية والاستراتيجية بالأسواق المحلية حتى وإن انقطعت كل سبل التجارة واضطربت سلاسل الإمداد والتوريد.
دول كثيرة اليوم باتت تدرك أن الفوائض المالية لا قيمة لها إذا ما انقطعت أسباب التجارة وحركة تدفق السلع، بل إن مخاطر الأمن الغذائى فى بلاد غنية مثل دول الخليج العربى قد ارتفعت بشدة على الرغم من ارتفاع تصنيف تلك الدول بين الأكثر أمانا غذائيا فى العالم، نظرا لتوافر القدرة الشرائية وعدم وجود قيود على حركة النقد الأجنبى بغرض استيراد المستلزمات الغذائية من الخارج. غير أن الأمر الأهم للأمن الغذائى لدول مجلس التعاون الخليجى هو مخاطر الإتاحة availability risk، والتى تنشأ عندما لا يكون البلد المعتمد على الاستيراد قادرا على الحصول على الغذاء، حتى لو توافرت لديه الموارد المالية الكافية لشرائه.
• • •
أما فى الحالة المصرية فهى أكثر تعقيدا، كون مخاطر الإتاحة تأتى متلازمة مع مخاطر ندرة النقد الأجنبى. أى أننا نجد صعوبة فى تدبير احتياجاتنا من النقد الأجنبى اللازم لاستيراد ما نعجز عن إنتاجه محليا، وبالتالى فإن حاجتنا مضاعفة إلى توطين إنتاجنا وتعميق مدخلاته المحلية، وتخفيض الاعتماد على الواردات. فسواء اعتمدنا استراتيجية الإنتاج بغرض التصدير أو الإنتاج بغرض الإحلال محل الواردات فإن كلا الاستراتيجيتين تعالجان أزمة نقص النقد الأجنبى وتقلصان فجوة الطلب المحلى.
وإذا كانت الندرة الطبيعية تحول دون توافر الكثير من المعادن والمدخلات الأساسية فى مختلف الصناعات، وتحول دون وفرة الموارد المائية اللازمة لكل من الإنتاج الزراعى والتصنيع، فإن هناك الكثير من العقبات الأخرى التى تضيف إلى أثقال الصناعة فى بلادنا. من ذلك ندرة الأيدى العاملة الماهرة المدربة، وغياب التعليم الفنى الجيد، والتعقيد التشريعى والتشابك الإدارى والعقبات البيروقراطية، فضلا عن أزمة التراخيص الصناعية التى بدأ رئيس الحكومة فى الاشتباك معها أخيرا لحل أزماتها بنفسه وبشكل حاسم.
بعد أيام يقام فى مصر مؤتمر مصر تستطيع بالصناعة الذى عادة ما تدعو إليه وزارة الهجرة بالتعاون مع عدد من وزارات المجموعة الاقتصادية. وهذا المؤتمر فى إصداره السادس يسلط الضوء على أهمية توطين وتعميق الصناعة فى مصر، معتمدا على آراء الكثير من الخبراء المحليين والعاملين فى الخارج. وقد شرفت بالمشاركة فى إصدارات سابقة لهذا المؤتمر غير أنى لم أحظ بشرف دعوتى إلى الإصدار الحالى لسبب لا أعلمه! وإذ أتطلع أن يؤتى المؤتمر ثماره ويحقق الغرض المطلوب منه، فإنه يتعين على منظميه أن يفطنوا إلى أهمية الخروج بخطة عمل عاجلة وناجزة للتعامل مع أزمات الصناعة وأسباب تعثرها وعجزها عن اجتذاب الاستثمارات، على نحو أكثر شمولا من آلية المائة إجراء التى تبنتها وزارة التجارة والصناعة والتى أنجزت منها وفقا لتصريحات مسئولة ما يقرب من 65% من الإجراءات. أعنى بالشمول، النظر إلى مستهدفات الاقتصاد الكلى فى التعامل مع أزمة الصناعة وفى تشابكها مع قطاعات أخرى مثل الطاقة والإسكان والمحليات... والحديث يتصل.
مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات