الاحتجاجات الفئوية والبلطجة.. نظرة مختلفة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 5 مارس 2021 9:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

الاحتجاجات الفئوية والبلطجة.. نظرة مختلفة

نشر فى : الإثنين 31 أكتوبر 2011 - 9:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 31 أكتوبر 2011 - 9:35 ص

تعددت الاحتجاجات الفئوية التى ترفع مطالب اقتصادية فى مصر فى السنوات الأخيرة، وازدادت وتيرتها كثيرا فى أعقاب ثورة يناير، وشملت قطاعات عديدة من المواطنين، كما انتشرت أعمال السرقة بالعنف، واختطاف الأشخاص والسيارات، ولا يبدو أنها ستتوقف فى المستقبل القريب، ولذلك انتشر القلق والخوف بين المواطنين، ويميل كثيرون منهم إلى الاعتقاد بأن هذه الأعمال هى النتيجة الطبيعية لغياب أجهزة الأمن، أو لافتقادها الحماس فى القيام بواجباتها فى حماية المواطنين، وقد انهارت معنويات أفرادها بسبب ما جرى لهم أثناء الثورة، إما من فشل فى قمع ثورة شعبية، واضطرار حكومة الرئيس المخلوع لاستدعاء القوات المسلحة لأداء ما أخفقت قوات الشرطة فى القيام به، وإما بسبب ما يتصورونه من هجوم المواطنين على الكثير من أقسام الشرطة فى كل أنحاء مصر، وحرقها لها، ولذلك رحب المواطنون بما حدث فى الأسبوع الماضى من تعاون أجهزة الشرطة مع القوات المسلحة فى الإجلاء القسرى لمن وصفوا بالبلطجية الذين احتلوا شققا مملوكة للدولة فى السادس من أكتوبر، وفى مدينة السويس، واعتبروا ذلك دليلا على الجدية فى تنفيذ وعود المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء فى استعادة الأمن فى البلاد، ويتطلع هؤلاء المواطنون إلى تكرار مثل هذه الحملات فى أماكن أخرى فى مصر لوضع حد للفوضى التى ضربت أطنابها فى البلاد فى أعقاب الثورة، وفى رأى هؤلاء المواطنين وكثيرين من المعلقين أن هذا الحل الأمنى لمشكلة الاحتجاجات الفئوية، ومظاهر الخروج على القانون، هو الذى سيؤدى إلى استتباب الأمن، وعودة السياح، ودوران عجلة الاقتصاد من جديد. لا يشارك الكاتب هذه النظرة لهذه الأحداث، ولا يرى أن المواجهة الأمنية هى التى قد تضع حدا لمثل هذه الاحتجاجات، بل إن الاقتصار على المواجهة الأمنية دون وضع هذه الاحتجاجات فى إطار أوسع من الفهم الصحيح لأسبابها العميقة، قد يؤدى إلى تفاقمها فى المستقبل على نحو يطيح لفترات طويلة بما تميزت به مصر من أمن نسبى على مدى عقود بل وقرون طويلة.

 

 

التفسيرات الشائعة لانفجار الاحتجاجات الفئوية وأعمال العنف

 

 التفسيرات الشائعة لهذه الاحتجاجات الفئوية وأعمال العنف تذهب إلى أنها من صنع قوى الثورة المضادة، فأنصار النظام السابق يحاولون عرقلة مسار الثورة، وإثبات إخفاقها، ولا سبيل أمامهم سوى إثارة الاضطرابات، واستخدام الشكاوى المشروعة للمواطنين لتأليبهم ضد الثورة، ولدفعهم للتحسر على الماضى القريب، والحنين لعودته أو استمرار سياساته، ولكن تعدد هذه الاحتجاجات، وامتدادها فى كل أنحاء مصر، وانخراط مواطنين من قطاعات متنوعة فيها يجعل مثل هذا التفسير غير مقنع، فلم يعرف عن الحزب الوطنى المحلول أنه كان يملك تنظيما على هذه الدرجة من الكفاءة بحيث يكون قادرا على تحريك هذه الجماهير على امتداد البلاد وعرضها، وهناك تصور آخر يبحث عن مؤامرة وراء هذه الأحداث ويلتمسها فى سعى قوى خارجية لتقويض الثورة، وتأتى الولايات المتحدة وإسرائيل فى مقدمة هذه القوى الخارجية، ولكن حتى الآن لا يبدو من سياسات من يحكمون مصر بعد الثورة أنهم يشكلون تهديدا لمصالح أى من هاتين القوتين، فنفس سياسات النظام السابق تجاههما لم تتغير، صحيح أن الحكومة الأمريكية قد يقلقها تصاعد التيار الإسلامى فى مصر، ولكن أسلوبها فى التعامل معه هو الحوار، وقد ينتهى بها الأمر إلى تقبله كما فعلت مع حزب العدالة والتنمية فى تركيا، أو كما هى فى طريقها إلى عمله مع حكومة ترأسها حركة النهضة إسلامية التوجه فى تونس. وهناك تفسير ثالث هو أن هذا الانفجار للاحتجاجات الفئوية وأعمال العنف هو النتيجة الطبيعية لافتقاد حكومة قوية وغياب الأمن، وأنه مع تغيير الحكومة الحالية برئاسة الدكتور عصام شرف واستعادة أجهزة الأمن لدورها المألوف ستنتهى هذه الموجة.

 

  الواقع أن دراسة هذه الأعمال تكشف عن نمط مشترك بينها يوحى بأنها مظاهر لصراع اجتماعى يمكن أن يمتد فى المستقبل ويتسع ليشمل قطاعات أخرى من المواطنين لو اقتصر التعامل معه على المواجهة الأمنية، ولو اكتفى القائمون على أمور الحكم فى مصر بتمنى أن ينقضى عندما تتشكل حكومة قوية. السمة الأولى المشتركة أنه يشمل ما يمكن تسميته بالقطاعات المحرومة من المواطنين، المحرومة من مستوى الدخل اللائق الذى يكفل لها حياة كريمة، أو الذى يمكنها من الوفاء بأبسط احتياجاتها مثل السكن، أو من الخدمات الأساسية من الماء الصالح للشرب أو الذى يكفى لتوفير الرى، أو خدمات النظافة الضرورية التى تقيها الأمراض، والمقصود بالحرمان ليس بالضرورة الحرمان المطلق من كل ضرورات الحياة، ولكنه الحرمان النسبى، وهو الأكثر فاعلية عندما يرى بعض المواطنين أن ما هم محرومون منه يتوافر بكثرة لمواطنين آخرين، وأحيانا دون أن يبدو أن ما يقوم به هؤلاء المواطنون الآخرون المحظوظون هو أعمال تتساوى قيمتها وأهميتها مع الامتيازات التى يتمتعون بها. وقد تضاعف هذا الشعور بالحرمان النسبى بعد الثورة لأن نفس هؤلاء المواطنين الذين يشاركون فى هذه الاحتجاجات هم الذين شاركوا فى الثورة واستجابوا لنداءات طليعتها على أمل أن تتحقق لهم بعد الثورة تطلعاتهم المشروعة، وهو ما لم يحدث.

 

السمة الثانية أن هناك قطاعات من المواطنين لم يسبق لها أن شاركت فى أى احتجاجات على نطاق واسع، ولكنها تدخل دائرة التمرد للمرة الأولى ومن المحتمل أن تستمر فيه ما لم تتم الاستجابة لمطالبها مثل المدرسين وأمناء الشرطة وناقلى الأمتعة بالمطارات. بل إنه حتى فيما يوصف بالبلطجة فإن شهادات كثيرين من المراقبين والتقارير الصحفية تظهر أن كثيرين من المنخرطين فيها يمارسونها لأول مرة فى حياتهم، وأنهم ليسوا من البلطجية الذين تعرفهم أجهزة الأمن أو من قامت بتشغيلهم سابقا، وإنما هم عناصر جديدة تماما على مثل هذا النوع من الأنشطة، بل الأدهى من ذلك أن بعض الأعمال التى توصف بالبلطجة ليست فى حقيقة الأمر بلطجة بالمعنى الدقيق،         وإن، كانت بكل تأكيد خروج على القانون، وأبرز مثل على ذلك هو المواطنون الذين احتلوا شققا فى مشروع بيت العائلة فى مدينة السادس من أكتوبر ومدينة السويس، فهم أسر تفتقد المسكن اللائق، بل يبدو أنه قدمت لهم وعود بالحصول على هذا المسكن، ولم تتحقق هذه الوعود، ولذلك قرروا أن يحصلوا بأنفسهم على ما يعتبرونه حقا مشروعا لهم فى غيبة حوار مع ممثلى دولة لا تلقى لهمومهم أى بال، والسكن هو بالفعل حق مشروع لكل مواطن، ولكن الدولة المصرية أخفقت حتى الآن فى تحديد طريق واقعى للوفاء بهذا الحق.

 

والسمة الثالثة أنه فى مواجهة هذه القطاعات المحرومة توجد قطاعات محظوظة أو تبدو كذلك للمحرومين، هناك كبار الإداريين والمستشارين فى مواجهة المعلمين، وهناك الضباط فى مواجهة أمناء الشرطة، وهناك ساكنو الفيللات فى مواجهة الباحثين عن سكن لائق فى مدينة السادس من أكتوبر. هذه الاحتجاجات الفئوية وأعمال العنف هى إرهاصات لصراع طبقى على مستويات محلية وبصور متناثرة، وهذا هو المتوقع فى غياب الوعى السياسى والتنظيمات الجماهيرية، وهو قريب مما تصفه أدبيات علوم الاجتماع بالتمرد البدائى.

 

 

ماذا يكون سبيل المواجهة؟

 

من الخطأ البالغ تصور أن تقوية أجهزة الأمن والتعاون بين الشرطة والقوات المسلحة هو الذى سيضع حدا لهذه الأفعال. بل قد يؤدى ذلك إلى تفاقمها ويعمق الأزمة بين المواطنين وأجهزة الأمن. لقد قاوم المواطنون القوات المسلحة وقوات الشرطة التى ذهبت لإجلائهم عن شقق بيت العائلة فى مدينة 6 أكتوبر. هذه الاحتجاجات هى نداءات عاجلة بتوفير حاجات أساسية للمواطنين وبتحقيق شعارات الثورة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وهى تقتضى العدول عن المواجهة الأمنية وتبنى خطاب سياسى يطمئن المواطنين أن مطالبهم المشروعة هى نصب اهتمام الحكومة، ويترافق الخطاب والتواصل به مع تبنى استراتيجيات وسياسات تسعى للاستجابة لهذه المطالب، والبرهنة على جدية ذلك باتخاذ خطوات عملية لبدء هذه الاستجابة. وبدون ذلك فما يبدو وكأنه إرهاصات بصراعات طبقية متناثرة ومحدودة قد يتحول إلى صراع شامل لا يبقى ولا يذر فى مستقبل ليس بالبعيد.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات