عندما أعلنت واشنطن عملية «مشروع الحرية» لضمان الملاحة فى مضيق هرمز، لم تكن بكين تراقب المشهد من بعيد فحسب، بل كانت تتابع اختبارًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لمستقبل النفوذ الأمريكى فى الخليج. فبينما واجهت البحرية الأمريكية تصعيدًا إيرانيًا منخفض الكلفة وعالى التأثير، بدت الصين وكأنها المستفيد من استنزاف منافسها الرئيسى، إدراكًا منها أن أى تراجع أمريكى فى المنطقة يفتح بداية المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية فى الشرق الأوسط على الأقل.
لطالما نظرت الصين إلى مضيق هرمز باعتباره أكثر من مجرد ممر لتدفق النفط، بل بوصفه عقدة حيوية فى «مبادرة الحزام والطريق». ولكن تأمين المضيق لم يقع على عاتق بكين، بل هو مسئولية واشنطن. ومن هذا المنطلق، ترى بكين أن الاعتماد الأمريكى التقليدى على التفوق العسكرى لضمان أمن الممرات البحرية يواجه تحديات متزايدة أمام نموذج إيرانى قائم على الحرب غير المتكافئة واستخدام أدوات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية. ففى الوقت الذى تستهلك فيه أمريكا صواريخ توماهوك التى يتجاوز سعر الواحد منها مليونى دولار، تستخدم إيران طائرات مسيرة لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 20 ألف دولار، وبعد تدفق المكونات الصينية انخفض السعر إلى أقل من 10 آلاف، مما يحدث اختلالًا فى معادلة التكلفة لا يمكن للبنتاجون تجاهله، ويؤكد أن التقدم التكنولوجى قد ينقلب إلى ثغرة بالغة الخطورة لصالح الخصم.
تشير تقارير غربية، بينها ما نشرته «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست»، إلى استمرار تدفق معدات مزدوجة الاستخدام وتقنيات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والزوارق السريعة إلى إيران خلال السنوات الماضية، الأمر الذى ساهم فى تطوير قدرات طهران فى مجال الحرب البحرية غير التقليدية. وتعتبر دوائر استراتيجية أمريكية أن هذه القدرات رفعت كلفة أى مواجهة مباشرة فى الخليج إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بعد أن أظهرت الأيام الماضية قدرة إيران على استهداف ميناء الفجيرة الإماراتى، الذى كان يصدّر نحو مليونى برميل يوميًا من بوابة هرمز، ما يضيف بُعدًا جديدًا لتهديدات طهران التى لا تقتصر على المضيق وحده.
• • •
لكن الرهان الصينى يتجاوز البعد العسكرى. فبكين تدرك أن أى تراجع فى قدرة الولايات المتحدة على فرض الأمن البحرى فى الخليج قد ينعكس مباشرة على بنية النظام الاقتصادى العالمى الذى تقوده واشنطن منذ عقود، خصوصًا فيما يتعلق بهيمنة الدولار على تجارة الطاقة. وفى هذا السياق، تبدو أزمة هرمز بالنسبة إلى الصين فرصة لتسريع التحول نحو ترتيبات مالية وتجارية بديلة، تشمل توسيع استخدام اليوان فى تسويات الطاقة مع دول الخليج. فبينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا داخلية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، حيث تجاوز سعر جالون البنزين 4,5 دولار، إضافة إلى تكاليف الانتشار العسكرى فى الخليج، تعمل بكين على تعزيز حضورها الاقتصادى عبر عقود طويلة الأجل وشبكات استثمار وتمويل مرتبطة بمشروع «الحزام والطريق».
يلاحظ محللون أن الخطاب الإيرانى الأخير بشأن إدارة أمن المضيق يتقاطع مع الرؤية الصينية القائمة على إنشاء ممرات تجارية آمنة عبر شراكات إقليمية بعيدة عن الهيمنة الغربية التقليدية. كما أن أى مسارات بديلة للتصدير خارج هرمز تبقى، جغرافيًا وأمنيًا، ضمن نطاق التأثير الإيرانى، ما يمنح طهران هامش ضغط إضافيًا فى أى معادلة إقليمية. وقد نستثنى من هذه المسارات التصدير عبر الممر اللوجستى متعدد الوسائط (الخليج-نيوم-سفاجا-دمياط-أوروبا) الذى شهد نشاطًا ملحوظًا منذ منتصف إبريل الماضى. وبعد هذا الاستطراد نعود لنطاق التأثير الإيرانى فى هرمز الذى تجلى بوضوح عندما أعلنت واشنطن تعليق عمليتها العسكرية بعد أقل من 48 ساعة تحت عنوان «إعطاء فرصة للمفاوضات»، بينما كان وزير الخارجية الإيرانى موجودًا فى بكين بالتزامن مع استعدادات لعقد لقاءات أمريكية - صينية رفيعة المستوى فى 14 مايو الجارى.
تزداد أهمية هذا التطور فى ضوء التوقيت السياسى الحساس فى واشنطن، حيث يراهن مساعدو الرئيس ترامب على أن الصين قد تضغط على إيران لقبول هدنة مؤقتة قبل زيارة ترامب المرتقبة. لكن السؤال الذى يطرح نفسه، ما الثمن الذى ستطلبه بكين مقابل هذه الوساطة؟ تقارير استخباراتية تشير إلى أن الصين قد تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع نفوذها الاقتصادى فى الخليج، وعدم الاعتراض على دورها كضامن لأمن الطاقة فى المنطقة، وهو ما يعنى عمليًا الاعتراف بشراكة صينية - إيرانية فى إدارة واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية فى العالم.
كما لفت محللون عسكريون إلى أن التصريحات الأمريكية المتعلقة بجاهزية قوات التدخل السريع (الفرقة 82 المحمولة جوًا) قد تعكس تركيزًا أكبر على تأمين المنشآت النووية الإيرانية والسيطرة على اليورانيوم المخصب، أكثر من ارتباطها بإعادة فتح الممرات البحرية بالقوة. وهو ما يؤشر إلى تعقيد الحسابات الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة، حيث تتشابك أهداف فتح المضيق مع أهداف نزع السلاح النووى، وتتداخل مع الضغوط الإسرائيلية التى تدفع باتجاه تدمير البنية النووية الإيرانية وليس فقط التفاوض عليها.
• • •
فى الخلفية، يبرز عامل آخر لا يقل تأثيرًا، يتمثل فى تعقيدات العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبينما تميل بعض الدوائر الأمريكية إلى احتواء التصعيد عبر التفاوض (ولو وفق شروط مجحفة)، تدفع أطراف إسرائيلية باتجاه تشديد الضغوط ومنع أى تسوية قد تمنح طهران مكاسب استراتيجية أو سياسية، لا سيما تقييد حرية الحركة للجيش الإسرائيلى فى لبنان. وتشير تقارير إلى أن إدارة ترامب عينت مؤخرًا مساعدين لهم خلفيات فى مؤسسات مؤيدة لإسرائيل بقوة، مما قد يعمق الانقسام الداخلى حول مسار المفاوضات. وفى كل الأحوال، تبقى الصين المستفيد الأكبر من هذا الانقسام، لأن أى استمرار للصراع أو تعقيده يُبقى أمريكا غارقة فى مستنقع الخليج، ويبعد تركيزها عن التحدى الأكبر فى آسيا.
غير أن الصين تبدو اليوم اللاعب الأكثر رشادة وربحًا فى هذه اللعبة المعقدة. فهى لا تخوض الحرب، ولا تدفع ثمنها، ولا تتحمل عداء أى طرف. وهى تراقب عن كثب تآكل الفعالية العسكرية الأمريكية فى بيئة حرب غير متكافئة، وتوثق نقاط الضعف فى المنظومات الدفاعية الباهظة الثمن، وتستثمر فى تطوير أسلحة من الجيل التالى (مسيرات، ذكاء اصطناعى، حرب إلكترونية) أثبتت فعاليتها فى هرمز. والأهم أنها تبنى، بالتوازى، نظامًا اقتصاديًا موازيًا يقوم على اليوان والشراكات طويلة الأجل، قد يغير قواعد اللعبة فى أسواق الطاقة لعقود قادمة. لذلك فكل يوم تمر فيه أمريكا عالقة فى هرمز، دون تحقيق نصر حاسم أو خروج كريم، تزداد أسهم بكين فى بورصة الشرق الأوسط. السؤال لم يعد ما إذا كانت أمريكا ستخسر الخليج، بل كم ستكسب الصين من هذه الخسارة، وما إذا كانت إسرائيل ستسمح لأمريكا بالخروج ولو بعد حين؟
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية