لم تطلق إيران صاروخا واحدا على الأسطول الأمريكى فى مضيق هرمز، ولم تنفجر ألغامها البحرية فعليا، لكن مجرد وجودها شلَّ حركة الملاحة الدولية، واستطاعت إيران فرض إرادتها على أقوى بحرية فى العالم. والولايات المتحدة، بدورها، فرضت حصارا بحريا على إيران. وفى ظل هذا التصعيد، تحرك الوسطاء حتى وصلنا إلى مشارف الجولة الثانية من المفاوضات.
قبل استعراض مواقف أطراف المفاوضات، نستذكر المفارقة التى يجب أن نتوقف عندها: أن أمريكا التى دمرت نصف الأسطول الإيرانى فى ساعات عام 1988، عجزت اليوم عن فتح ممر مائى لا يتعدى عرضه بضعة كيلومترات. لماذا؟ لأن إيران تعلمت الدرس. أدركت أن المواجهة المباشرة مع البحرية الأمريكية انتحار، فابتكرت حلا عبقريا فى بساطته، منع الأسطول الأمريكى من الوصول إلى نقطة المواجهة أصلا. كيف؟ بالألغام. لغم بحرى واحد تكلفته لا تتجاوز 1500 دولار، يُزرع من زورق صغير فى دقائق، لكنه يحتاج إلى أسابيع أو شهور لتطهيره، بتكلفة تزيد آلاف المرات.
لقد طورت إيران الألغام السوفيتية القديمة، وصنعت سبعة أجيال محلية، وامتلكت حوالى خمسة آلاف لغم بحرى. وابتكرت ألغام قاع تثبت فى الرمال وتستشعر السفن من فوقها عبر التغيرات الكهرومغناطيسية، وألغاما صاروخية تبحث عن هدفها بنفسها وتطلق صاروخا موجها، وألغاما لاصقة تلتصق ببدن السفينة. كما طورت غواصات صغيرة يتم التحكم بها عن بُعد، تحمل الألغام فى جوفها مثل المُسيَّرات.
وفى هذا السياق، كانت واشنطن قد سحبت كاسحات ألغامها من الخليج العربى فى سبتمبر 2025 لنقلها إلى تايوان، علما بأن لديها أربع كاسحات أخرى خرجت من الخدمة تماما. ولذلك طلبت المساعدة من أوروبا، التى تمتلك 30 كاسحة ألغام، لكنها قوبلت بالرفض. والأسباب منطقية من وجهة النظر الأوروبية؛ فلماذا نرسل كاسحاتنا لتصطادها إيران بالمسيَّرات والزوارق الانتحارية فى ممر مائى ضيق؟ علما بأن الأوروبيين يخشون سببا آخر؛ فالمضيق يحتجز قرابة 190 ناقلة تحمل حوالى 180 مليون برميل. فإذا شعرت إيران بالخطر، فستفجر الناقلات، وسيكون لذلك تبعات اقتصادية هائلة على العالم.
ولقد استثمرت إيران الأزمة لصالحها حتى فى عز الإغلاق، فكانت تسمح لسفن مختارة بالعبور: سفن صينية، وأخرى تابعة لشركات فى الإمارات، وسفن هندية وتركية وباكستانية وعُمانية. والمفاجأة أن معظم هذه السفن تتبع «أسطول الظل» الإيرانى، الذى اخترعته طهران لتجاوز العقوبات عبر تأسيس شركات وهمية فى الإمارات ودول ثالثة. بهذه الطريقة، حولت إيران الأزمة إلى فرصة ذهبية لبيع نفطها المحظور، بينما تضرب أى سفينة تحاول العبور دون إذنها.
بالتالى، أصبحت إيران استراتيجيا الآن أقوى مما دخلت عليه الحرب. فقد حققت ما عجزت عنه عبر عقود من المفاوضات: شرعية نظامها الذى كان ينهار تحت وطأة الاحتجاجات، وامتلاك 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب دون تفتيش، وصواريخ تصل إلى عواصم أوروبا، ومطالبة أمريكا بتعويضات ربع تريليون دولار، بل وفرض رسوم عبور على مضيق كان دوليا مجانيا.
فى المقابل، ماذا حققت أمريكا؟ خسرت أكثر مما تتخيل. خسر الرئيس ترامب شعبيته داخليا، لدرجة تشكيل لجنة لفحص أهليته للاستمرار فى الحكم. وخسرت هيبتها كقوة بحرية لا تُقهر، وأثبتت للعالم أن طائراتها الشبحية F-35 التى يفخر بها سلاح الجو الأمريكى يمكن رصدها وإصابتها بصواريخ الدفاع الجوى.
• • •
فلماذا تتنازل إيران فى المفاوضات؟ لديها كل أوراق الربح: المضيق تحت سيطرتها، والعالم يحتاج نفطها، وأوروبا تخشى صواريخها، وأمريكا عاجزة عن غزوها بريا. ومن منطلق العقل والمنطق، من يملك أوراق القوة لا يتنازل، بل يطلب المزيد.
لذلك نتوقف عند تطور لافت؛ إذ رصدت الولايات المتحدة الأمريكية استعدادات يمنية فعلية لإغلاق مضيق باب المندب، مع تحذير إيرانى صريح بأن أى خطأ أمريكى قد يؤدى إلى إغلاقه، مما يضع العالم أمام احتمال إغلاق متزامن لشريانين حيويين من شرايين الطاقة والتجارة.
إن الاستعدادات اليمنية لم تبقَ فى حدود التهديدات النظرية، فقد أعلن الحوثيون أن التدخل العسكرى فى المعركة سيكون «تدريجيا»، ورفعوا حالة الاستعداد القتالى فى جزيرة ميون الاستراتيجية، التى تقع فى قلب المضيق، إلى أعلى مستوياتها.
• • •
لماذا الآن تخرج هذه الورقة التى احتفظت بها طهران طوال الحرب كخيار استراتيجى؟ الخوف من الخداع. فمنذ أن فرضت واشنطن حصارها البحرى على الموانئ الإيرانية، لم تتمكن من إخفاء حركة القوات العسكرية التى تتدفق إلى المنطقة. حاملة الطائرات «جورج بوش» تحمل 6000 جندى، وسفينة الإنزال «بوكسر» تقترب، وعلى متنها 4200 من مشاة البحرية، لينضموا إلى أكثر من 50 ألف جندى أمريكى موجودين بالفعل. هذه القوات خيار عسكرى على طاولة المفاوضات.
حذرت روسيا إيران بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان مفاوضات السلام كغطاء للتحضير لعملية برية ضدها. ومن ثم قرأت إيران المشهد جيدا: أمريكا تريد مفاوضات لإلهائها، بينما تحاول إسرائيل فصل مسار لبنان عن إيران ومضيق هرمز. فكان رد طهران: لن ننتظر حتى تكتمل استعداداتكم، سنفتح جبهة جديدة الآن قبل أن تبدأوا أنتم الحرب.
قبل أيام، تم الكشف عن أن إيران حصلت على قمر صناعى صينى متطور للتجسس من طرازTEE-01B، واستخدمته لرصد واستهداف القواعد الأمريكية فى المنطقة. وبالرغم من نفى الصين ذلك بشدة، فإن مجرد تداول هذه المعلومة فى هذا التوقيت يضيف طبقة جديدة من التعقيد؛ إذ يشير إلى تزايد قدرة إيران على مراقبة تحركات الأسطول الأمريكى واستهدافه.
إذن، نحن أمام سيناريو معقد. إيران ترسل رسالة واضحة: «لا تحاولوا استغلال الهدنة للاستعداد لحرب، وإلا سنضرب أولا». وأمريكا، من جانبها، ترسل رسالة مضادة: «نحن نمتلك القوة، ونستعد لجميع الاحتمالات». هذه ليست مفاوضات بالمعنى التقليدى؛ إنها مباراة بوكر.
• • •
النقطة الفارقة هنا أن الطرفين بحاجة إلى الاتفاق. ترامب يريد صفقة لإنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر، بينما الضغوط الاقتصادية داخل أمريكا تتصاعد. وإيران، رغم مكاسبها الاستراتيجية، تئن من نتائج القصف الذى دمر أكثر من 13 ألف هدف، وأحدث أضرارا هائلة ببنيتها التحتية. لذا قد يكون التصعيد الكلامى المتبادل مقدمة تفاوضية.
المفاوضات الآن فى طريق وعر. الوفد الأمريكى بقيادة نائب الرئيس جى دى فانس وضع خطين أحمرين غير قابلين للتفاوض: إزالة كل مخزون اليورانيوم المخصب من إيران، والتزام قطعى بعدم تطوير سلاح نووى. وطالبوا بتجميد التخصيب لمدة 20 عاما.
فى المقابل، عرضت إيران تجميد التخصيب لمدة 5 سنوات، ووضع اليورانيوم المخصب تحت إشراف دولى بدلا من نقله خارج البلاد، لكنها أصرت على الحق فى التخصيب داخل أراضيها.
إذن، إيران مستعدة للتجميد، لكن ليس لترك حلمها النووى، بينما أمريكا تريد إزالة التهديد من جذوره. والسؤال الآن، فى حال فشل جولة المفاوضات الحالية، ليس: هل ستُفتح المضائق؟ بل: هل أمريكا مستعدة لدفع الثمن لفتحها؟
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية