طلبكم مرفوض - شريف عامر - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 مارس 2026 3:43 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

طلبكم مرفوض

نشر فى : الإثنين 16 مارس 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الإثنين 16 مارس 2026 - 5:55 م

توشك الإجازة الرمضانية على الانتهاء، وكان من المفترض أن تكون ممتعة، وأن أعود لعملى كما يقولون فى كتب التنمية الذاتية التى لا أصدقها: متجدد النشاط، إيجابى، وسعيد بلا مبرر!
على امتداد الإجازة، حاولت وفشلت، كررت المحاولة، وتكرر الفشل.
كيف أصرف نفسى عن الزلزال القائم؟ بعض الدراما التليفزيونية تصلح الأمور، وتشتت الذهن بعيدًا ولو قليلًا، لكن الشاشة الشيطانية الأصغر ملتصقة بيدى، مهما ألقيتها بعيدًا، ارتدت عائدة فى كفى!!
الشاشة الأكبر تكفل بها صديقى ومديرى محمد عبد المتعال فجعلها جاذبة ساحرة كما أجاد منذ سنوات.
لكن الطبيعة الشخصية تحكم، وإدمان الأخبار يجبرنى على البحث فى أماكن أخرى دون إزعاج لزوجتى العزيزة التى تكتفى بسؤالى عن تطورات الأمور، بينما تهرب فى الضحك على كوميديا «هى كيميا» التى أنتجها الراقى عبدالله أبو الفتوح، الذى ينعكس رقيه الشخصى على كل ما يفعل، ويقرر محمد عبد المتعال وفريقه أن تكون أمامها فى هذه اللحظة، بينما أنا بين شاشتين.


أيام وأسابيع، غرقت فى المتابعة والرصد لتفاصيل هذا المشهد المتفجر الذى نعيشه ونتعايش معه، وأوشكت أن أقع فى الفخ. حسابات على التواصل الاجتماعى تحاصرنى وتطلب وربما تأمر بما يلى:


• أنسى كل تاريخ بعيد وممتد تعلمته وعرفته، وكل تاريخ قريب، شخصى كان أو عام، عشته ولمسته، وعلى أن أقبل كل معلومة مجتزئة أو ناقصة، أو كاذبة، وهكذا ولا مفر، مطلوب منى:
• أنسى شهورًا وأيامًا طويلة من شبابى عاشها معى شاب كويتى كان يدرس فى القاهرة، ثم انضمت له أسرته حتى مرت أزمة اختطاف بلدهم وعودتها.
• أنسى المواطن العراقى الذى جاورنى فى سنوات زواجى الأولى. جاء يعيش معى فى الحى السادس فى مدينة 6 أكتوبر شهورًا، وأعوامًا، ثم عاد إلى عراقه بعد أن استقرت الأمور.
• أنسى الشاب اليمنى الذى حكى لى عن علاج أخيه فى مستشفيات القصر العينى، بعد أن هاجمت الأورام جسده خلال دراستهما فى القاهرة. كان يحكى لى متدفقًا فوق كوبرى الجامعة، وهو لا يعلم أنه يتحدث مع مذيع فى برنامج وليس سائق تاكسى.


• • •


يطلب منى حساب لا أعرف صاحبه، ولا دوافعه، ولا شىء عنه سوى مرارته وحقده أن أمحو صور ذاكرتى وتجاربتى الشخصية:


• أنسى أخى كريم عامر الذى طلبت منه العودة للقاهرة إذا دعا الأمر، فقال: «أنا تمام، ومطمئن، ولا يوجد أى داعٍ لإزعاج البنات بانتقالات وتجارب مزعجة».
كريم يقيم فى دبى منذ أكثر من عشر سنوات، وسيستغرب صاحب الحساب الموتور على التواصل الاجتماعى، أن زوجة أخى التى كانت فى مهمة عمل بالقاهرة، أصرت على أن تكون هى فى أول رحلة عودة إلى منزلهم فى دبى، لا أن يكون كريم والبنات على أول رحلة مغادرة لدبى.


ومزيج من الانفعال والجهل، يستمر حساب آخر فى الإلحاح:


• أن أنسى حسام أبو الفضل، صاحب العمر الذى جمعتنى به حضانة مدرستى وحتى الآن فى صداقة تقهر الزمن والمكان. فتحت له العاصمة السعودية الرياض أبوابها منذ ثمانى سنوات. أتكلم مع حسام عدة مرات فى اليوم، نضحك ونتجادل، وأعيب عليه عاداته ويعيب علىَّ عاداتى. يسألنى عن صحة الأخبار وكأننى مذيعه الشخصي، أو صحفى أعمل له وحده، ثم يقول بحسم: «الأمور زى ما اتفقنا ومفيش تغيير. حأجى لك فى إجازة العيد يومين وأرجع».
قبل حسام، أنسى عماتى الأستاذتين صفية وفاطمة عامر. أتذكر حجز مكالمات الترنك كى تصل للبيت ويطمئن أبى على شقيقتيه والأسرتين اللتين عاشتا عمرًا فى مدن المملكة ومدارسها.
• أنسى حمايا العزيز، أستاذ فاروق بكرى الذى حكيت لكم عنه من قبل. عاد متقاعدًا فى التسعينيات، يحكى عن صور وأيام وقصص كورنيش جدة، ومشوار الحج البرى الذى صمّم أن تنضم له بناته الثلاثة، التى أكرمنى الله بأن جعل أكبرهن رفيقة عمرى ودربى.
• أن أنسى الأخوين أيمن وياسر حامد. كان وجودهما هو الشرط الوحيد كى تسمح لى أمى بالابتعاد عن المنزل ولو بضعة أمتار خارج حديقة العمارة. أيمن وياسر أبناء الحج حامد الموظف الكبير فى السفارة السعودية، جارنا فى 46 شارع الرياض، والذى وعيت على عائلته وصادقت أبناءه فى سنوات الطفولة المؤسسة.


• • •
هذه لمحات ونماذج متناثرة من ذاكرة تحمل أكثر. أنظر حولى لمعارف آخرين، فأجد عند كل منهم نفس ما عندى ويفوقه. أعود للشاشة فى يدى، فأجد صاحب الحروف الغاضبة على مواقع التواصل مازال يلح أن أنسى، وأنسى، وأنسى.
سواء فى القاهرة أو الجيزة أو الفيوم أو سوهاج، من الرياض أو أبو ظبى أو دبى أو الكويت، هل ممكن أن أنسى كل هؤلاء الملايين الذين عاشوا وتفاعلوا وانصهروا مع ملايين آخرين؟
هو وغيره يُلِحّون فى هستيريا، أن أتفاعل معهم، فآخذ منهم وأرسل، غضبًا ومرارة!
ببساطة ومباشرة:
العبوا غيرها..
طلبكم مرفوض.

التعليقات