الحالة الغريبة للسيد سلامة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 19 أبريل 2026 9:36 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

الحالة الغريبة للسيد سلامة

نشر فى : السبت 18 أبريل 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : السبت 18 أبريل 2026 - 6:30 م

تبدو روايات التحوّل والغرابة مفارقةً عنيفةً للواقع، وفرارًا لا بديل عنه من الحياة الضيقة إلى رحاب الفانتازيا، بينما لو تأملنا هذه الروايات بعمق، لوجدناها محاولةً لخلق مسافةٍ أوسع مع الواقع، ثم العودة من جديد لتأمل أسئلته الصعبة؛ أى إننا ننفصل عنه بحدّة، لنعود إليه بعمق، وبمزيدٍ من التأمل الخلّاق.


أمثلة كثيرة لهذه الأعمال المدهشة، منها «التحوّل» لكافكا، حيث يجسد انتقال بطلنا إلى حشرة معانى المهانة والاغتراب، ومثل «دكتور جيكل ومستر هايد» لستيفنسون، حيث ينعكس الخير والشر على مرآة الجسد، ومثل «الحالة الغريبة لبنجامين بوتون» لفيتزجيرالد، حيث تتحقق أمنية الزمن العكسى، ومثل روايات «الثدى» لفيليب روث، و«الأنف» لجوجول، حيث تتضخم معالم جزء من الجسد، فنعيد قراءة واقع الشخصية، وأزماتها النفسية والعاطفية والفكرية.


ورواية محمد عبد النبى الصادرة عن دار المحروسة بعنوان «شىء إلهى» تستخدم أيضًا ببراعة ثنائية الغرابة والتحوّل، لكى تطرح أسئلة حياة بطلنا سلامة، وواقعنا كبشر؛ فليست الغرابة (أو المعجزة) مقصودةً لذاتها، ولا هى لعبة مجانية ظريفة، ولكنها «المعادل الفنى» لتلك المسافة المطلوبة، التى تعيدنا من جديد لتأمل حياة بطلنا البائس والمهمش، وتأمل حياة الإنسان عمومًا، وقد نجح عبد النبى فى تحقيق ذلك نجاحًا باهرًا.


أولى خطوات النجاح هى إتقان بناء شخصية سلامة، الذى استيقظ ذات يوم، فوجد بطنه منتفخة، وفسيولوجيا جسده تتغير فى اتجاه يؤكد أنه حامل فى جنين، أطلق عليه اسم «شىء»، أى إننا أمام رجل وافر الرجولة يتحوّل إلى أنثى حامل فى ثلاثة شهور، بل إن هذا «الشىء» يتحدث معه بغير لسان أو لغة، وبطريقةٍ أقرب إلى التخاطر.


رُسمت شخصية سلامة الواقعية بمنتهى الدقة، بل يمكن قراءة الرواية كلها باعتبارها دراسةً اجتماعيةً ونفسيةً لرجل فقير وحيد غير متزوج فى منطقة شعبية هى باب الشعرية؛ يصفونه بالبلاهة، بالكاد التحق بوظيفة عامل نظافة فى أحد البنوك، وصل إلى سن الأربعين دون طموح أو أحلام، وعليه الآن أن يتعامل مع «شىء» فى بطنه، سيفتح له أبواب العالم، وكذلك أبواب أسئلة ماضيه كله.


ملف تفصيلى عن حياة السيد سلامة منذ مولده، يؤكد لنا أن حالته الغريبة هى أيضًا حيلة فنية لقراءة حياة شخص عادى بالعمق، وأن الشىء الذى اقتحم حياته سيكون سببًا فى مواجهته لذاته، والخروج من عالمه الضيق المحدود؛ فالشىء هو نقيض تلك العادية، إنه الغريب والاستثنائى، بل هو المعجزة الخارقة، فلسنا هنا أمام سيدة تحمل دون أن يمسسها رجل، ولكننا أمام رجل يحمل دون أى تجارب طبيعية للتواصل الجنسى المعروف!


ثانى خطوات نجاح المعالجة هى التعامل الواقعى مع هذا الحدث الاستثنائى، أى إن بطلنا سيأخذ خطوات تدريجية فى التعامل مع هذا الشىء، وفى محاولة تفسير ما يشعر به من تغيّرات فسيولوجية تكاد تصف أحوال المرأة الحامل، ليصل سلامة أخيرًا إلى مركز «حياة سعيدة» لأطفال الأنابيب، حيث يتم التعامل معه باعتباره حالةً طبيةً شاذة، وهذا أيضًا أمر مقبول واقعيّا.


هذا التضفير بين سيرة سلامة فى الماضى، وسيرة حالته الغريبة، والشىء الذى يحمله فى بطنه، يربط بينهما بقوة، ويجعل غرابة حالته مرآةً لظروفه وأحواله التى لم يعبّر عنها أبدًا، وينقل القارئ بسلاسة بين «اللاشىء» الذى تمثله حياة سلامة المهمش، و«الشىء» الذى تكوّن فى داخله، والذى يصبح أنيسه ومحاوره، بل هو نديمه الوحيد، والآن هو يريد التخلّص منه، لأنه فى غنى عن الفضائح.


ثالثة خطوات النجاح الفنى للرواية هى طرح الأسئلة عن واقع الشخصية وواقع البشر عمومًا، وهى أسئلة صعبة ووجودية.


سؤال السعادة محورى فى رواية «شىء إلهى»، ولكنه ليس السؤال الوحيد، وإنما لدينا أسئلة كثيرة متداخلة؛ فالمهمش سلامة يصبح فى قلب الضوء بسبب حالته، والذى لا يراه أحد فى باب الشعرية يرونه ويطلبونه فى أمريكا، والمحروم من المرأة يعرف جسدها أخيرًا، وخامل النشاط والعقل يزوده الشىء بمعلومات مذهلة عن كل شىء، وكأنه ذاكرة صناعية خارقة.


لدينا إذن أسئلة الاغتراب والونس، والعقل والجسد، والذكر الذى يتحوّل إلى أنثى، والعادى الذى صار خارقًا رغمًا عنه، ثم أخيرًا سؤال الاختيار الوجودى بين أن تسقط قدرًا كخرقة بالية، مثلما حدث لأبيه ولأخيه ولأمه، أو أن تحلّق اختيارًا فى الهواء.


لا تظهر تلك الأسئلة دفعة واحدة، وإنما تدريجيّا، لأن سلامة يكتشف ذاته عبر اكتشاف حالته الغريبة، التى تترجم بدورها واقعه الأكثر غرابة، ولكنه كان قد تعايش مع هذا الواقع، حتى نبّهه الشىء إلى مأساته الأصلية، ومنحه شعور المعجزة الخارجة من قلب العادى والتافه والهامشى.


بسبب هذا النضج فى المعالجة، ونحن أمام رواية شخصية واحدة بامتياز، ونتيجة ضبط العلاقة بين العادى والغريب الشاذ، يمكن بسهولة أن ينفتح باب التأويل الرمزى لهذا «الشىء»، رغم أنه يُقدَّم فى النص بصورة واقعية تمامًا، ولكنه صار يحتمل تأويلات كثيرة مدهشة.


تسأل نفسك: أليس هذا الشىء ثورة الجسد القبيح المهمش على إهانته وتهميشه وقبحه؟ ألا يُحتمل أن يكون تجسيدًا لتمرد الذات البريئة على واقعها المؤلم؟ ألا يُحتمل أن يكون معادلًا فنيّا يحقق أمنية الأب بأن يكون ابنه مثل أبى زيد الهلالى سلامة فى تجلياته الخارقة؟


الرواية كلها تحمل اسم «شىء إلهى»، وربط الشىء الذى نبت فى بطن سلامة بالمعجزة الإلهية يعيدنا من جديد إلى ما كانت تقوله أم سلامة بأن ابنها «مبروك»، لكى تحميه من الإهانة والتنمر، ولكنه يأخذنا إلى فكرة أبعد يحتملها التعبير، وهى أن الإنسان عمومًا فيه «شىء إلهى»، فيه نفخة إلهية فى هيئة الطين، فيه معجزة، وله مكانة؛ فلماذا يُهان ويُستعبد ويُنتهك، كما رأينا فى حكاية سلامة، وفى حكاياتٍ كثيرة موازية؟


تطرح النهاية مصيرًا متشائمًا للإنسانية، ويبدو الجسد سجنًا حقيقيّا، وميدانًا لاغتصاب الأرواح البريئة؛ فهل هذا حقا عيشنا؟! ولماذا نستسلم لذلك؟

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات