لماذا تعاطفنا مع الست «نرجس»؟! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 28 مارس 2026 10:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

لماذا تعاطفنا مع الست «نرجس»؟!

نشر فى : السبت 28 مارس 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : السبت 28 مارس 2026 - 7:15 م

قليلة هى الأعمال التليفزيونية الدرامية الناضجة، وأقل منها تلك الأعمال الجيدة المستلهمة من أحداث حقيقية، فليس الهدف هنا هو التسجيل، وإنما قراءة البشر والأحوال، وإثارة الأسئلة، والبحث عما وراء الحادثة، ورسم معالم شخصياتها، خاصة إذا كانت الوقائع غريبة أو شاذة.

حقق مسلسل «نرجس» هذه المعادلة بامتياز، سواء فى الاستلهام الذكى لقصة حقيقية عن خاطفة أطفال، أو فى الإبداع الفنى والتقنى فى تقديم الحكاية، وخصوصًا بأداء ريهام عبد الغفور الاستثنائى، أو ببصمة مخرج شاب واعد هو سامح علاء فى أول أعماله كمخرج لمسلسل تليفزيونى، بعد فوزه بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان عن فيلمه القصير البديع «ستاشر».

قدّم هذا المسلسل النموذج فى تناول الأحداث الواقعية، وفى تحويلها إلى دراما قوية، كان أبرز مظاهرها هذا التفهم إلى حدّ التعاطف مع نرجس، رغم ما ارتكبته من جرائم، مما يستلزم أن نشرح لماذا وقع هذا التعاطف دون أن يؤثر ذلك على عقابها القانونى والأخلاقى فى المسلسل؟!

لم تكن حلقات «حكاية نرجس» فقط عن خطف الأطفال، ولكنها تحولت بالأساس إلى دراسة اجتماعية ونفسية لشخصية عادية بسيطة، أصبحت شخصية شريرة لا تتردد فى عمل أى شىء، لتعويض ما حرمت منه.

لم يبرر المسلسل أفعال بطلته، ولكنه «فسّر» بعمق هذا التحول المفزع من البراءة إلى الطموح ثم التورط الكامل، لامرأة تزوج عليها زوجها لأنها لا تنجب، وتعانى من الأذى النفسى الذى تتعرض له الزوجة العاقر.

من ناحيةٍ أخرى، أرادت نرجس أن تكون أمّا عن طريق التبنى فلم تنجح، ومن ناحية ثالثة، ظلت تبحث عن العزوة والسند، عن الولد الذى تمنته أمها، ولم تحصل عليه، الولد وحده هو الذى يحمى ويعين ويجلب الرزق.

«نرجس» ابنة الجهل والعالم المغلق المحدود والتهميش فى بيئة مهمشة أصلًا، وابنة التنمر والتربص بها لأنها عاقر، وهى قبل كل ذلك ليست لديها علاقة جيدة وسوية مع أمها، لذلك كله اختارت المغامرة، وانتقلت من خانة المفعول إلى خانة الفاعل، وكلما نجحت زاد التورط، وتعمقت الرغبة فى الانتقام.

تقول نرجس عندما مرض ابنها الطفل: «كنت محتاجة يوسف.. ماصدّقت أحسّ إن ليّا لازمة.. ما صدّقت أحسّ إنى بنى آدمة».

تصنع الدراما ما هو أهم من الادانة، إنها تجعلنا نفهم الإنسان بشكل أعمق، ندرك تعقيداته، ونعلم أن «السلوك» هو نتاج عناصر نفسية واجتماعية وعاطفية متشابكة، نرجس مجرمة بلا شك، وقد سجنت وخسرت زوجها وأخواتها، لكن ماذا عن مجتمع يهمّش ويهين المرأة التى لا تنجب؟ ماذا عن النظرة القاتلة والمهينة؟

أسئلة المسلسل تتجاوز جرائم نرجس إلى ما يمكن أن يفعله الخذلان فى النفوس والعقول.

الحكاية بمعالجتها الذكية صارت عن المدى الذى يمكن أن يصل إليه المرار عندما يتحول إلى نار وجحيم، وهى ليست حكاية نرجس وحدها، ولكنها حكاية عونى وسعد وكل هذه البيئة المغلقة على أسرارها وهى أيضا قصة ذلك «الهوس بالأمومة»، وقد كتبت وأخرجت ونفذت بذكاء ودراسة ورهافة.

سبب التعاطف مع نرجس ــ إذن ــ أنها كتبت كشخصية تراجيدية رمادية بالضبط كما يقول كتاب الدراما.

الشخصية التراجيدية ليست شريرة بالأساس، وهى شخصية أحلامها مشروعة، بل ونبيلة أحيانا، فهذه امرأة تريد أن تكون أما، فشلت فى الإنجاب، حاولت التبنى أو الحصول على حق الرعاية قانونيا ففشلت أيضًا.

المشكلة تبدأ بارتكاب ما يسمى فى الدراما الإغريقية بـ«الهامارتيا» أو «الخطأ التراجيدى»، بسرقة الأطفال، وزيادة التورط بدعم من صفة أساسية فى البطل التراجيدى، وهى الثقة العارمة فى الذات، وفى القدرة الاستثنائية، وهذا «الخطأ التراجيدى» هو الذى يؤدى إلى السقوط، وتدمير حياة هذا البطل.

«التراجيديا» محورها الأساسى الاختيار الواعى من البطل لطريقه، والإصرار على المشى فيه حتى النهاية، أى أنه مسئول تمامًا عن خطئه أو جريمته، بالإضافة إلى صراعه الخارجى مع قدره وظروفه، ولذلك تثير أفعاله فى الجمهور عاطفتين هما «الشفقة» و«الخوف»، وتحقق لنا نوعا من التطهير.

سبب الشفقة أننا بالضبط أمام شخص ضلّ طريقه، دوافعه مفهومة جدا، ولكن اختياراته كارثية، كأن تجد شخصًا يريد أن يثبت شجاعته، فيتجه بثقة إلى النار، نعرف أن النار ستقضى عليه، وهو يعرف ذلك، ولكنه يسير فى طريقه تحت فكرة أقرب إلى الهوس والوسواس، فيلقى مصيره المحتوم!

كل الأبطال التراجيديين يثيرون الشفقة والتعاطف، وكلهم يدمرون أنفسهم بسبب أخطائهم الواعية.

نشفق عليهم فى الحقيقة؛ لأننا نشفق على أنفسنا من نفس المصير بسبب أخطائنا، فنحن أيضًا بشر نخطئ فى الاختيار، ونحن أيضًا سجناء تلك المسافة الهائلة بين ما نريده، وبين ما تسمح لنا الظروف والاقدار بتحقيقه.

الدراما الضعيفة هى التى تجعل شخصياتها ملائكة، أو شياطين، أما الدراما الناضجة مثل «حكاية نرجس»؛ فهى التى تقدم بشرًا رماديين، وتجعل من حكاياتها أسئلة، وليس مجرد إجابات أو إدانات.

ما أسعدنى أكثر وعى المخرج سامح علاء أنه يقدم «تراجيديا» وليس ميلودراما، وانعكس ذلك على أداء الممثلين المنضبط عاطفيا.

«الميلودراما» تعتمد على التنميط فتجعل الشخصيات أبيض وأسود، وتعمد إلى المبالغة العاطفية فى الأداء، وفى الموسيقى الصاخبة، وتجعل أبطالها ضحايا بسبب الظروف وحدها، ونتيجة مصادفات قدرية بحتة لا يدّ لهم فيها، وليس نتيجة سوء اختياراتهم، أو نتيجة نقاط ضعفهم الداخلية.

فى مشهد مواجهة عونى ليوسف؛ الشاب الذى يسأل ليعرف مثل «أوديب»، يحاول عونى الحديث عن القدر، فيقول يوسف صارخًا إن الأمر بسبب ما فعلته نرجس وعوني، وليس بسبب الأقدار.

«حكاية نرجس» تراجيديا مصرية رفيعة المقام، ومأساة حقيقة صنعها أبطالها، رغم أنهم أيضًا عاشوا ظروفا صعبة وقاسية.. أما «نرجس» فهى عنوان هذه المأساة. كانت الأمومة هى الحياة بالنسبة لها، فلما فشلت نهائيا فى انتزاعها، فقدت مبررات وجودها.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات