بورتريه لرجل مهزوم - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 4 أبريل 2026 9:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


بورتريه لرجل مهزوم

نشر فى : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م

لا تزيد صفحات هذه الرواية القصيرة على 141 صفحة من القطع الصغير، ولكنها تفتح أبوابًا واسعة للأسئلة، عبر حكاية بطلها، الذى أجاد المؤلف رسم معالم شخصيته المتقلّبة والرمادية، ارتباطًا بصراعات داخلية معقّدة، جعلته نموذجًا جديدا للأبطال المهزومين، مع أنه ناجح بمعيار الوظيفة والصعود الاجتماعى، ولكن تظل مشكلته، مثل الأبطال التراجيديين، فى داخله، ونقطة ضعفه فى اختياراته، وإن كانت ظروفه الشخصية، وأجواء التغيرات السياسية والصحفية والاجتماعية قد ساهمت فى أزمته من البداية حتى النهاية.


الرواية الصادرة عن دار الشروق بعنوان «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى»، وهى الرواية الأولى للكاتب محمد البُرمى، بعد مجموعتين قصصيتين جيدتين؛ هما «للمحبين والأوغاد وقطّاع الطريق»، و«يجذب المعادن ويحب الكلاب»، وقد عكست كتابات البُرمى خبرة الكاتب بين عالمى الأقاليم والعاصمة، وبين عالم الصحافة الذى عمل فيه، والحياة الأدبية التى يكتشف حدودها ومفارقاتها.


أشياء كثيرة لافتة فى تجربة الرواية الأولى؛ أوّلها هذا التكثيف الذى جعل بطلنا يختزل حياته عبر أربع شخصيات عرفها، وارتباطا بأزمتين تهددان حياته الاجتماعية والمهنية معا، وتقودانه إلى مواجهة كاملة مع الذات بعد تعريتها. لا إسهاب ولا تطويل، ولا ثرثرة أو خطوط فرعية لا لزوم لها، وأحسب أن تجربة الكاتب الناجحة فى «القصة القصيرة» بأثرها القوى المحدد، وبشخصياتها المحدودة، قد أفادته فى كتابة هذه الرواية القصيرة.


الأمر الثانى؛ أننا بالدرجة الأولى أمام حكاية بطلنا مدير تحرير إحدى الصحف، وعضو مجلس النواب بالتعيين، والذى لا يحمل اسما، رغم براعة رسم شخصيته، وتفاصيل حياته، ورغم أن السرد يتعلّق بعلاقته وأزمته مع أربع شخصيات فقط؛ هم: زميلته شيرين، وزوجته مها، وسائقة تاكسى الأوبر رباب، ورئيس تحريره، والذى لا يحمل اسما أيضًا، فإن هذه الشخصيات تعمل بمثابة «مرايا» لوصف أزمة شخصية بطلنا، وإبراز صراعاته وتناقضاته، وهى التى تقوده إلى مواجهة عقده وهواجسه، ثم مواجهة حياته واختياراته كلها.


هى - إذن - رواية شخصية تمّثل ذاتها، بقدر ما تعكس تناقضات زمن ما بعد 25 يناير، وأجمل ما فى هذه المعالجة، ثالثًا، أنها تتعامل مع اللون الرمادى، وليس الأبيض والأسود، وبالتالى لا تسقط أبدًا فى هاوية «التنميط»، فرغم أنانية البطل، وبروده العاطفى، وما يمكن وصفه أحيانًا بالانتهازية لتحقيق صعوده المهنى والطبقى، فإن الشخصية تائهة وضائعة، معلقة فى الهواء، وباحثة عن اكتمال مفقود، وأسيرة مخاوف الماضى، وعقدة أسرة فقيرة تفككت، وتخلّى عنه كل الأخوة، وتركوه وحيدًا هشا، يحاول أن يصنع أشواكه وأسلحته، منتقلًا من الريف إلى العاصمة، ومقتحمًا عالم الصحافة، ومتحولًا من المشاركة فى ثورة يناير بأحلام مثالية، إلى الانكفاء على الذات بعد الفشل، ثم الاستفادة والتربح من مهنته.


هذا اللون الرمادى هو أيضًا عنوان معالجة علاقاته مع بطلات الرواية: زوجة منفصل عنها واقعيا، ولكنه حائر فى اتخاذ قرار الطلاق والابتعاد عن ابنته، وخوفه من المواجهة، وعشيقة وزميلة هربت من زوجها، تهدد مستقبله المهنى بالفضيحة، وعلاقته معها ملتبسة، دافعها الهروب، رغم أنه لا يحبها، ولا يجد فيها امرأة جميلة، وصديقة الصدفة، سائقة الأوبر، والتى يجد فى معاناتها صدى لمعاناته، تبحث فيه عن الأب، ويبحث فيها عن الأم، وعلاقتهما أيضًا رمادية ومتقلبة.


منح ذلك الشخصيات حيوية بالغة، ومنطقًا قويا تعبّر عنه، دون إدانة كاملة، أو تعاطف مفرط، ذلك أن كل شخصية، فى العاصمة اللا مبالية بالآخر، هى ابنة طبيعتها وضعفها الإنسانى، بقدر ما هى ابنة ظرفها وبيئتها وتربيتها، وبالذات هذه العلاقة الملتبسة مع الأسرة والأب، والتى تأخذ مساحة معتبرة فى تفكيك أزمة بطلنا، وأزمة رباب على وجه الخصوص.


رابعًا: اعتمد البناء من حيث الشكل، وارتباطًا بمفهوم وفلسفة البطل عن الحياة، على فكرة «اللعبة». الدنيا عنده لعبة، عليك أن تفهم قواعدها، وأن تتعامل معها، بأكثر من وجه وشخصية، لتعظيم المكاسب، وتقليل الخسائر، وحماية نفسك من ضرباتها.
النصّ كله يترجم ذلك، بحيث يمكن أن نفكِّك الرواية إلى ألعاب مع أربع شخصيات: لعبة التواطؤ مع الزوجة مها، ولعبة الهروب مع العشيقة الهاربة شيرين، ولعبة المرايا مع السائقة رباب، لأنها مرآة تعكس صراعاته، مثلما يبدو أيضًا مرآة تكشف أزمتها، وأخيرًا لعبة الصعود على جثة أستاذه، ورئيس تحريره.


وكلما انتهت لعبة بدأت الأخرى، وتعمّق انقسام الشخصية، وزادت تناقضاتها، وصولًا إلى نهاية تنشد الخلاص، وإن كنت أعتقد أن النهاية كان يجب أن يؤسَّس لها بشكل أفضل، لأن هذه الشخصيات تميل إلى التكيف والتعايش والهروب، بأكثر مما تختار الحسم أو الخلاص، خصوصًا مع هذا الصعود المستمر، كما أن عذاب تلك الشخصيات المستمر هو عقابها الأكبر، وليس أى شىء آخر.


من الملاحظات أيضًا على هذه الرواية الأولى المدهشة أن حركة السرد تتسارع بشكلٍ لافت فى الفصول الأخيرة، الأحداث تتوالى بكثرة بعكس تباطؤها فى الفصول الأولى، مما كان يحتاج إلى ضبط هذا الإيقاع، وبينما كانت شخصية رباب من أفضل شخصيات الرواية، فإن حوارها طويل فى أجزاء كثيرة، ونهايتها غامضة وملتبسة، وتحولاتها مثيرة للتساؤل، وموقفها الأخير من بطلنا لا يمكن تفسيره إلا لو اعتبرناه انتقاما من صورة الأب فى هيئة بطلنا، ولكن نهاية الشخصية عمومًا لم تكن بالقوة التى تتسق مع شخصيتها.


ولكن ظل النصّ، رغم هذه الملاحظات، محتفظًا بتماسكه، وبتعبيره المؤثر عن أزمة بطله الداخلية، وعن اغترابه ونقصه، وعن صراعه الداخلى الذى لا يتوقف، والذى يؤثر بشكل كامل على حياته، وعن تلك المسافة الهائلة بين ما يحققه، وبين سعادته ورضاه عن نفسه.
هذه الرواية - فى جوهرها - عن ترويض الذات قبل كل شىء آخر، عن الإنسان المعلّق بين حلم الألوهية، وحماقة الاختيار، وهى، من قبل ومن بعد، عن الحياة كلعبة، نظن أننا نعرف قواعدها، بينما هى التى تلعب بنا.

 

 

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات