ثلاث نوفيلّات مدهشات يضمها هذا الكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية؛ بعنوان «مواليد حديقة الحيوان» للروائى أشرف العشماوى والذى يقدم هنا أحد أفضل وأنضج كتاباته عمومًا، ليس فقط من حيث إحكام البناء الدرامى، وطرافة الحكى والشخصيات، ومزج الخاص بالعام، واكتشاف المعنى العميق للحكايات، وإنما أيضًا بتلك الوحدة التى تربط هذه النوفيلات، بحيث يمكن اعتبارها حكاية واحدة بثلاث تنويعات، وثلاثة أبطال، وبحيث يمكن أن نمنح الكتاب عنوانا عاما هو: «المهزلة المصرية!».
لا تبتعد الحكايات أيضًا عن عالم العشماوى فى رواياته الطويلة، إذ إنها تقدم هذا المزيج الاجتماعى السياسى، عبر السرد البسيط الماكر، ولا تنظر إلى العام إلا باعتباره خاصا جدًا، ولا ترى فى التاريخ عناوين مجردة، وسردا للأحداث الكبرى، ولكن التاريخ الحقيقى هو نبض العادى واليومى، وسيرة الهامش فى مقابل المتن، والصراع ينشأ عادة بسبب غياب العدالة، وضياع الحقيقة، ونتيجة قهر الظروف، وسطوة الكبار، واضطراب المفاهيم والقيم، أو انقلابهما الكامل، والتواطؤ لإخفاء الحقيقة، وهذه أسباب ماساة «المواطن مصرى» العابرة للأزمان..
يتجلّى كل ذلك قويا ناصعًا فى «مواليد حديقة الحيوان»، وبدرجة رفيعة من الإتقان، خاصة أن فن النوفيلّا يتطلب درجة عالية من التكثيف، وضبط الخطوط، وتركيز السرد فى حدث واحد كبير، يتجمع فى بؤرة واحدة، وقد نجح العشماوى فى ذلك نجاحًا مبينًا.
ورغم تفرّد كل نوفيلّا، فإن عارف بطل نوفيلا «كابينة لا ترى البحر»، وفايز بطل «مزرعة الخنازير»، وإسماعيل بطل «مواليد حديقة الحيوان»، هم وجوه متعددة للمواطن العادى الذى يحاول أن يجد مكانا آمنا، فتسحقه الظروف، ويتعرض للقهر والمهانة.
من حيث الشكل، يعمد العشماوى إلى عدة تكنيكات ذكية، أولها مسحة مقصودة من السخرية، تخفف من مأساوية الحكايات الثلاث، وتجعلنا أمام «كوميديا سوداء»، لأن «شرّ البلية ما يضحك»، والتكنيك الثانى جعل الأحداث الواقعية تلامس حدود العبث، دون أن تفقد مرجعيتها الواقعية، فكأن واقعنا قد صار عبثا كاملا من كثرة تناقضاته.
والتكنيك الثالث؛ هو الاستخدام البارع للمجاز بتنويعات مختلفة، فالكابينة التى لا ترى البحر تمثل مجازا للسجن والحصار الذى لن يفارق البطل، ومزرعة الخنازير ليست فقط مكانا محوريا فى حبكة النوفيلّا، وإنما هى مجاز للبيئة التى تتحرك فيها الأحداث، بحيث تذوب المسافة بين البشر والخنازير، وبيت الأسد الذى يعيش فيه بطل وبطلة النوفيلّا، هو مكان حقيقى فى حديقة الحيوان، ولكنه أيضًا مجاز لأقصى ما يسمح به المجتمع لاثنين من الفقراء، تماما مثل حجرة مدير الحديقة، التى ولد فيها بطلنا، والمجتمع كله صار مثل غابة حقيقية.
فى النوفيلّات الثلاث يستخدم العشماوى صوت «الراوى العليم» المراقب المناسب للشهادة والسرد، ويستخدم أيضًا لعبة الكلمات المتقاطعة ومصطلحاتها، فيعمل ذلك فى اتجاهين: شخصيات تتسلّى بحل الأسئلة الأفقية والرأسية، وبناء يحاكى هذه اللعبة، بمعنى وجود أسئلة وإجابات تكمل قطع البازل فى حبكة مشوقة، وتلك أيضا حيلة سردية مناسبة وبارعة.
أما من حيث المعنى والمضمون، فإن أسئلة النوفيلّات متعددة، ورغم أن اثنين من النوفيلّات تدور أحداثهما فى الشهور الأخيرة لعصر الرئيس السادات، فإن الأسئلة كلها راهنة، وكلها مهمة، وتستحق التأمل.
فى كل رواية شخصية مسالمة تماما تتعرض لاختبارٍ قاس، وتنهزم تمامًا فى مواجهته: عارف المراهق تتحول رحلته الصيفية مع جده وجدته وأخته إلى كابوس، ويكون عليه أن يكذب ويشهد زورًا لكى يؤمن مستقبله، وفايز القبطى صاحب مزرعة الخنازير، سيهرب من المنيا، ليتورّط فى لعبة قاتلة مع الكبار، وإسماعيل وخطيبته مستعدان للقيام بدور الأسد وزوجته، ولكنهما يتعرضان للبطش والاتهام، «رضيا بالهمّ والهمّ لم يرض بهما».
تطرح الحكايات أولًا سؤال العدالة، بل يمكن قراءتها جوهريا باعتبارها غيابا لعلاقات متوازنة وعادلة، بسبب الفقر، أو التعصب الدينى، أو نتيجة لاختلال العلاقة بين الفرد والسلطة، وفى كل حكاية لاعب كبير يحرّك جميع الدمى.
السؤال الثانى هو «الهويّة»، فالأبطال الثلاثة يتعرضون لتغيير كارثى فى الهوية (عارف ينتقل من بهجة المراهقة إلى قسوة الرجولة، وفايز القبطى يغيّر هويته إلى شيخ مسلم، وإسماعيل وخطيبته يصبحان أسدًا وزوجته)، ومحو الهوية هنا هو ذروة المأساة، وهو الضياع الكامل.
السؤال الثالث؛ هو تزييف الصورة والتغييب الكامل للحقيقة: بناء كل نوفيلا يعتمد على تحويل الحقائق إلى صور مضللة، والأعجب أن هذه الصور يصدقها الناس، فليس مهما ما يقال، المهم كيف يقال؟، والنصوص الثلاثة نماذج للتضليل عبر الصور الخادعة.
السؤال الرابع هو الفرد فى مقابل تغيرات اجتماعية واقتصادية وقيمية عاصفة، هذا بالضبط ما يصنع الصراع، ويزيد من الفوارق الطبقية، ويترجم علاقات غير متوازنة، ويجعل أبطال النوفيلات الثلاث غير قادرين على كسر الدائرة والحصار طوال حياتهم، رغم محاولاتهم المستمرة من أجل ذلك.
الهزيمة متكررة فى كل حكاية، وكأنه كابوس مستمر، بل ويتم توارث المأساة عائليا، سواء بين عارف وجدّه، أو فى عائلة فايز القبطى، أو فى حالة إسماعيل ووالده حارس حديقة الحيوان، فرغم أن إسماعيل أصبح طبيبا بيطريا، فإنه لن يجد عملا إلا كحارس فى الحديقة!
السؤال الخامس هو التحايل على القانون، بحيث يمكن قراءة النصوص الثلاثة باعتبارها «فوضى صنعها التحايل على القانون»: فى الحكاية الأولى طلب شهادة زور صريحة، وفى الثانية تزوير بطاقة وهوية، وغش تجارى، وصولا إلى جريمة قتل، وفى القصة الثالثة محاولة عبر المحامى لاسترداد بيت مدير الحديقة، ثم لعبة عجيبة تنتهى إلى تلفيق قضية أمن دولة.
مأساتنا - إذن - فى سحق المهمش والضعيف، فى غياب العدل والقواعد والقانون، وفى اختلال القيم، وفى سيادة الكذب والزيف، وفى استغلال النفوذ والسلطة.
لذلك كله اعتبرتُ عارف فايز إسماعيل هو اسم لشخص واحد تم تفكيكه إلى عدة شخصيات، ولذلك كله تبدو حكايات العشماوى خطيرة وعميقة، بقدر ما هى ممتعة، وناضجة حقا، فنا وكتابة.