كيف نقيّم الإنتاج العلمى للأستاذ الجامعى؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 12:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

كيف نقيّم الإنتاج العلمى للأستاذ الجامعى؟

نشر فى : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 6:43 م

هل هى لعبة أرقام؟ 

هل المنظومة العلمية ثابتة فى العالم كله؟

هل هناك روشتة للتقييم الأمثل؟

تكلمنا فى مقال الأسبوع الماضى عن تقييم الأداء التعليمى للأستاذ الجامعى، وأحببت أن أبدأ به لأنه ليس الأكثر أهمية عند الكثيرين وإن حاولوا إظهار العكس. اليوم نتكلم عن تقييم الأداء البحثى للأستاذ الجامعى. فى أمريكا هناك نوعان من الجامعات، الجامعات البحثية والتى تتوقع من الأستاذ القيام بالبحث العلمى أولا والتدريس ثانيا، وترقيته تعتمد على هذا الأساس، هذه الجامعات البحثية تعطى الدرجات العلمية من البكالوريوس حتى الدكتوراه، النوع الثانى هى الجامعات التدريسية والتى تتوقع من الأستاذ التدريس أولا ثم البحث العلمى على نطاق أقل، وهنا يكون عدد المواد التى يقوم الأستاذ بتدريسها فى الفصل الدراسى الواحد أكثر من الجامعات البحثية، فإذا كان الأستاذ فى الجامعات البحثية يقوم بتدريس مادة واحدة فى الفصل الدراسى فإن الأستاذ فى الجامعات التدريسية يقوم بتدريس ثلاث أو أربع مواد فى الفصل الدراسى، وبالتالى الوقت المخصص للبحث العلمى أقل، والترقيات تكون على أساس التدريس أولا، هذه الجامعات التدريسية تعطى الدرجات العلمية من البكالوريوس وحتى الماجستير فقط. جدير بالذكر أنه فى أمريكا الماجستير تعنى التعمق فى تخصص معين ولا تعنى بالضرورة القيام ببحث علمى، لذلك أمريكا تسمح بالبدء فى الدكتوراه بعد الحصول على البكالوريوس مباشرة.

مقال اليوم يركز على الإنتاج العلمى للأستاذ وكيف نقيمه، لاحظ أنه فى الجامعات البحثية كما فى التدريسية هناك تقييم للإنتاج العلمى، لكن طبعا بتوقعات مختلفة. 

عندما نتكلم عن الإنتاج العلمى أول شىء سيأتى إلى الأذهان الأوراق البحثية المنشورة، لكن الموضوع أكثر تعقيدا مما يبدو ويحتاج بعض التوضيح.

• • •

تقييم الإنتاج العلمى

الأستاذ الذى يعمل فى البحث العلمى من المنتظر أن ينتج الآتى:

• الأوراق البحثية: وهو الأساس فيمن يعمل بالبحث العلمى فى الجامعات ومراكز الأبحاث، هنا يجب أن نكون حذرين للغاية عند التقييم، أولا يجب أن نأخذ فى الاعتبار الجامعة التى يعمل بها هذا الأستاذ: هل هى بحثية أم تدريسية، كم عدد المواد التى يقوم الأستاذ بتدريسها وكم عدد الطلاب فى كل مادة، هل الجامعة بها عدد كبير من طلبة الدراسات العليا أم لا؟ لأنه من الظلم مقارنة أستاذ فى جامعة بمدينة كبيرة بها عدد كبير من الطلاب بأخرى فى منطقة نائية عدد الطلاب فى الدراسات العليا قليل. ثانيا يجب أن نعرف هل تخصص هذا الأستاذ يعتبر المجلات العلمية هى المكان الرئيس للنشر البحثى (وهذا ينطبق على الأغلب الأعم من التخصصات) أم المؤتمرات، فى أغلب تخصصات الكمبيوتر المؤتمرات (المعتبرة منها طبعا) أقوى كثيرا من المجلات العلمية. ثالثا: سواء مجلات علمية أو مؤتمرات يجب أن تكون هناك قائمة لكل تخصص دقيق عن المجلات والمؤتمرات المعتبرة فى هذا التخصص. رابعا: عدد الاستشهادات للبحث (أى الأبحاث الأخرى التى تستشهد بالبحث) يجب أن يؤخذ بحذر شديد، لأن بعض الاستشهادات تنقد وتهاجم ولا تبنى على هذا البحث، يجب طبعا ألا نحسب الاستشهادات الشخصية، أى ينشر الأستاذ بحثين وفى البحث الثانى يستشهد بالأول. خامسا أين موقع اسم الأستاذ فى قائمة المؤلفين المكتوبة على البحث، هناك موقعان: الأول والأخير، الاسم الأول هو من عمل أغلب البحث، ويجب على الأستاذ ألا يضع اسمه أولا إذا كان باقى الأسماء لطلبة، فى الغالب يكون الاسم الأخير هو للمشرف أى الأستاذ. 

• الطلبة: عدد الطلبة التى تشرف عليهم سواء فى مشروعات التخرج أو درجات الماجستير والدكتوراه دلالة على إعطاء علمك وخبرتك للغير، أى إنك تدرب الجيل التالى، ويجب أن نفعل ما فى وسعنا لنجعل الجيل التالى أفضل منا وإلا حكمنا على العلم بالتجمد. أهم شىء هو أن نسمح لمن هم على درجة مدرس بالإشراف الكامل على رسائل الماجستير والدكتوراه، وهذا يحدث فى الجامعات الكبرى فى أمريكا، لأن من هو على درجة مدرس يعتبر فى بدايات حياته العلمية ومطلع على أحدث الأبحاث وملىء بالنشاط، بعكس بعض الأساتذة «الكبار» سنا الذين يضعون أسماءهم ويتباهون بعدد الطلبة الذين يشرفون عليهم فقط لأنهم على درجة أستاذ ولهم سلطة على المدرسين، طبعا أقول «البعض» لأن هناك أساتذة علماء أجلاء ولهم خبرة لا يستهان بها.

• التمويل: العلوم التطبيقية بالذات تحتاج إلى  أموال  من أجل النشر العلمى، ومن أجل السفر للمؤتمرات، ومن أجل شراء الأجهزة إلخ، قدرة الأستاذ فى الحصول على التمويل تدل على قيمة أبحاثة (وقوة شبكة معارفه أيضا)، هناك بعض الإحصاءات تقول إن الأستاذ الجامعى فى أمريكا يقضى ما يقرب من ثلث وقته فى البحث والتقديم على تمويل لأبحاثه. هنا يجب أيضا أن نأخذ عامل المكان فى الاعتبار، إذا كان الأستاذ فى مكان أو دولة التمويل فيها قليل، وهذا ليس ذنب الأستاذ. 

• براءات الاختراع: عادة الأستاذ الجامعى يركز على الأبحاث العلمية بعكس من يعمل بالبحث العلمى فى الشركات فإنه يركز على براءات الاختراع. على العموم بعض الأساتذة خاصة من يتعاون منهم مع الشركات يشترك فى بعض براءات الاختراع ويجب أن تؤخذ فى الاعتبار.  

• • •

أما بعد

ما تحدثنا عنه أعلاه لا يعدو أن يكون إلا رءوس موضوعات، فكل نقطة من النقاط التى ذكرناها قد تحتاج مقالا مستقلا، لكن دعنا نلخص ما قلناه فى عدة توصيات:

• لا يجب أن نقيّم الأساتذة للترقيات بنفس الطريقة، يجب أن نضع كل أستاذ فى السياق الصحيح. وأنا فى هذا المقال استخدم كلمة أستاذ لكل من يقوم بالتدريس الجامعى بعد الحصول على الدكتوراه.

• يجب أن ندع من على درجة مدرس يشرف إشرافا كاملا على طلبة الدراسات العليا.

• التقييم يجب أن يعتمد على طبيعة كل تخصص، لذلك اللجنة التى تقيم الإنتاج العلمى للأستاذ يجب أن تكون متخصصة فى تخصصه الدقيق وليس العام، أو تستعين بمن يفهم فى هذا التخصص الدقيق.

• يجب أن ندع المجاملات فى الحقل العلمى.

• يجب أن نطرح «المنظرة» جانبا، إذا قلت إنك أشرفت على 30 أو 40 طالبا للدكتوراه فهذا لا يعنى شيئا إذا كان كل ما فعلته أن جعلت الطالب يقوم بكل شىء وأنت تكتفى ببعض الملاحظات الشكلية، أو كنت تجبر المدرسين على وضع اسمك لأننا حتى الآن لا نسمح للمدرس بالإشراف الكامل. الأرقام جزء من الصورة وليست الصورة كلها، والحقيقة أن الأرقام جزء صغير من الصورة. 

• الطيبة الزائدة لا تصنع عالما، إذا كانت الطلبة تأتى للتسجيل معك لأنك «راجل طيب» وتتساهل فى إعطاء الدرجات العلمية فأنت تسىء للمجتمع العلمى وتضع قناعا «مزورا» أمام الناس. 

• • •

البحث العلمى هو سلاح كل الدول، والباحثون هم الجنود الذين يجاهدون فى ساحة العلم، كفاءة كل باحث وتقييمه لا تعتمد على مجموعة من الأرقام فقط، لكن أيضا على البيئة المحيطة ومتطلبات وظيفته واحتياجات بلده، العلم لا جنسية له، لكن الباحث له جنسية.  

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات