مصادقة البرلمان الليبى رسميا على اتفاقية تحديد مجالات الصلاحيات البحرية مع تركيا لا تشكل فقط تطورا لافتا وخطرا على الأمن والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية فى البحر المتوسط، بل «طعنة» حقيقية من شرق ليبيا، الذى وفرت له مصر الحماية عام ٢٠٢٠، عندما كان مصيره معلقا فى مهب الريح.
فالجميع ما زال يتذكر ما حدث فى ذلك العام، عندما شرعت قوات حكومة الوفاق (غرب ليبيا) بمساعدة تركيا فى الزحف نحو شرق البلاد للسيطرة عليه، إلا أن الموقف الحاسم للرئيس السيسى فى ذلك الوقت حال دون ذلك، حيث قال خلال تفقده وحدات الجيش المصرى فى المنطقة العسكرية الغربية: «إذا كان يعتقد البعض أنه يستطيع أن يتجاوز خط سرت أو الجفرة فهذا بالنسبة لنا خط أحمر»، مشددا فى الوقت نفسه على «ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة فى ليبيا»، كما أكد حرص مصر «على سيادة ووحدة الأراضى الليبية».
هذه حقائق يعرفها ويدركها الجميع، وتاريخ ومواقف مصرية واضحة وحاسمة ومشرفة لا يمكن لأحد، خصوصا أبناء وقبائل الشرق الليبى، تجاهلها أو نكرانها، وإذا كانت المصالح الراهنة والترتيبات والتدخلات الخارجية لرسم ملامح وشكل حكم ليبيا مستقبلا، فرضت على البرلمان الليبى تمرير تلك الاتفاقية التى سبق له رفضها فى يناير عام ٢٠٢٠، فإن مصر لا يمكنها الصمت أو القبول بهذا التهديد المباشر والقوى لأمنها ومصالحها الاقتصادية فى البحر المتوسط.
رد الفعل المصرى الفورى على هذا التطور كان حاسما وواضحا، حيث أعربت وزارة الخارجية عن رفضها القاطع لقيام مجلس النواب الليبى بالتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية فى البحر المتوسط.
وأكدت الوزارة فى بيان لها الأربعاء الماضى أن «المذكرة باطلة بطلانا مطلقا، ومعدومة الأثر القانونى، ولا يرتب التصديق عليها من مجلس النواب الليبى أى آثار قانونية بالنسبة لمصر».
وأشار البيان إلى أن «هذه المذكرة تنطوى على مساس واضح بالحقوق السيادية المصرية فى منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القارى»، مشددا على أن «مصر تحتفظ بحقها فى حماية حقوقها التى يكفلها القانون الدولى والتصدى لأى محاولة للإخلال بها».
الفقرة الأخيرة فى هذا البيان كاشفة وواضحة للغاية.. فهى تؤشر إلى أن مصر حسمت بالفعل أمرها واتخذت قرارها بالتصدى والوقوف فى وجه أى محاولة لتطبيق مثل هذا الاتفاق الذى ينال من مقدراتها ومصالحها الاقتصادية فى البحر المتوسط، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه بلا شك أمام جميع السيناريوهات التى يمكن للقاهرة اللجوء إليها لوقف هذا الافتئات على حقوقها.
السؤال الآن.. هل العلاقات بين مصر وتركيا والتى شهدت تحسنا ملحوظا فى الفترة الأخيرة قد تعود إلى سابق عهدها من الجفاء والعداء والفتور الذى شابها منذ إزاحة جماعة الإخوان عن الحكم فى مصر؟
أغلب الظن أن التقارب بين القاهرة وأنقرة وتقاطع المصالح بينهما فى الكثير من الملفات الإقليمية، والتحديات الهائلة التى تفرضها التطورات السياسية والعسكرية فى المنطقة، فضلا عن التعاون الاقتصادى المشترك، لن يدفعهما فى الوقت الراهن إلى التخلى عن مظلة الدفء التى تخيم على العلاقات، خصوصا فى لحظة اشتعال وفوضى وخطر تهدد الإقليم بكامله.
لكن حال تجاهل مصالح وحقوق مصر فى البحر المتوسط، وإصرار تركيا على تفعيل اتفاقية الصلاحيات البحرية مع ليبيا، فإن ذلك سينعكس سلبا بالتأكيد على علاقاتهما، وبالتالى يجب على أنقرة إعلاء مبدأ البراجماتية أو الواقعية السياسية التى تبرع فيها دائما، وعدم توسيع الهوة أو الفجوة مع القاهرة، ومراعاة مصالحها الحيوية والاستراتيجية، والعمل على إيجاد تفاهمات مشتركة تحافظ على مصالح البلدين.
على أى حال، فإن «طعنة» شرق ليبيا تثبت أن دوائر النار على حدود مصر تتسع وتتزايد فى كل الاتجاهات الاستراتيجية يوما بعد يوم، الأمر الذى يضاعف من حجم التحديات والضغوط والمخاطر التى تتهدد الأمن القومى للبلاد، بشكل لم يسبق له مثيل فى العقود الماضية، خصوصا فى ظل حالة السيولة والفوضى والعنف بالإقليم، ومحاولة البعض استغلال هذا المناخ لرسم خرائط جديدة وتقاسم غنائم وتحديد مناطق نفوذ لصالحه.
هذه التحديات الخطرة تفرض على الدولة المصرية بين الحين والآخر الإعلان بقوة ووضوح وبرسائل حادة وخشنة عن خطوطها الحمراء، خاصة عندما يتعلق الأمر بخطر محدق يتهدد أمنها القومى أو يمس قضايا وجودية تؤثر على حياة شعوبها، طالما كانت تمتلك من أدوات القوة العسكرية والسياسية التى تحقق لها حماية مصالحها الحيوية فى منطقة شديدة التقلبات والتطورات الحادة والخطرة.