«الشروق» تنشر حلقات من كتاب «سنوات الجامعة العربية» لعمرو موسى (1): قصة تعيينى أمينا عاما وكيف واجهت التحديات الخطيرة لأحداث 11 سبتمبر - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 يناير 2021 8:20 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

«الشروق» تنشر حلقات من كتاب «سنوات الجامعة العربية» لعمرو موسى (1): قصة تعيينى أمينا عاما وكيف واجهت التحديات الخطيرة لأحداث 11 سبتمبر

عرض ــ خالد أبو بكر:
نشر في: السبت 5 ديسمبر 2020 - 7:14 م | آخر تحديث: السبت 5 ديسمبر 2020 - 7:24 م

موسى يعد قارئه: سآخذك من يدك وأدخل بك جلسات القمم العربية المغلقة وأجلسك بين الملوك والرؤساء
إبراهيم المعلم: ما كشفه موسى فى هذا الكتاب بشجاعة وجسارة يقودنا للأخطار التى تهدد العمل العربى المشترك
وزير خارجية السودان للقذافى والبشير: مصلحة العرب والمنطقة تستدعى أن يبقى عمرو موسى وزيرًا لخارجية مصر
أمرت بتغيير ألوان حوائط الأمانة العامة والإضاءة ومقعد كل دولة كى يشعر الجميع بالتغيير
الجامعة العربية بادرت بعقد مؤتمر لحوار الحضارات لتطويق تبعات 11/ 9 على العرب والمسلمين
أحدث صدور الجزء الأول من السيرة الذاتية للسيد عمرو موسى فى خريف سنة 2017 (كتابيه) حالة فريدة فى العالم العربى. حالة من النقاش العميق والجدل الصحى بشأن لحظات مهمة ومفصلية فى تاريخ مصر والعرب الحديث، لا تزال أصداؤها مسموعة إلى اليوم. هذه الحالة وإن كانت تعكس فى جزء منها اهتمام وإقبال القراء باتساع عالمنا العربى على قراءة ما كتبه السيد عمرو موسى، إلا أنها تفسر من ناحية أخرى أسباب تلك الشعبية الكبيرة التى حباه الله إياها خلال تقلده مناصبه الرسمية، والتى تمتد معه إلى اليوم.
كما أن ذلك الاهتمام الاستثنائى بما يكتبه عمرو موسى إنما يعكس رغبة أصيلة لدى شعوبنا لمعرفة حقيقة ما جرى فى بلادهم.. أو على الأقل الاطلاع على تفاصيل وأسرار الكثير من الحوادث التى عاشوها من خلال سيرة سياسى مرموق وفاعل فى حياتهم السياسية، تطلعوا إليه وتعلقوا به، وكان مشاركا فى صنع الكثير من الأحداث المهمة أو معاصرا لها من موقع «شاهد العيان».
الخبر السار أنه بعد ثلاث سنوات يطرح عمرو موسى كتابه الثانى (سنوات الجامعة العربية) ــ الذى قام بتحريره وتوثيقه الكاتب الصحفى خالد أبو بكر – مميطا اللثام فيه عن أسرار عشرية مليئة بالأحداث الجسام فى بلاد العرب كان فيها أمينا لجامعة الدول العربية (2001 ــ 2011)، فعلى مدى 19 فصلا، موزعة على 574 صفحة من القطع المتوسط، لم يترك الأمين العام قضية سياسية كانت الجامعة وهو شخصيا طرفا فيها إلا وتناولها فى أى بقعة من بقاع العالم العربى من محيطه إلى خليجه.
يصل موسى بقارئه لأبعد مدى فى الصراحة غير المعتادة فى كتابة السير الذاتية العربية، عندما يقول فى هذا الكتاب: «سآخذ القارئ من يده وأدخل به جلسات القمم العربية المغلقة، وأجلسه بين الملوك والرؤساء، من خلال المحاضر الرسمية لهذه الجلسات، وكذلك سأدخل به اجتماعات وزراء الخارجية العرب فى اللحظات الحرجة والساخنة التى مرت على بلادنا؛ ليستمع للجميع بمن فيهم أنا، وليطلع على رؤية كل منهم للتعامل مع هذه المشكلة أو تلك».
هذه الصراحة دفعت المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة «دار الشروق»، التى أصدرت هذا الكتاب لأن يقول فى تقديمه له: «إن ما كشفه عمرو موسى فى هذا الكتاب بشجاعة وجسارة عن أحداث لم يكن فقط شاهدا عليها، بل أحد صناعها واللاعبين الأساسيين فى إخراجها، يقودنا إلى مكامن الخطر التى تحيط بالعالم العربى والعمل العربى المشترك؛ ليدق ناقوس الحقيقة لمن أراد أن يدرس.. ولمن أراد أن يعرف؛ ليبنى مستقبلا أفضل مما فات».
اعتبارا من اليوم تنشر «الشروق» حلقات من «سنوات الجامعة العربية» لعمرو موسى ــ الذى سيصدر قريبا عن «دار الشروق»، ونشير فى هذا الصدد إلى نقطة فى غاية الأهمية وهى أن هذه الحلقات لن تغنى بحال من الأحوال عن قراءة الكتاب بكامله بتفاصيله الكثيرة والجديدة والمشوقة وربما الصادمة فى آن واحد، وأن هذا العرض شديد الإيجاز ــ وإن كتبناه على لسان موسى بصيغة المتكلم ــ لهو اختزال شديد جدا لبعض الفصول – وليس كلها ــ التى يحويها الكتاب بين دفتيه؛ فبلغة الحساب لا يمكن لـ25 ألف كلمة أن تغنى عن قراءة كتاب تجاوز عدد كلماته 200 ألف كلمة.
حدثنى الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام للجامعة العربية تليفونيا فى الأيام الأخيرة من نوفمبر 2000، طالبا أن نلتقى لنتحدث فى بعض الأمور المهمة ومنها «منصب الأمين العام». فقلت: «وهو كذلك يا سيادة الأمين العام، سوف أزورك فى مكتبك قبل نهاية الأسبوع» وهو ما كان.
ذكر الدكتور عصمت أن فترة ولايته على وشك الانقضاء، وأنه لايزال قادرا على العطاء، وربما يكون من الممكن مد فترة الولاية سنة أو سنتين لأنه يعرف أن فترة ثالثة كاملة سوف تقابل بالرفض من عدد من الدول الأعضاء. وعدت بعرض الأمر على الرئيس مبارك، وهو ما فعلته مساء نفس اليوم وكان مما قلته للرئيس إنه قد يرى الموافقة ولو لفترة عام يمثل تكريما، ويمكننا من التوافق على الشخصية المناسبة للمنصب.
فكان رده: «لا لا لا عصمت كبر خلاص. قوله كفاية لحد كده.. يا راجل دا فيه دول مهمة فى الجامعة أبلغتنى أن الجامعة نايمة خالص وحتموت». ثم أضاف بشىء من الحدة: «قوله كفاية كدا يا عصمت.. كفاية.. مافيش تجديد».
بعد يومين أبلغت الدكتور عصمت تليفونيا أن هناك صعوبة فى تلبية طلبه. تفهم الرجل بهدوئه المعهود ولم يثر الموضوع مرة أخرى. فى صباح أحد الأيام الشتوية أواخر سنة 2000، وبينما أنا جالس على مائدة مستديرة فى مكتبى بوزارة الخارجية أقرأ تقريرا ما، واستمتع بشمس الشتاء، رن جرس التليفون الرئاسى. كان المتحدث هو سكرتير الرئيس للمعلومات، السفير ماجد عبدالفتاح. بدأ حديثه بأن الرئيس يطلب من الوزير أن يعرض عليه اسما أو أكثر يصلح أمينا عاما للجامعة العربية، وأن الوقت أزف لتتقدم مصر باسم مرشحها للمنصب الكبير.
أردف السفير أنه «بكل صراحة يرى (بيننا وبين بعض) أن لا أحد يصلح إلا سيادتك وهو أيضا رأى الرئيس». أدركت على الفور أنها رسالة من الرئيس مبارك. كان ردى «شوف يا ماجد.. قل للرئيس إننى موافق». لم تأخذ المكالمة أكثر من عدة دقائق. عاد السفير إلى الرئيس بعدها بالحل: الوزير موافق على أن يكون هو المرشح.
أعلنت مصر خبر ترشحى لخلافة عصمت عبدالمجيد رسميا فى 15 فبراير 2001، وهو ما أحدث ضجة كبرى فى مصر كما فى عدد كبير من العواصم العربية بل والدولية. أعتقد أن واشنطن وتل أبيب سعدتا بذلك الخبر كثيرا. فى مقابل شعور عربى يرى أن بقائى على رأس الخارجية المصرية أنجع وأكثر فائدة للمصالح العربية العليا.
يحكى الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق أن العقيد القذافى وعمر البشير كانا مجتمعين فى الخرطوم ومعهما وزيرا خارجيتهما ــ الليبى على التريكى ومصطفى عثمان إسماعيل ــ وقت الإعلان عن ترشحى رسميا لمنصب الأمين العام لجامعة العربية. ناقش الرئيسان ذلك الترشيح، ورحبا بهذا الاختيار، لكنهما مع وزيرى الخارجية كانا قلقين بالنسبة لشخص وزير الخارجية القادم فى القاهرة. وذكر مصطفى عثمان للقذافى والبشير «أن مصلحة العرب والمنطقة تستدعى أن يبقى عمرو موسى وزيرا لخارجية مصر».
من ناحية أخرى، أبدى لى وزير خارجية السعودية، الأمير سعود الفيصل أن المملكة تؤيد عمرو موسى أينما كان وزيرا للخارجية أو أمينا عاما للجامعة العربية، وأننى سوف ألقى منهم كل الدعم اللازم. أذكر أننى أثرت مع الأمير سعود الوضع المالى للجامعة الموشك على الإفلاس، وأنه من المهم دعمى بصفتى الأمين العام الجديد بما يمكننى من الحركة وإصلاح مؤسسة العمل العربى المشترك. وعد بالعرض على الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولى العهد آنذاك، مع دعمه وتأييده لهذا الطلب.
كنت أرى أن الجامعة قابلة للإصلاح إذا أديرت إدارة حديثة، ووجدت الأموال اللازمة كى يشعر موظفوها بالأمان؛ وحتى يعطوا أفضل ما لديهم. وبالفعل قمت بجولة فى دول الخليج خرجت منها بوعود على أعلى المستويات بأنهم سوف يقدمون الأموال اللازمة فى صورة دعم خاص للجامعة بخلاف حصة كل دولة فى الميزانية، مع تمكينى من التصرف فيه كما أريد، ثقة منهم فى قدرة الإدارة الجديدة فى الجامعة على دفع العمل العربى المشترك قدما للأمام.
وبالفعل قرر الأمير عبدالله ولى عهد السعودية دفع ستة ملايين دولارا، وقرر السلطان قابوس سلطان عمان ثلاثة ملايين دولار، وقرر الأمير حمد آل ثان أمير قطر ثلاثة ملايين دولارا، والصندوق العربى للتنمية فى الكويت مليون دولار تخصص لتحديث الاتصالات فى الأمانة العامة، وبعث إلى الشيخ حمدان بن زايد وزير الخارجية الإماراتية آنذاك بمبلغ مليون دولار اعتبرته تمهيدا لمبلغ أكبر فى إطار ما يكنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة من إيمان بالجامعة العربية، ورغبته رحمه الله فى دعم عمرو موسى، كما ذكر لى شخصيا.

اليوم الأول لى فى الجامعة العربية
فى التاسعة والنصف من صباح 16 مايو 2001 خرجت من بيتى وكانت سيارة الأمين العام فى انتظارى. كانت سيارة قديمة ومتهالكة. لفت نظرى رفع علم الجامعة العربية عليها. طلبت من الحارس إزالة العلم؛ فليس هناك ما يدعو لأن أسير فى شوارع القاهرة بسيارة يرفرف عليها علم. قبيل العاشرة وصلت مقر الجامعة العربية فى أول يوم لى أمينا عاما لها. قصدت أول ما قصدت مكتب الأمين العام فى الطابق الأول، ومعى السفير سمير سيف اليزل وهو شخصية تنفيذية جيدة، انتدبته معى من وزارة الخارجية للإشراف على الشئون المالية والإدارية بالجامعة. جلست أولا فى صالون المكتب، هالنى أن الأنوار فى الطابق كله كانت خافتة، ودهانات الحوائط أكل عليها الزمان وشرب! فقلت لسيف اليزل إن هذا المنظر يجب أن يتغير على الفور. افتحوا النوافذ، ادهنوا الحوائط بألوان فاتحة، واجعلوا الإضاءة زاهية كى لا تشجع على النوم!
كدت أجن عندما وقعت عينى على أسلاك التليفونات التى كان بعضها فى الهواء أو على الحوائط. قلت إذا كان هذا المنظر فى مكتب الأمين العام فما بالنا ببقية المكاتب. طلبت حضور مدير الشئون الإدارية. قلت له: هذا المنظر لا أراه فى الغد. قال الرجل «حاضر يا فندم.. لكن امنحنا وقتا لأن الأمر مرتبط بمصلحة التليفونات». قلت: عندك إلى نهاية الأسبوع، مفيش حاجة اسمها أسلاك فى الهوا وتحت الشبابيك وتحت السجاجيد وعلى الحوائط.. الكلام ده ما يمشيش.. فاهم؟. قال لى: حاضر. استغرق تغيير هذا الوضع أسبوعين، ولكنه تغير بالفعل.
على صعيد تطوير مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية عرضت المملكة المغربية تطوير قاعة من قاعات الجامعة، وتم ذلك بالفعل على الطراز المعمارى المغربى الجميل، وطورت الصين قاعة ثانية هدية لى شخصيا. ثم غيرنا من ترتيب جلوس الوفود فى القاعات، فكان يبدأ بالياء وينتهى بالألف، فأصدرت أوامرى بأن يبدا بالعكس، فكل وفد يدخل يجد نفسه جالسا فى غير المكان الذى اعتاده لعشرات السنين، أجريت ذلك كله لإحداث الشعور بأن هناك وضعا جديدا فى الجامعة – على الأقل من حيث الشكل ــ يبدأ من مكان الجلوس، ولون الحوائط وفتح الأبواب والنوافذ المغلقة... إلخ.

فريق العمل بالجامعة
اقتناعى كان راسخا بأنه لا تطوير لمنظومة العمل العربى المشترك دون تطوير الكادر البشرى من العاملين فى الجامعة العربية والمؤسسات التابعة لها. بدأت ألتقى العاملين فى شكل مجموعات، وكانت كل مجموعة تضم خمسة أو ستة أفراد لفرز من يمكن الاعتماد عليهم. من ضمن من قابلت ابنة الدكتور أحمد فتحى سرور، وكان رئيسا لمجلس الشعب وقتها. سألتها: أنت متعلمة فين؟ قالت: فى مدرسة «المير دى ديو» la Mère de Dieu الفرنسية. لكنها قالت إنها نسيت اللغة الفرنسية إذ لم تستخدمها منذ أن تخرجت.
قلت لها: هذا أول وآخر لقاء معك.. اذهبى للمركز الثقافى الفرنسى وتعالى بعد ثلاثة أشهر تستعيدين فيها اللغة. إذا رجعت من دون شهادة إجادة الفرنسية لا مكان لك فى الجامعة العربية. ذهبت تشتكى لوالدها، فقال لها: ما قاله لك عمرو موسى هو عين العقل. يجب أن تستعيدى لغتك. ووبخها. وقد كان، وعادت بعد أن استعادت قدرتها على التواصل بالفرنسية، وأصبحت مديرة لإدارة، وكانت مجدة ومجيدة فى عملها.
خلال أول شهرين من اللقاءات مع العاملين اخترت منهم نحو 30 فردا يمكن الاستثمار فيهم والاعتماد عليهم. وبدأت أكلفهم بمهام، وجدت أن تعليمهم راق ولديهم الاستعداد للتطوير والعمل. كانوا لا يقلون فى المستوى عن العاملين فى أى منظمة أخرى.. فقط يحتاجون التوجيه والثقة.

أحداث 11 سبتمبر 2001
نحو أربعة أشهر فقط مرت على تسلمى مهام منصبى أمينا عاما للجامعة العربية عندما تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لهجمات 11 سبتمبر سنة 2001، وبينما أنا منهمك فى إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة لتتواكب مع النقلة النوعية التى أنشدها للعمل العربى المشترك، حدثت تلك الفاجعة المروعة ذات الآثار السياسية المدمرة.
أيقنت على الفور أننا نواجه تطورا دوليا خطيرا؛ فما بعد 11/ 9 لن يكون كما قبله.. تعجبت من المقادير، فدائما ما أكون على موعد مع حدوث انقلابات فى النظام الدولى مع كل منصب جديد يسند إلى. تذكرت انهيار الاتحاد السوفيتى، وانتهاء الحرب الباردة سنة 1991 عندما توليت وزارة الخارجية المصرية، وكيف أنه كان من التحديات الكبرى التى واجهتها هو إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية بما يتناسب مع العالم الجديد أحادى القطبية، وهأنذا أواجه ظروفا أشد وطأة وقسوة فى الشهور الأولى من عملى أمينا عاما للجامعة العربية، بعد أن أصبح العرب وثقافتهم ودين الأغلبية منهم فى مرمى النيران الأمريكية والغربية الكاسحة.
كنت فى مكتبى بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية عندما دخل أحد مساعدى مسرعا فى حدود الثالثة و10 دقائق بعد ظهر القاهرة (8:10 صباحا بتوقيت نيويورك): سيادة الأمين العام.. سيادة الأمين العام.. ارجوك افتح التلفزيون. الولايات المتحدة تتعرض لهجوم جوى.
على الفور فتحت محطة CNN وإذا بها تبث صورة لطائرة تصطدم بأحد برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك، وتحدث فجوة كبيرة فى الواجهة، وتنتشر سحابة دخان ضخمة من الطوابق العليا. لم يمر سوى 4 دقائق فقط على فتح التلفزيون وإذا بنا نفاجأ بطائرة ثانية تصطدم بوسط البرج الثانى من مركز التجارة العالمى وتحدث انفجارا قويا. قلت: يا إلهى.. ما هذه الحرب التى تبث على الهواء مباشرة!! إنها أمريكا.. القوة الجبارة فى العالم.. أيعقل أن نظامها الأمنى هش إلى هذه الدرجة؟!

من فعلها يا ترى؟
دعوت إلى اجتماع فورى لعدد من المستشارين والمساعدين، وتحدثت إلى وزير الخارجية المصرية، أحمد ماهر السيد، تحدثت تليفونيا إلى عدد من وزراء الخارجية العرب وكان منهم وزير الخارجية السورى فاروق الشرع الذى كان بالفعل مقدرا لخطورة الموقف، وتعدى الأحداث فى ذاتها إلى التفكير فى عواقبها، ومن ثم بدأ مسار من التشاور بيننا فى ما يجب أن نقوم به فى الإطار العربى، وأخطرته بأننى أفكر جديا فى عمل تقوم به الجامعة العربية إعدادا واستشرافا لما يمكن أن يقع كرد فعل من جانب الأمريكان.
عندما بدأت التقارير التى تبثها وكالات الأنباء وتذيعها القنوات الأمريكية تشير إلى الاشتباه فى تورط عرب فى تلك الهجمات، قلت لزملائى: هذا ما كنت أتحسب له.. ينتظرنا عمل شاق وطويل قد يستغرق سنوات، بعد أن أصبح العرب ودينهم الرئيسى (الإسلام) فى موضع الاتهام.
طلبت من المساعدين المتابعة الدقيقة وموافاتى بالتطورات، وانهمكت فى اتصالاتى مع قادة ووزراء عرب، بعضها تم بناء على طلبى، وبعضها تم بناء على طلبهم. فى اليوم الثانى والثالث تلقيت طلبات من قنوات تليفزيونية أمريكية للتعليق على الأحداث.. الجامعة العربية مدعوة للتعليق على عدوان مواطنين عرب على مدن الولايات المتحدة.. ذكر المستشارون أنه يجب تجنب الحديث فى العلن باسم الجامعة العربية قبل اجتماع مجلسها على أعلى مستوى ممكن، وذكر آخرون أن التليفزيون الأمريكى يحاول توريط الجامعة... إلخ.
لكننى كنت عازما على الرد على الاتهامات التى تطال كل العرب وكل المسلمين، ووجدتها فرصة لا يصح إضاعتها لتأكيد دور الجامعة العربية باعتبارها متحدثا باسم الدول العربية فى مثل تلك الظروف، فوافقت على لقاء أكثر من برنامج، منها لقاء محطة NBC التى كانت أول المحطات الأمريكية التى وصلت القاهرة.
قبل اللقاء أجريت عددا من الاتصالات بالوزراء العرب وكذلك بالسفراء العرب المعتمدين لدى الجامعة وأخطرتهم بأننى سوف أتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية فوريا، للتنديد بالحدث الإرهابى، ولتعزية الولايات المتحدة، ولإعلان رفض أى علاقة لهذه الحفنة من الأفراد المنحرفين المتهمين بالضلوع فى الجريمة بمسار السياسة أو الدبلوماسية أو العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وأن الخلافات لا تحل هكذا.

هجمة شرسة على العرب والمسلمين
تعرض المسلمون وبخاصة العرب منهم فى الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا فى أعقاب أحدث 11/ 9 لموجة شرسة من الاضطهاد والتمييز، باعتبار أن أصابع الاتهام وجهت ضد عرب يدينون بالإسلام بأنهم ضالعون فى تنفيذها. والحق أن التربة الأمريكية والغربية كانت فى تلك الأثناء ــ ومازالت ــ خصبة لمشاعر العداء والكراهية للمسلمين والعرب، وجاءت هذه الأحداث، لتمثل الذروة فى التعبير عن هذه المشاعر السلبية تجاهنا.
أذكر أن رئيس الوزراء الإيطالى الأسبق سيلفيو برلسكونى صرح فى أعقاب أحداث 11/ 9 من برلين بأن «الحضارة الغربية تفوق الثقافة الإسلامية، وأنه ليس للإسلام بصمات على الحضارة العالمية»، وهو ما رددت عليه حينئذ بمنتهى القوة؛ فقلت إن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالى «تجاوزت حدود العقل.. لا نعتقد أن هناك حضارة متفوقة، وإذا كان قد قال ذلك الكلام فهو مخطئ تماما، وعليه أن يعتذر»، وهى التصريحات التى نقلتها عنى وكالات الأنباء وأشارات إليها كبريات الصحف العالمية.
وبالفعل تراجع برلسكونى عن تلك التصريحات العنصرية، فبعد أن قال فى البداية، إن فهمه أسىء، وإأن كلماته أخرجت عن السياق، اجتمع مع سفراء دول إسلامية ودبلوماسيين كبار، وقال لهم إن التصريحات المثيرة للجدل، التى زعم فيها تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، قد نسبت إليه زورا، وأنه «لم يتفوه قط بهذه الكلمات».

هاجمت عنصرية الغرب من أكسفورد
تلقيت دعوة لزيارة بريطانيا (7 ــ 9 نوفمبر 2001). تضمن برنامجها إجراء محادثات مع وزير الخارجية البريطانى وقتذاك جاك سترو. وحرصت على أن ألتقى الجالية العربية فى لندن فى تلك الظروف الدقيقة التى كانت تعانى فيها الجاليات العربية فى الغرب من التضييق والتمييز؛ لكن أهم ما كان فى برنامج تلك الزيارة، أننى تلقيت دعوة لإلقاء محاضرة فى موضوع «تعزيز الحوار الدولى» فى مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية The Oxford Centre for Islamic Studies التابع لجامعة أكسفورد المرموقة يوم 9 نوفمبر 2001.
سعادتى كانت كبيرة بتلك الدعوة، التى قدمت من هذا المركز المهم الذى يعقد محاضرات سنوية تلقيها شخصيات عالمية؛ فالمنبر الذى سأقف عليه سبقنى إليه الأمير تشارلز، أمير ويلز وولى عهد بريطانيا، ورئيس جنوب إفريقيا والزعيم الإفريقى التاريخى نيلسون مانديلا، والسكرتير العام للأمم المتحدة كوفى عنان، لقد قدرت أنها فرصة من ذهب جاءت لى باعتبارى مسئولا رسميا فى العالمين العربى والإسلامى اللذين توجه لهما أعنف الانتقادات منذ وقوع هجمات 11/ 9؛ فمخاطبة الغرب وتفنيد أفكاره من منصة مرموقة فى حجم أكسفورد، مناسبة تستحق التحضير الجيد لها.
أعددت نصا محكما للمحاضرة التى ألقيتها بالإنجليزية أمام جمع من المفكرين والمثقفين البريطانيين، ولا يزال نصها موجودا فى مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية وعلى موقعه الإلكترونى، لمن أراد الإطلاع عليها.
كما زرت الولايات المتحدة فى نوفمبر 2001 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التى اقتصرت فعالياتها بسبب أحداث 11/ 9 على أسبوع واحد. وقد التقيت خلال تلك الزيارة عددا من المسئولين الأمريكيين، الذين بدوا ــ فى معظمهم على الأقل ــ ممتنين لتصريحاتى التى أدانت بقوة هذه الأحداث. وأكدت لهم أن العالم العربى يقف مع بلادهم ضد الإرهاب المخرب والمدمر‏،‏ وقلت إن ما حدث من اعتداءات لم يتم باسم الشعوب العربية والإسلامية أو بتكليف منها، مؤكدا رفض الجامعة العربية للإرهاب بكل أشكاله ومظاهره ومصادره، وبصرف النظر عن الموقف من بعض جوانب السياسة الأمريكية فى المنطقة والخلاف بشأنها، وأنه يجب أن تكون هناك أولوية موازية لتلك الإدانة لنقاش جاد لكل من الصراع العربى ــ الإسرائيلى ومسألة صراع الحضارات.
خلال زيارتى للولايات المتحدة عقدت عددا من الاجتماعات مع الجاليات العربية هناك، أولها كان فى واشنطن‏. استمعت إلى مشاكلهم المتعددة. ونصحتهم بضرورة وجود صوت عربى يتحدث باسمهم‏،‏ وناقشت ذلك خلال لقائى مع وزير الخارجية الأمريكية كولن باول ومع آخرين فى الإدارة الأمريكية، مؤكدا على أن هذا موضوع التمييز ضد العرب لا يمكن ولا يصح أن يستمر.

الجامعة تعقد مؤتمر «حوار الحضارات‏..‏ تواصل لا صراع»
الحقيقة أننى خلال المناقشات مع عدد من المسئولين والمثقفين الغربيين لمست أن بعضهم لا يتفق مع الحملة ضد العرب‏، وأنهم مدركون لخطورة تلك الحملة، ويرون أن العرب يجب أن يردوا عليها‏. وهو ما زاد من عزمى على عقد مؤتمر «حوار الحضارات‏..‏ تواصل لا صراع» بمقر جامعة الدول العربية يومى ‏26‏ و‏27‏ نوفمبر 2001، بحضور أكثر من 100 مفكر عربى من ذوى الصلة بالوضع السياسى والثقافى فى الدول الغربية‏،‏ يمثلون الدول العربية والجاليات العربية فى الدول الأجنبية‏.
لقد ناقش المشاركون على مدى يومى الحوار أوراق 40 ورقة عمل مقدمة للمؤتمر، إلى جانب ورقة العمل‏‏ التى أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية بشأن الخطوط العريضة للحوار‏، وذلك من أجل الخروج بخطة عمل للتحرك السريع ضد الهجمات الغربية على العرب والمسلمين، مع عرض الخطة بالكامل على الحكومات العربية وعرضها كذلك على القمة العربية التى كان مقررا عقدها فى بيروت فى مارس 2002. وهو ما تم. وصدر عن المؤتمر إعلان «ملتقى المفكرين العرب» نشر نصه فى الصحف ووسائل الإعلام وقتها لمن أراد الاطلاع عليه.
وقد وجه البعض انتقادات للمؤتمر، فقال: بدلا من أن تقوم جامعة الدول العربية بدعوة المفكرين والمثقفين من جميع العالم الإسلامى، باعتبار أن الحوار سيكون بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، فقد اقتصرت على دعوة مثقفين عرب فقط، وهو ما رددت عليه فى حينه بأننا نعمل على تحريك التعاون العربى ــ العربى والفهم المشترك كمقدمة ضرورية للعمل على إطلاق تعاون عربى ــ إسلامى للمواجهة المشتركة للتحدى الحضارى القائم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك