السيد القصير يكتب: الأمن الغذائي لا يُدار بالنظريات.. بل بحسابات الاقتصاد وموارد الدولة - بوابة الشروق
الإثنين 9 نوفمبر 2026 12:16 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

السيد القصير يكتب: الأمن الغذائي لا يُدار بالنظريات.. بل بحسابات الاقتصاد وموارد الدولة


نشر في: الأحد 8 نوفمبر 2026 - 11:07 م | آخر تحديث: الأحد 8 نوفمبر 2026 - 11:08 م

يتجدد الحديث من وقت لآخر عن اعتماد مصر على استيراد جانب من احتياجاتها من القمح، باعتباره المكوّن الأساسي في صناعة رغيف الخبز، وتُطرح في هذا السياق أفكار بشأن إمكانية استبدال جزء من القمح بمحاصيل أخرى كخلطه لتصنيع رغيف الخبز ، مثل الدخن أو الذرة الرفيعة والكاسافا والشعير وغيرها ، باعتبارها بدائل يمكن الاستفادة منها في صناعة الخبز.

وهي أفكار تستحق الدراسة والبحث، لكن تقييمها لا يكتمل بمجرد إثبات إمكانية تطبيقها فنيًا، وإنما يتطلب إخضاعها لدراسة اقتصادية متكاملة تأخذ في الاعتبار طبيعة الموارد الزراعية والمائية المتاحة لمصر، ومدى جدوى التوسع في زراعة هذه المحاصيل مقارنة بالمحاصيل القائمة.

والحقيقة أن هذه الأفكار ليست جديدة؛ فقد سبق بحث ودراسة تجارب استخدام خلطات مختلفة من الحبوب في صناعة الخبز داخل مراكز البحوث. لكن نجاح تجربة معينة من الناحية الفنية لا يعني بالضرورة صلاحيتها للتطبيق على نطاق واسع؛ فهناك فارق بين نجاح الخلطة في المعمل، وقدرة الدولة على توفير المواد الخام اللازمة لها اقتصاديًا، دون التأثير على احتياجاتها الأخرى من المحاصيل الزراعية.

فمصر دولة محدودة الرقعة الزراعية وتعاني ندرة الموارد المائية، ولذلك فإن المعيار الأساسي في اختيار التركيب المحصولي يجب أن يكون تعظيم العائد من وحدة الأرض والمياه، وليس مجرد البحث عن محصول يمكن أن يحل محل محصول آخر.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: أين سنزرع هذه المحاصيل؟

فكل فدان نخصصه لمحصول جديد يستلزم دراسة أثر تخصيصه على المساحات المخصصة للمحاصيل الأخرى، ومقارنة إنتاجية كل منها، ومدى انعكاس ذلك على الإنتاج المحلي والاحتياجات الغذائية.

وعلى سبيل المثال، عند طرح محصول الدخن باعتباره بديلًا للقمح، يجب أن ننظر إلى إنتاجية الفدان والعائد الاقتصادي منه. فإذا كانت إنتاجية الفدان من الدخن أقل من طن، في حين تقترب إنتاجية فدان القمح من ثلاثة أطنان في الظروف الزراعية المناسبة، مع استمرار الجهود البحثية لتحسين إنتاجيته من خلال استنباط أصناف حديثة، فإن السؤال الاقتصادي الذي يفرض نفسه هو:

هل من الأفضل تخصيص مساحة من أراضينا المحدودة لمحصول يحقق إنتاجية أقل، بينما يمكن استغلال المساحة نفسها في إنتاج كمية أكبر من القمح؟

ولا يتوقف الأمر عند الدخن، بل يمتد إلى الذرة الرفيعة والفول وغيرهما من المحاصيل التي لا تحقق مصر منها فائضًا إنتاجيًا يسمح بالتوسع في استخدامها بديلًا للقمح دون التأثير على احتياجاتها واستخداماتها الأخرى. فضلًا عن أن بعض هذه المحاصيل تتركز زراعتها في مناطق جغرافية محددة، ولا يمكن افتراض أن التوسع فيها سيتيح توفير كميات كافية لتلبية احتياجات صناعة الخبز على مستوى الجمهورية، دون دراسة المساحات المتاحة والإنتاجية والطلب المحلي.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بحجم الوفر الاقتصادي المتوقع من استخدام هذه البدائل.

فحتى إذا أظهرت بعض الدراسات التجريبية انخفاضًا محدودًا في تكلفة إنتاج الرغيف، فإن التقييم الشامل يجب أن يشمل تكاليف زراعة المحصول والطحن والتصنيع والنقل، ومدى تقبل المستهلك للمنتج النهائي، فضلًا عن أثر التوسع في زراعته على المحاصيل الأخرى.

ومن ثم، فإن المقارنة لا ينبغي أن تقتصر على تكلفة مكونات الرغيف، بل يجب أن تمتد إلى التكلفة الاقتصادية الكاملة للتجربة، ومدى ما تحققه من وفر حقيقي ومستدام للدولة.

وهناك نقطة استراتيجية أخرى ينبغي الانتباه إليها، وهي أن استيراد المحاصيل الزراعية لا يعني استيراد الغذاء فقط، بل يعني أيضًا استيراد المياه التي استُخدمت في إنتاجها، وهو ما يُعرف بمفهوم المياه الافتراضية، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل محدودية مواردنا المائية.

وهذا يعني أن التجارة الزراعية أصبحت جزءًا من إدارة الموارد المائية، وأن قرار استيراد محصول أو التوسع في زراعته محليًا لا ينبغي أن يُتخذ من المنظور الغذائي وحده، بل يجب أن يخضع لدراسة اقتصادية ومائية متكاملة. فالموازنة بين الإنتاج المحلي والاستيراد تتطلب حساب تكلفة المياه والأرض والطاقة، إلى جانب التكلفة المالية المباشرة.

وبالتالي، لا يمكن اختزال قضية الأمن الغذائي في الدعوة إلى الى خفض استيراد القمح، أو البحث عن بدائل لرغيف الخبز، وإنما يجب أن تقوم على مجموعة من المعايير المتكاملة، أهمها:

* إنتاجية وحدة الأرض والعائد الاقتصادي من الفدان.
* كفاءة استخدام المياه والعائد من كل متر مكعب.
* التكلفة الاقتصادية للإنتاج المحلي مقارنة بالاستيراد.
* الاحتياجات الفعلية للسوق المحلي من المحاصيل المختلفة.
* مراعاه الميزه النسبيه لبعض المحاصيل خاصه التصديرية منها.
* التوازن بين المحاصيل الغذائية والعلفية والتصديرية.
* ضمان استدامة الموارد الزراعية والمائية.
* دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لأي بدائل مقترحة قبل التوسع في تطبيقها.

وفي هذا الإطار، نُثمّن كل الجهود التي تُبذل في مجال البحث العلمي والتجارب التطبيقية وتطوير تركيبة رغيف الخبز، ونؤكد في الوقت نفسه أن نجاح أي تجربة لا يُقاس بإمكانية تنفيذها فنيًا فقط، وإنما بمدى جدواها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق الأمن الغذائي دون إهدار مواردنا المحدودة.

ولذلك، فإن طرح أي بديل يجب أن تصاحبه إجابات واضحة عن ثلاثة أسئلة أساسية:

ما إنتاجية الأرض من هذا المحصول؟ وما حجم استهلاكه من المياه؟ ومن أين سنوفر المساحات اللازمة لزراعته دون التأثير على إنتاج المحاصيل الأخرى واحتياجاتنا منها؟

فالدول التي تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وموارد مائية وفيرة قد تتسع أمامها خيارات متعددة في اختيار محاصيلها، أما مصر فلديها معادلة مختلفة تفرض عليها أن تحسب بدقة كل فدان وكل متر مكعب من المياه، وأن تعمل على تعظيم العائد منهما. وهي معادلة تتطلب تكامل الجهود بين الجهات التنفيذية والبحثية بالدولة والمزارعين والاستفادة من نتائج الأبحاث العلمية في تطوير القطاع الزراعي.

ومن هنا، فإن الطريق إلى رفع مستوى الاكتفاء الذاتي من القمح، أو من أي محصول تستورد مصر جانبًا من احتياجاتها منه، لا يقتصر على البحث عن بدائل له، بل يبدأ من رفع إنتاجية الفدان من خلال استنباط الأصناف الحديثة عالية الإنتاجية، والتوسع في استخدام الميكنة الزراعية، وتحسين الممارسات الزراعية، وتقليل الفاقد في مراحل الحصاد والنقل والتخزين، وحماية الأراضي الزراعية من التآكل، وترشيد استخدام المياه .

وقد حققت الدولة المصرية تقدمًا ملحوظًا في عدد من هذه المجالات، من خلال دعم البحوث الزراعية واستنباط الأصناف عالية الإنتاجية وتحسين الممارسات الزراعية، وهو ما انعكس على مستويات إنتاجية بعض المحاصيل الاستراتيجية، ومن بينها القمح والأرز، حيث أصبحت مصر تحقق معدلات إنتاجية متقدمة وفقًا للمؤشرات الدولية، وهو ما يستحق البناء عليه ومواصلة تطويره.

ولذلك فإن تحقيق الأمن الغذائي بيتم من خلال رؤية علمية واقتصادية متكاملة، وإدارة رشيدة للموارد تقوم على تعظيم العائد من وحدة الأرض والمياه، وتحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدامهما.

وان نأخذ فى الاعتبار انه ليس كل محصول يصلح أن يكون بديلًا لمحصول آخر لمجرد إمكانية استخدامه فنيًا في التصنيع، فالبديل المناسب هو الذي تثبت الدراسات جدواه الاقتصادية والمائية والغذائية، في ضوء احتياجات الدولة وإمكاناتها.

كما يجب أن تستند القرارات المتعلقة بالتركيب المحصولي والبدائل الزراعية إلى دراسات واقعية ومقارنات دقيقة بين التكلفة والعائد، مع مراعاة محدودية الموارد وضرورة توجيهها إلى الاستخدام الأكثر كفاءة.
فكل قرار يتعلق بالتركيب المحصولي هو في حقيقته قرار يرتبط باقتصاد الدولة وأمنها الغذائي والمائي.
فالأمن الغذائي لا يقتصر على توفير ما نحتاجه من غذاء، وإنما يمتد إلى كيفية إنتاجه أو استيراده بأعلى كفاءة اقتصادية، وبأفضل استغلال لمواردنا المتاحة، وبما يضمن استدامة هذه الموارد ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.

* وزير الزراعة السابق



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك