أقام المجلس الأعلى للثقافة ندوة بعنوان: «تراث رمضان.. المرأة حارسة العادات والتقاليد»، وذلك مساء أمس الأحد.
أدارت الندوة الدكتورة نهلة إمام؛ أستاذة المعتقدات والمعارف الشعبية بالمعهد العالي للفنون الشعبية، ومستشارة وزير الثقافة لشؤون التراث الشعبي، وشارك فيها كلٌّ من الدكتور مصطفى جاد؛ أستاذ التراث والتقاليد الشعبية وعميد المعهد العالي للفنون الشعبية سابقًا، والدكتورة ولاء محمود؛ وكيلة المعهد العالي للفنون الشعبية.
تحدثت الدكتورة نهلة إمام فى افتتاح الندوة عن الدور المحوري الذي تقوم به المرأة في حفظ التراث الشعبي واستمراره عبر الأجيال، مؤكدة أن المرأة تُعد الحارس الحقيقي للعادات والتقاليد داخل المجتمع، إذ يرتبط بوجودها في الأسرة استمرار الكثير من الممارسات التراثية وانتقالها من جيل إلى جيل. وأوضحت أن كثيرًا من عناصر التراث، خاصة في المجتمعات التقليدية، لا يمكن أن تستمر دون دور المرأة في التربية والتنشئة الاجتماعية؛ فهي التي تغرس القيم والعادات في الأبناء منذ الصغر.
وأضافت أن التجارب العملية في تسجيل عناصر التراث مثل فن التحطيب المصري لدى المنظمات الدولية، ومنها منظمة UNESCO، أظهرت أهمية إبراز دور المرأة عند توثيق هذه العناصر، لأن بقاء التراث واستدامته يرتبطان بدرجة كبيرة بإرادة المرأة ودورها داخل المجتمع. كما أشارت إلى أن المرأة لا تسهم فقط في الحفاظ على الجوانب الإيجابية من التراث، بل قد يكون لها أيضًا دور في استمرار بعض الممارسات الاجتماعية، وهو ما يستدعي الوعي بأهمية توجيه هذا الدور بما يدعم القيم الإيجابية ويحافظ على الهُوية الثقافية.
وأكدت في مختتم كلمتها الافتتاحية أن التعامل مع قضايا التراث يحتاج إلى الاستفادة من خبرات المتخصصين في مجالات التراث والعلوم الاجتماعية، مشيرة إلى أن فهم آليات انتقال التراث داخل المجتمع يمثل خطوة أساسية للحفاظ عليه وتطويره.
ثم تحدثت الدكتورة ولاء محمود عن دور المرأة العميق في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي داخل المجتمع، مشيرة إلى أن المرأة كانت عبر الأجيال ومازالت حاملةً للموروثات الشعبية من خلال الحكايات التي ترويها وتنقل بها خبراتها وقيم مجتمعها. وأكدت أن هذا الدور لم يقتصر على المجال الأسري فحسب، بل امتد ليشمل التأثير في منظومة التنشئة الاجتماعية؛ حيث تؤدي المرأة أدوارًا متعددة كأم وزوجة ومربية ومعلمة، بما يجعلها عنصرًا أساسيًا في نقل العادات والتقاليد وترسيخها لدى الأجيال الجديدة.
وأضافت أن من أبرز مظاهر هذا الدور إسهام المرأة في ترسيخ اللغة واللهجة داخل الأسرة، إذ يتعلم الأبناء في سنواتهم الأولى النطق الصحيح للكلمات والمفردات من أمهاتهم، بما يساعد على الحفاظ على الخصوصية اللغوية والثقافية للمجتمع. كما أوضحت أن الأم تمثل المصدر الأول لغرس القيم الأخلاقية داخل الأسرة، من خلال ما تقدمه من توجيه وتربية يومية تشكل وعي الأبناء وسلوكهم.
وأشارت في مختتم كلمتها إلى أنها أعدت عرضًا تقديميًا يتضمن مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطتها خلال عملها الميداني في عدد من المحافظات المصرية، موضحة من خلاله ملامح الهوية الثقافية للمرأة المصرية وأشكال حضورها في البيئات المختلفة، بما يعكس تنوع التجربة التراثية في المجتمع المصري.
كما أشارت إلى التحول من تصوير المرأة كحارسة للتراث في الكلاسيكيات السينمائية، مثل "الزوجة الثانية" و"دعاء الكروان"، والذى أدى بدوره إلى تمكينها الرقمي اليوم، مما يتطلب صياغة استراتيجية تأخذنا إلى "رقمنة الوعي الثقافي"؛ وذلك عبر تغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي ببيانات دقيقة وموثقة من متخصصين حول الحرف والتقاليد النسوية، لضمان حماية دورالهُوية المصرية من التزييف أو التهميش التكنولوجي، وتحويل هذا الموروث إلى قوة دفع اقتصادية وسياحية تفاعلية تربط الأجيال الجديدة بجذورها وتبرز الدور القيادي والتنموي للمرأة في صياغة المستقبل الرقمي.
وتحدث الدكتور مصطفى جاد مؤكدًا أن المرأة في المجتمع الشعبي كانت دائمًا محورًا أساسيًا في كل الأنشطة والإنتاج التراثي، ولم تكن مجرد منفذة، بل كانت مبدعة تضيف لمستها الخاصة على كل ما تنتجه. وأوضح أن المرأة لها دور كبير في الحرف اليدوية، وتصميم الأزياء والزينة، وأعمال المنزل، مثل الخبز وصناعة النسيج، وكذلك سائر أنواع الحرف التقليدية، مع حرصها على إخراج كل منتج متقن يعكس مهارتها وإبداعها. وأشار إلى أن دورها لم يقتصر على الإنتاج فقط، بل امتد إلى التدريب والتعليم، وتنظيم الاحتفالات الشعبية بطريقة تحافظ على خصوصيتها وتبرز حضورها في الفنون والمجتمع، بما في ذلك الممارسات الرقمية التي توثق أعمالها وتنشرها عبر الوسائط الحديثة.
كما شدد الدكتور جاد على أن المرأة في الأدب الشعبي لعبت دورًا محوريًا في الحروب والمواقف التاريخية، وأن حضورها لم يكن ثانويًا، بل كان قوة محركة للأحداث. وذكر أمثلة لشخصيات مثل "الجازية" فى "السيرة الهلاليَّة"، و"شهرزاد" فى "ألف ليلة وليلة"، وغيرهن فى الأدب والواقع من النساء اللواتي جسدن الشجاعة والحكمة والإبداع، وتدخلن في مجريات الأحداث الاجتماعية والسياسية، وتحكمن في مصائر الأمم والمجتمع والدفاع عن شعبهن.
وفي مختتم حديثه، أكد الدكتور مصطفى جاد أن المرأة هي عمود الأسرة في المجتمع المصري، وأن حضورها المستمر في الإنتاج الشعبي والآداب والفنون والحياة اليومية يجعلها القوة الحقيقية التي ترتكز عليها التجارب الاجتماعية والثقافية كافة.