في الوقت الذي سعت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تصوير يوم 24 أغسطس الماضي باعتباره "يوم القيامة لإيران اقتصاديا" بالترويج لفكرة أن حزمة العقوبات والإجراءات غير المسبوقة ستدمر الاقتصاد الإيراني، لم يكن الأمر بالنسبة للإيرانيين سوى سيناريو متكرر ومألوف يستطيعون التعامل معه.
ففي ذلك اليوم قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: "نحن نشن هجوما اقتصاديا كاسحا يستهدف الروابط المالية لإيران حول العالم ... هدفنا هو قطع كل شريان حياة اقتصادي يُبقي هذا النظام المستبد قائما". لكن يبدو أن بيسنت نسي أنه وجه نفس التهديد وقطع نفس التعهد في أبريل الماضي عندما قال إن الولايات المتحدة "تفرض حصارا ماليا خانقا على النظام الإيراني" في إطار ما أطلق عليه البيت الأبيض اسم "عملية الغضب الاقتصادي". كما كان المشهد تكرارا لما فعلته إدارة ترامب الأولى عندما أعلنت إطلاق حملة "الضغط الأقصى" على إيران في مايو 2018، حين قال وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت مايك بومبيو أن إيران ستواجه "أقوى عقوبات في التاريخ".
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال إسفانديار باتمانجليج مؤسس ورئيس مؤسسة "بورصة أند بازار" والأستاذ غير المتفرغ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة إن الاقتصاد الإيراني قد عانى ،بلا شك، من تبعات كل هذه الإجراءات الأمريكية، فعانت إيران من نمو اقتصادي ضعيف ومستويات تضخم مرتفة، وتراجع الإنفاق على مشروعات البنية التحتية وقلصت الشركات الإيرانية الاعتماد على التقنيات الحديثة، مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات النامية. أما الأسر الإيرانية -التي كانت تتمتع بمستوى معيشي جيد، تواجه الآن خطر الانحدار إلى ما دون خط الفقر الرسمي.
ومع ذلك، نجحت إيران في أغلب سنوات العقد الماضي في الصمود أمام سياسة الإكراه الاقتصادي الأمريكية، حيث لجأت إلى أساليب الالتفاف على العقوبات لمواصلة تصدير النفط إلى شريكها التجاري الأبرز، الصين. كما تكيفت قطاعاتها غير النفطية مع العقوبات؛ إذ أدى انخفاض قيمة الريال الإيراني إلى تراجع حدة المنافسة من السلع المستوردة، مما عزز القدرة التنافسية للمنتجات الإيرانية في الأسواق الإقليمية ودفع عجلة الصادرات. وبذلك، تجنبت إيران الانهيار الاقتصادي الجامح الذي شهدته دول أخرى خضعت للعقوبات الأمريكية مثل سوريا وفنزويلا.
أما الآن فالحرب الأمريكية تختبر الاقتصاد الإيراني على الصمود بطرق لم تكن العقوبات وحدها قادرة على تحقيقها؛ فقد استهدفت غارات جوية أمريكية وإسرائيلية عديدة منشآت صناعية حيوية، بما في ذلك بعض أهم مصانع الصلب والبتروكيماويات في إيران. وأسفرت هذه الهجمات عن توقف كبير في إنتاج سلع صناعية رئيسية. كما لم يقتصر أثر الحصار البحري الأمريكي على خفض الصادرات الإيرانية فحسب، بل أدى أيضا إلى عرقلة استيراد سلع رأسمالية واستهلاكية تشتد الحاجة إليها. ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة، من المتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 4ر5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، مقابل انكماشه بأقل من نصف هذه النسبة في العام الماضي. كما ارتفع معدل التضخم السنوي من 6ر52% في ديسمبر الماضي إلى 6ر88% بحلول الصيف الحالي.
ورغم تدهور الوضع الاقتصادي في إيران مازال نظام الحكم أكثر قدرة على مقاومة الآثار القسرية للعقوبات الأمريكية مما بدا للوهلة الأولى؛ إذ لم تؤثر حالة الاقتصاد السيئة على قدرة إيران على خوض الحرب. ولا تزال مخزونات السلع المختلفة وفيرة بفضل سنوات من الخبرة في التعامل مع العقوبات، كما نجحت الدولة الإيرانية -بما تمتلكه من أدوات قمع قوية- في تحميل المواطنين العاديين جانبا كبيرا من الأعباء الاقتصادية مع ضمان تلبية احتياجاتها الخاصة في الوقت ذاته. وبعبارة أخرى، يمكن لنهج ترامب بالتأكيد أن يفاقم معاناة معظم الإيرانيين ويزيد من فقرهم، لكنه لا يستطيع خنق الجمهورية الإسلامية نفسها، بحسب أسفانديار باتمانجليج
ويعترف المسؤولون الإيرانيون بالصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد. يقول محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني "بغض النظر عن قوتنا العسكرية، فإننا لن نصمد إذا جاع الشعب أو توقفت دورة الأموال و النمو الاقتصادي والإنتاج المحلي". وقد استخدم بيسنت تصريح قاليباف كدليل على تحقيق الحرب الاقتصادية الأمريكية التأثير المطلوب. وفي مقابلة تلفزيونية في الأسبوع الماضي أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن إحباطه من إنكار بعض القادة السياسيين الإيرانيين للأضرار الناجمة عن العقوبات. وقال "يقول البعض إن العقوبات ليس لها تأثير على الإطلاق. حقيقة لا أعرف ما هذا الذي يقولونه للشعب".
لكن التقييمات الأمريكية للاقتصاد الإيراني وفعالية سياسات الإكراه الاقتصادي تغفل الطريقة التي أعادت بها العقوبات تشكيل الاقتصاد السياسي في إيران، إذ غيرت توزيع الموارد الاقتصادية بما يعزز هيكل السلطة القائم. فالقادة الإيرانيون الذين يرفعون أصواتهم أكثر من غيرهم بشأن معاناة عامة الناس لا يخشون انهيارا اقتصاديا وشيكا للبلاد؛ لكنهم يعترضون على التوافق السياسي الذي أتاح للنخب الإيرانية تحميل عامة الناس -عن عمد- عبء الضغوط الناجمة عن العقوبات. وبعبارة أخرى، فإن قاليباف وبزشكيان يشتكيان من التبعات الاجتماعية للسياسة التي حققت النتائج المرجوة منها إلى حد كبير.
كما أن التقييمات الأمريكية للاقتصاد الإيراني تغفل ديناميكيات بالغة الأهمية. فعادة ما يتم رصد آثار العقوبات من خلال مؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل معدلات النمو والتضخم وانخفاض قيمة العملة. و هذه المقاييس تقدم نظرة مالية لا وظيفبة للاقتصاد. ولتبني منظور وظيفي، لا بد من النظر في الديناميكيات على مستوى الشركات والأسر؛ لأنها هي التي تكشف سبب عدم استسلام إيران رغم تدهور المؤشرات الاقتصادية الذي يتصدر عناوين الأخبار، بحسب باتمانجليج.
وتكشف بيانات الاقتصاد الجزئي عن آثار الضغوط الاقتصادية الأمريكية على مستوى الشركات والأسر. وتظهر مراجعة بيانات "مؤشر مديري المشتريات" الصادرة عن غرفة التجارة الإيرانية، بوضوح كيف تفاقمت الأزمة الاقتصادية في البلاد؛ ففي الفترة ما بين عامي 2019 و2023، شهد الاقتصاد الإيراني ككل انكماشا استمر لثلثي تلك المدة، نتيجة عقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترامب في ولايته الأولى، وجائحة فيروس كورونا المستجد والاضطرابات المرتبطة باحتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية". في المقابل حققت الصناعات غير النفطية الإيرانية نموا بسيطا طوال تلك الفترة. بل إن إيران بدأت في مطلع عام 2023 الخروج من حالة الركود الطويلة التي عانت منها. وبحلول مارس 2024، بدأت مستويات المعيشة ترتفع مجددا، مدعومةً بزيادة في الدخل الحقيقي بنحو 15%.
غير أن هذا التعافي تعثر بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران في أبريل 2024. حيث أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بالصراع العسكري المتكرر إلى تراجع مستمر في النشاط الصناعي، مما دفع إيران نحو ركود أعمق؛ إذ أشارت الشركات الصناعية إلى تدهور في الأوضاع على مدى ثمانية أشهر متتالية. لكن هذا لا يعني أن هذه الشركات تعاني من صعوبات مالية، حيث طورت -على مدى العقدين الماضيين- وسائل الاحتفاظ بمخزونات كبيرة، تتيح لها تخفيف آثار العقوبات على سلاسل التوريد، كما تساعد في دعم الميزانيات العمومية في ظل بيئة تتسم بارتفاع معدلات التضخم، حيث تفقد السيولة النقدية قيمتها بينما تحافظ السلع على قيمتها.
في الوقت نفسه واصلت الشركات الإيرانية رفع الأسعار لحماية هوامش أرباحها، ليتحمل المستهلكون عبء ارتفاع تكاليف الإنتاج. ومع استمرار الحرب، أدت هذه الأسعار المرتفعة إلى تراجع حاد في الطلب؛ إذ بدأت الأسر الإيرانية -التي أنهكتها سنوات من التضخم المستمر- تقليص استهلاكها. وبالفعل أشار تجار التجزئة الإيرانيون إلى انخفاض حجم المبيعات.
ويشير الانخفاض الحاد في استهلاك الأسر بوضوح إلى تدهور مستويات المعيشة في إيران، وهو ما أجبر المسؤولين الإيرانيين على الإقرار بالمعاناة التي يواجهها عامة الناس. ومع ذلك، فشلت الحكومة حتى الآن في التدخل لكبح جماح الأسعار المتصاعدة؛ فلم يكتفِ المسؤولون بعدم فرض ضوابط على الأسعار -وهي خطوة نجحت سابقاً في تخفيف وطأة المعاناة الاقتصادية إبان الحرب الإيرانية العراقية قبل أربعة عقود- بل ناقشوا أيضاً إلغاء التحويلات النقدية ودعم الطاقة لقطاعات واسعة من السكان. في الوقت نفسه فإنه مع بقاء معدل التضخم الشهري دون مستوى 10%، لا تزال إيران بعيدة جدا عن التضخم المفرط -الذي يتسم بمعدلات شهرية تتجاوز 50%- والذي من شأنه جعل استراتيجية الحكومة القائمة على القبول بمعدل تضخم مرتفع كشر لا بد منه، غير قابلة للاستمرار.
وعندما استدعى وزير الخزانة الأمريكي بيسنت صورة "يوم الإنزال" على سواحل نورماندي في الحرب العالمية الثانية، باعتبار ما سيعلنه من عقوبات وإجراءات ستفتح طريق هزيمة إيران، كما فتح الإنزال في نورماندي الطريق لهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية، لم يتوقف الوزير عند طبيعة الطرف الآخر في المعركة. فقد جاء نجاح السلطات الإيرانية في تحميل عامة الناس تكاليف كل من العقوبات والحرب كشكل من أشكال التعبئة في زمن الحرب. ورغم أن قطاعات كبيرة من الشعب الإيراني قد لا ترغب في الانخراط في مثل هذه التعبئة، فإنهم لا يملكون خيارا آخر.
وإذا كان الرئيس ترامب قد تساءل في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "متى سينتفض الشعب الإيراني ويقاتل؟"، فالواقع يقول إنه حتى لو نزل الإيرانيون العاديون إلى الشوارع مجدداً للاحتجاج على الأزمة الاقتصادية، فسيواجهون مرة أخرى العنف الوحشي الذي يمارسه نظام الحكم الإيراني. فالعديد من القادة الإيرانيين يعتقدون أنه يمكن تحميل السكان المزيد من المعاناة لا سيما إذا كان ذلك ضرورياً لهزيمة الولايات المتحدة عسكرياً. وهكذا، ولكي تخرج منتصرة في حربها الاقتصادية، سيتعين على إدارة ترامب خنق 25 مليون أسرة وأكثر من مليون شركة في إيران وهو سيناريو من الصعب تحقيقه في كل الأحوال.